قوارب الموت نزيف شباب السودان يكتب كمال إدريس

هل لاحظت مؤخرا ازدياد فيديوهات القوارب المطاطية على الوسائط وهي تحمل الشباب الإفريقي عبر المتوسط نحو القارة العجوز؟!
المشاهد نوعان، إما أياد تلوح بعلامة النصر بعد الاقتراب من سواحل اليونان، أو رؤوس منحنية داخل مياه المتوسط وقد طفت بعد أن فارقت الحياة.
مشاهد مؤلمة تحفزها فيديوهات يبثها العابرون من داخل أوروبا، يحكون عن نجاحهم، والدنيا المبتسمة التي تنتظرهم، والمستقبل الذي لم يجدوه في بلادهم.
الملاحظ أن معظم هؤلاء الفارين هم من السودان، فهم الأكثر توثيقا لحراكهم عبر القوارب المطاطية.
من المسؤول عن هذا الهدر الشبابي والنزف في مقدرات الوطن، ولماذا، وهل هي خطة لاستنزاف السودان من سواعده الفتية؟!
أسئلة لن تجد إجابات من الجهات الرسمية في الوقت الحالي على الأقل، فالحرب لم تترك لهم وقت فراغ.
لكن الأرقام وحدها تكشف حجم المأساة. فالسودان يعيش اليوم واحدة من أكبر أزمات النزوح في العالم، إذ تشير بيانات الأمم المتحدة إلى أن عدد النازحين واللاجئين تجاوز 15 مليون شخص منذ اندلاع الحرب، بينهم ملايين الشباب الذين فقدوا الدراسة والعمل والأمل في مستقبل قريب، فتوزعوا غرقى في المتوسط أو هلكى تحت صخور مناجم الذهب.
المنظمة الدولية للهجرة تؤكد أن طريق وسط البحر المتوسط لا يزال أخطر ممر للهجرة في العالم، وقد ابتلع منذ عام 2014 أكثر من 32 ألف إنسان بين غريق ومفقود، فيما سجلت السنوات الأخيرة آلاف الوفيات الجديدة رغم حملات الإنقاذ المتواصلة.
المفارقة أن من ينجح في الوصول لا يجد بالضرورة الفردوس الموعود. فكثير منهم يصطدم بمراكز استقبال مكتظة، وإجراءات لجوء قد تمتد أشهرا أو سنوات، وفرص عمل محدودة، بينما يظل شبح الترحيل قائما لمن لا يستوفون شروط الحماية.
الخاسر الأكبر ليس الشاب وحده، بل الوطن أيضا. فكل قارب يغادر يحمل معه جزءا من طاقته البشرية، ومن أطبائه ومهندسيه وحرفييه وطلابه، في وقت يحتاج فيه السودان إلى كل يد تبني، لا إلى كل يد تلوح مودعة من فوق قارب مطاطي.
إن وقف هذا النزيف لا يكون بإغلاق السواحل فقط، بل بإغلاق أبواب اليأس، وفتح أبواب السلام، واستعادة مؤسسات الدولة، وخلق فرص التعليم والعمل والإنتاج. فعندما يشعر الشاب أن مستقبله ممكن في وطنه، لن يجعل من البحر عنوانا لأحلامه، ولا من الأمواج مقبرة قد لا تحمل اسمه، لكنها ستضيف رقما جديدا إلى قوائم المفقودين.


