أحمد عبدالكريم عبدالله يكتب الأم.. هي صانعة هيبة الأب والمجتمع

كثيراً ما اختزلنا “هيبة الأب” في الصوت المرتفع والصرامة والإنفاق، ونسينا أن الهيبة الحقيقية لا تُفرض، بل تُحترم، ومن يملك مفتاح هذا الاحترام داخل البيت ليست العصا أو مرتب الأب أو مصدر دخله.. ولكنها هي الأم.
إن الأم هي أول من يرسم صورة الأب في وعي أبنائه؛ فإن رسمتها مهيبة موقرة، نشأ جيل يحترم السلطة والكبير والقانون، وإن رسمتها مهزوزة، خرج جيل لا يعرف للكلمة وزناً ولا للرأي قيمة.
فكلمة الأم هي حجر الأساس لهيبة الأب؛ فالطفل لا يولد وهو يعرف مكانة أبيه، ولكنه يتعلمها من أمه.
حين تقول الأم للأبناء: “انتظروا لما يجي أبوكم عشان يفصل بينكم” أو “رأي أبوكم هو الفيصل لأنه أدرى بمصلحتكم”، رغم مقدرتها هي نفسها على القيام بذلك الفصل في تلك اللحظة، فهي بذلك تزرع في اللاوعي لدى الأبناء مفهوماً اسمه (المرجعية)، وهو ما يجعل الأب في مفهومهم هو الحكم والملاذ، وصاحب الكلمة الأخيرة.
أما حين تقول الأم في لحظة غضب أو انفعال: “أبوكم ما فاهم شي” أو “أبوكم ما جايب لينا خبر”، أو تقلل من شأنه أو من أفكاره أمامهم، فهي لا تنتقص من الأب فقط، بل تهدم مؤسسة كاملة اسمها (البيت)؛ لأن الطفل الذي يرى أمه تقلل اليوم من أبيه، سيقلل هو من أمه غداً، ثم من معلمه، ثم من مجتمعه ووطنه.
لذا فإن الهيبة لا تصنعها مجرد الأوامر فقط، بل تصنعها التفاصيل؛ فالأم التي تستقبل الأب بالإجلال والاحترام، وتحدث الأبناء عن عطائه بالقول: “(أبوكم تعب الليلة عشانا أو عشانكم)”، هي تعلمهم درساً عملياً عن العرفان بالعطاء والتفاني.
وكذلك الأم التي تستشير الأب في كل كبيرة وصغيرة، وتقول للأبناء إن “(رأي الوالد أولاً)” حتى وإن كان لها رأي آخر في نفسها، هي بذلك تقول للأبناء: “هذا الرجل هو الأب، والأب هو عمود البيت فلا تهزوه بعصيانكم له”.
ويبقى الميزان قائماً بين الحزم والرحمة، وهنا يظهر الفرق بين الأم الحكيمة والأم العاطفية؛ فالأم الحكيمة لا تكون مجرد محامية أو مدافعة عن الأب، وفي ذات الوقت هي ليست جلاّدة، ولكنها رمانة ذلك الميزان، تشرح وتوضح للأبناء بأن شدة أبيهم وحسمه هي من خوفهم عليها، وأيضاً تشرح وتوضح للأب أن الأبناء يحتاجون حضنك قبل أمرك. فهي بهذا تحفظ هيبة الأب دون أن تكسر قلوب الأبناء، وتحفظ قلوب الأبناء دون أن تهز صورة الأب.
وعلى أعتاب الختام أقول: إن من البيت يبدأ المجتمع، وتراجع هيبة الأب في كثير من بيوتنا اليوم ليس سببه فقط تغير الزمن أو وسائل التواصل كما يدعي البعض، ولكن سببه الأول أننا سمحنا للبيت أن يفقد بوصلته، والبوصلة الحقيقية كانت دائماً في يد الأم.
المجتمعات التي انهارت، بدأت حين انهارت صورة الأب في عيون الأبناء، والأمم التي صمدت، صمدت لأن هناك أمهات آمنّ أن احترام الزوج أمام الأبناء هو عبادة، وأن إيجاد صورة أب مهيب هي مسؤولية وطنية قبل أن تكون مسؤولية أسرية.
وقالوا قديماً: “(وراء كل رجل عظيم امرأة)”.
ونقول اليوم: وخلف كل بيت متماسك، أم صانت هيبة الأب فصان الأبناء البيت كله.
فالتحية لكل أم اختارت أن تكون جسراً لا سوراً.. وأن تكون حارسة للوقار والهيبة لا هادمة لهما.


