(الضؤ الشارد) بين أمواج الموت وصمت العالم… السودانيون يهربون من الجحيم ليجدوا البحر في انتظارهم.. بقلم/ ملوك ميوت ايواك

لم يعد البحر الأبيض المتوسط مجرد طريق للهجرة بل تحول إلى مقبرة مفتوحة لأحلام السودانيين الذين دفعتهم الحرب إلى الهروب من وطنٍ لم يعد يتسع للحياة. ففي كل قارب متهالك تحمل الأمواج قصة أسرة شتتها الرصاص وشاب سرقت الحرب مستقبله وطفل لم يعرف من الوطن سوى الخوف والجوع والنزوح.
وإعلان مؤسسة العابرين الإنسانية في ليبيا عن إنقاذ (36) مهاجرا سودانيا قبالة سواحل رأس عزاز شرق طبرق ليس مجرد خبر عابر بل شهادة جديدة على حجم المأساة التي يعيشها السودانيون. هؤلاء لم يركبوا البحر بحثا عن الرفاهية أو المغامرة وإنما فرارا من حرب التهمت المدن وأحرقت القرى وابتلعت أحلام الملايين. ولقد قدمت المؤسسة للمهاجرين مساعدات غذائية وإغاثية عاجلة قبل نقلهم إلى مركز إيواء باب الزيتون في مشهد يعكس جانبا من الإنسانية التي بات السودانيون يبحثون عنها خارج حدود وطنهم بعد أن فقدوها داخل بلادهم التي مزقتها الحرب والانقسام.
من المفارقة أن السودان الذي كان يوما يستقبل اللاجئين من دول الجوار أصبح اليوم يصدر أبناءه إلى الصحارى والبحار وقوارب الموت. ولم يعد السؤال كم سوداني غادر؟ بل كم سوداني سينجو؟
إن إنقاذ ستة وثلاثين شخصاً خبر يبعث على الارتياح لكنه في الوقت نفسه يدق ناقوس الخطر. فخلف هؤلاء عشرات وربما مئات القوارب الأخرى تحمل بشرا أنهكتهم الحرب وأصبح البحر بالنسبة لهم أقل رعبا من البقاء في وطن يتآكل كل يوم.
لقد أصبحت الهجرة غير النظامية مرآة تعكس فشل السياسة وعجز المجتمع الدولي عن وقف نزيف السودان بينما يدفع المدنيون وحدهم ثمن الصراع متنقلين من جحيم الحرب إلى رهبة الأمواج.فحين يصبح البحر أكثر رحمة من اليابسة فاعلم أن الوطن لم يعد يخسر أرضه فقط… بل يخسر أبناءه أيضا..!


