مقالات الرأي

نسق ألانامل  د. الهادي خضر درمه  يكتب  التحول من “أنين إلى “نسق الأنامل”

 

صفحة جديدة في مسيرة جديده ومتجدده لهذا العمود، بعد أن رافقكم طويلًا تحت عنوان “أنين الأنامل”، وهو عنوان لم يكن وليد مصادفة، وإنما كان ابنًا لمرحلة استثنائية فرضتها ظروف الحرب وما أفرزته من مآسٍ وآلام وانكسارات. لقد كان ذلك الأنين صدىً لأنين وطنٍ أنهكته البنادق، ولأنين أسرٍ مزقتها الهجرة والنزوح، ولأنين مجتمعٍ أثقلته الخسائر المادية والإنسانية، حتى غدت الكلمات نفسها تبحث عن لغة تواسي بها الناس قبل أن تحلل لهم الأحداث.

لكن للحياة سننًا لا تتوقف عند الألم، وللصحافة رسالة لا يجوز أن تظل أسيرة الحزن، مهما كانت دواعيه. فالكتابة التي تؤرخ للوجع مطالبة أيضًا بأن تمهد الطريق للأمل، وأن تنتقل من وصف الجراح إلى الإسهام في مداواتها، ومن رصد الانكسارات إلى استشراف مسارات النهوض.

من هنا جاء تعديل اسم هذا العمود إلى “نسق الأنامل”.

إن النسق يعني النظام، والرؤية، وترتيب الأفكار، والقدرة على قراءة الوقائع في سياقاتها الصحيحة، بعيدًا عن الانفعال أو الضجيج. أما الأنامل، فهي رمز القلم الذي يكتب بضمير، ويحلل بمسؤولية، وينتصر للحقيقة دون تحيز أو هوى. وبذلك يصبح العنوان الجديد أكثر اتساعًا لاستيعاب مختلف القضايا الوطنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والرياضية والثقافية، وفق رؤية متوازنة تجعل من الكلمة أداة بناء لا مجرد وسيلة للتعبير عن الألم.

وليس في هذا التحول تنكرٌ لمرحلة “أنين الأنامل”، بل هو وفاء لها. فالأنين كان ضرورة فرضتها قسوة الواقع، أما النسق فهو استجابة لما تفرضه المرحلة المقبلة من حاجة إلى الفكر الهادئ، والتحليل الرصين، والحوار المسؤول. فالأوطان لا تُبنى بالشكوى وحدها، وإنما تُبنى أيضًا بترتيب الأولويات، وإعلاء قيمة العقل، وإحياء الثقة في المستقبل.

سيظل هذا العمود وفيًا لقضاياه الأساسية؛ منحازًا للوطن، ومدافعًا عن قيم الحق والعدالة، ومقتربًا من هموم الناس وتطلعاتهم، لكنه سيحاول أن يجعل من كل قضية مدخلًا للفهم، ومن كل حدث فرصة للقراءة المتأنية، ومن كل رأي مساحة للحوار لا للخلاف.

“نسق الأنامل” ليس مجرد تغيير في الاسم، وإنما إعلان عن مرحلة جديدة؛ مرحلة تنتقل فيها الأنامل من تسجيل الأنين إلى صناعة المعنى، ومن مرافقة الألم إلى الإسهام في بناء الوعي، ومن وصف المشهد إلى ترتيب عناصره، لعل الكلمة الصادقة تكون لبنةً في بناء وطنٍ يستحق أن نكتب له، لا أن نبكيه فقط.

ياوطني العزيز يا اول واخر أفخر بي حياتي وبحبك بجاهر.

عشت شايه ورايه وعلما بين الأمم.

اذا أمد الله في الاجال سنعود.

زر الذهاب إلى الأعلى