عبد اللطيف السيدح يكتب: صرح السودان الدبلوماسي الممرد، يحتضن أول لقاء للجنته العليا بجدة اليوم

مساء اليوم بعروس البحر جدة،ومن قلب أحد أحيائها الجميلة سيعانق مجد السودان بحرها وتاريخها، وستكون الأمسية أميرة حسناء تخرج من خدرها في موعد لا يشبه سواه، لأنها لن تشهد اجتماعا إداريا باردا تكتبه السكرتاريا في محضر وتطويه في أحشاء الأرشيف، بل سيكون المساء لحظة فارقة لأن الجهد الذي بذل من أجل هذه اللحظة التاريخية، كان مداده الإصرار، والإصرار فقط، وأعقب هذا الإصرار إعصار الإنجاز، إنها ليلة أول لقاء للجنة العليا لتهيئة وتدشين وافتتاح مبنى القنصلية السودانية العامة الجديد. “ملك حر إلى يوم الدين”.
وفي أماسي شواطئ البحر، و مراسي السفن العملاقة ، ومدائن الحجاج، وقوافل التجار، سيلتئم أول إجتماع فوق العادة، لماذا لأن الحدث في حد ذاته فوق العادة، وقد وقف عقودا طويلة متحديا لقدرات شعب السودان، ومتحديا للدبلوماسية السودانية، حتى جاء فرج الله، ثم عزيمة رجل دبلوماسي لا يعرف التثاؤب، فخاض المعركة، وانتصر فيها، ومهر حسامه الهندي بتوقيع “كمال علي عثمان” ثم وضع السيف، وعبر بسفينة الحلم فوق عباب الحرب والتخذيل وحياكة المؤامرات سرا وعلانية.
لقد تحقق هذا الإنجاز الدبلوماسي الرفيع تحت وطأة حرب ضروس، وفي ظل حصار خانق ومؤامرات في مدينة المقر جدة ، ورغم ذلك أصر القنصل، ونوابه، ومساعدوه، وطواقم القنصلية الإدارية والفنية على أن تكتب في عهدها فصلا مغايرا لما يراد له. وفي الوقت الذي تتوالى محاولات النيل من هيبة وتمزيق نسيج الشعب السوداني، نجده قد نهض هنا في جدة، وامتلك صرحا دبلوماسيا شامخا، مؤكدا أن إرادة الدول لا تقهر بالحصار، وأن السيادة لا تختزل في خرائط المؤامرات. وأي معنى أبلغ من أن تنجز الدولة في أحلك ظروفها، أكبر صرح معماري لمحطة دبلوماسية سودانية بالخارج؟ إنها رسالة تتجاوز حدود المبنى إلى عمق الرمز، لتضع في بريد كل عميل ومتآمر ومخموم من حيث لا يحتسب أن السودان الذي يراد له أن يدفن في زحمة الأزمات، يخرج شامخا في وجه من يظن أنه ينهار، ويرفع رأسه حين يراد له أن يخر صريعا.
وبلقاء اليوم ستقطع الألسن الخراصة، وستلاحق اللعنات كل من خاض بالظن والتخمين بلا علم ولا برهان، ولا هدى ولا كتاب منير، ولطالما ارتفعت أصوات التخريب تبث الشكوك بين أبناء الجالية السودانية وقنصليتهم، وتشيع الإحباط واليأس، وتصور المشروع سرابا خرابا يبابا لن يتحقق، فإن الرد العملي سيأتي مساء اليوم من داخل أسوار بيت السودان الذي سيحتضن أول اجتماع تاريخي على عرصاته، وسيكون الرد عمليا لا خطابيا، بالفعل لا بالقول، لجنة عليا تجتمع، وخطط توضع، وموعد افتتاح يقترب بأيام معدودات. فما كان وعدا صار حقيقة تشاهدها الأعين العسلية، وما كان حلما سيكون لوحة مزدانة بحضارة كوش، وعلو البركل، واهرامات مروي والبجراوية، وتدفق ينابيع جبل مرة، و حلاوة سفوح التاكا، وهبباي نسائم سنكات، وتبلدي عروس الرمال، وشموخ جبال الكواليب، وعزة وديان البحير، وعنفوان مياه الروصيرص، وطمأنينة مطمورة السودان.
وفي هذا المساء ستوزع باقات الحب على أبناء وبنات الوطن، الذين سيضعون إصر المعاناة، وأغلال التعب بعد سنوات طويلة، وسيلتقون جميعا قريبا في تحفة معمارية تليق بهم وبمقاماتهم الكريمة، ولن يكون اجتماع اللجنة العليا اليوم محطة أخيرة لتسليم التابلت، إنما بداية لعد تنازلي نحو يوم الافتتاح الرهيب، حيث تفتح القلوب والأبواب على مصراعيها، لأبناء الجالية بالغربية وضيوفهم، ليستمتعوا بمشاهدة صرح ممرد، وقصر مشيد بالعزائم التي لاتلين، وسيكتب الجميع في دفتر الحضور، أن الأوطان تبنى بالإرادة لا بالتمني، وأن الحصار مهما اشتد، لا يقوى على وأد حلم شعب قرر أن يعبر رغم كل شيء.
فليملأ الخراصون المنصات عويلا، ولتبدع اللجنة العليا في أعمالها، وليستمتع أبناء الوطن العزيز بقصرهم المنيف، والبناء يتحدث، والحجر يشهد، والقنصلية الشامخة في جدة خير رد على كل من راهن على الانكسار.


