(الضؤ الشارد) والي الشمالية يعتقل حماة الأرض. ويفتح الطريق أمام نزيف ثروات السودان بقلم/ ملوك ميوت ايواك

إن ما شهدته الولاية الشمالية من حملة اعتقالات طالت عددا من ثوار ترس الشمال بعد احتجاجاتهم على مقتل عمال تعدين سودانيين في منطقة جبال العيقاد يمثل إذا ثبتت الوقائع كما وردت يصبح تحولا خطيرا في طريقة التعامل مع الاحتجاجات السلمية. فبدلا من فتح تحقيق شفاف في ملابسات الحادث والاستماع إلى مطالب المحتجين اختارت السلطات الأمنية بتوجيهات من والي الولاية اللجوء إلى الاعتقالات وهو نهج يثير تساؤلات واسعة حول أولويات السلطة في هذه المرحلة الحساسة.
ويزداد الجدل عندما تربط تلك الاعتقالات باتهامات سياسية جاهزة مثل الانتماء إلى قوى الحرية والتغيير أو تنفيذ أجندات تهدد الأمن الداخلي من دون إعلان أدلة للرأي العام. فمثل هذه الاتهامات إن لم تدعم بإجراءات قانونية شفافة قد تفهم باعتبارها وسيلة لإضعاف الحراك الشعبي أكثر من كونها معالجة حقيقية لمخاطر أمنية.
ويرى منتقدون أن توقيت الحملة يثير علامات استفهام خاصة في ظل استمرار الجدل حول حركة الموارد السودانية عبر الحدود وما يصفونه بغياب رقابة صارمة على تصدير الذهب والثروة الحيوانية والمحاصيل الاستراتيجية. ومن هذا المنظور يعتبر هؤلاء أن إسكات الأصوات المحتجة قد يحد من الرقابة الشعبية على إدارة الموارد وهي قراءة تبقى في إطار الرأي السياسي وتحتاج إلى ما يدعمها من أدلة.
وتأتي هذه التطورات بينما يعيش المواطن السوداني أوضاعا اقتصادية بالغة الصعوبة حيث تتراجع القدرة الشرائية وتتفاقم أزمات المعيشة. وفي مثل هذه الظروف تصبح الأولوية المنتظرة من الحكومات هي حماية الإنسان والاقتصاد الوطني لا توسيع دائرة المواجهة مع المواطنين المحتجين.
كما أن الجدل المتعلق بآليات التبادل التجاري مع مصر بما في ذلك طبيعة المدفوعات والتوازن في المصالح الاقتصادية يستدعي نقاشا مؤسسيا شفافا يستند إلى بيانات رسمية ورقابة مستقلة بدلا من أن يتحول إلى ملف تواجه فيه الأصوات الناقدة بإجراءات أمنية.
فقوة الدولة تقاس بقدرتها على حماية الحقوق وإدارة الخلافات وفق القانون ومحاسبة أي جهة يثبت تورطها في انتهاكات أو تجاوزات. أما تحويل الاحتجاج إلى قضية أمنية فإنه قد يعمق فجوة الثقة بين السلطة والمجتمع ويزيد من حدة الاحتقان بدلا من معالجته.
عندما يصبح صوت المحتج أخطر من الأسئلة التي يطرحها فإن المشكلة لا تكون في الشارع بل في طريقة إدارة السلطة للاختلاف. فالدول التي تواجه الانتقاد بالاعتقال قد تنجح في إسكات الأصوات مؤقتا لكنها لا تسكت الحقائق ولا تؤجل استحقاق المساءلة إلى الأبد.


