فريق شرطة حقوقي دكتور الطيب عبدالجليل حسين يكتب لماذا لأجهزة القوات النظامية هيكل اجور ومعاش مستقل بقوانين خاصة (2)

في سياق سلسلة هذه المقالة، لا يفوتني أن أشير إلى جملة من التعليقات والمداخلات التي وردت وأسهمت في إثراء النقاش حول قضايا المرتبات والأجور في القطاع العام الحكومي، ومن بينها على وجه الخصوص التسجيل الصوتي للأستاذ عوض خليفة نصر محمد (الدنقلاوي)، مؤسس ومدير مدارس عوض الدنقلاوي للتميز الأكاديمي وصناعة التفوق بمنطقة الحاج يوسف (الشقلة)، والذي تناول فيه عدداً من المحاور المهمة المرتبطة بفلسفة بناء سياسة المرتبات والأجور وإشكالات هيكلها في الخدمة العامة.
وقد قدم الأستاذ عوض الدنقلاوي رؤية تقوم على ضرورة بناء هيكل وطني موحد للمرتبات الأساسية في القطاع العام، باعتبار أن المرتب الأساسي يمثل القاعدة المشتركة التي ينبغي أن تنتظم في إطارها السياسة العامة للأجور، بما يحقق قدراً من العدالة والاتساق والشفافية بين وحدات الدولة المختلفة. وفي الوقت ذاته، أكد أهمية الإبقاء على التمييز المشروع في مجال البدلات والعلاوات والمخصصات والامتيازات الوظيفية، متى كان هذا التمييز قائماً على أسس موضوعية ترتبط بطبيعة الوظيفة، ودرجة المسؤولية، ومستوى المخاطر، وظروف وبيئة الأداء، باعتبار أن العدالة الوظيفية لا تعني التطابق الحسابي بين جميع الوظائف، وإنما تعني قيام الفوارق على معايير مهنية وقانونية مبررة.
ويكتسب هذا الطرح أهميته من كونه يلتقي مع الفكرة المركزية التي تقوم عليها سلسلة هذه المقالات، والمتمثلة في ضرورة إعادة ضبط المفاهيم الحاكمة لمنظومة الأجور من خلال التمييز بين المرتب الأساسي بوصفه أحد مكونات البناء العام للوظيفة العامة، والذي ينبغي أن يخضع لسياسة وطنية موحدة، وبين الدخل الوظيفي باعتباره مفهوماً أوسع يشمل مختلف عناصر التعويض المالي والمزايا المرتبطة بالوظيفة.
فالإشكالية الأساسية لا تتمثل في مجرد وجود تفاوت بين العاملين في الدولة، وإنما في غياب الإطار الموضوعي والمنهجي الذي يحدد طبيعة هذا التفاوت وأساس مشروعيته. إذ إن التمييز بين الوظائف لا يصبح إخلالاً بمبدأ المساواة متى استند إلى اختلاف حقيقي في طبيعة العمل أو حجم المسؤوليات أو ظروف الأداء، بل قد يكون تحقيقاً للعدالة الوظيفية ذاتها. ومن هنا تأتي أهمية المواءمة بين وحدة السياسة الوطنية للأجور من جهة، وبين مبدأ التخصص التشريعي في تنظيم التعويضات الوظيفية من جهة أخرى.
وعليه، فإن بناء نظام رشيد للمرتبات لا ينبغي أن ينطلق من فكرة التوحيد الشكلي لجميع عناصر الدخل، وإنما من إقامة توازن دقيق بين عدالة القاعدة العامة وخصوصية الوظائف المختلفة؛ بحيث يكون المرتب الأساسي إطاراً وطنياً موحداً يعبر عن وحدة الخدمة العامة، بينما تظل البدلات والعلاوات والمخصصات والامتيازات مجالاً للتنظيم المتخصص الذي يراعي طبيعة كل وظيفة ومتطلباتها. وهذا هو المدخل الذي يسمح بإعادة بناء سياسة أجور أكثر اتزاناً، تجمع بين العدالة والكفاءة والاستدامة المؤسسية.
(أولاً) التعليم والقوات النظامية: ركيزتان استراتيجيتان للأمن القومي:
——————————–
يمثل قطاع الخدمة في القوات النظامية وقطاع الخدمة التعليمية ركيزتين استراتيجيتين في بناء الدولة واستدامة مؤسساتها، ولا يمكن النظر إليهما باعتبارهما مجرد مرفقين تقليديين من مرافق الخدمة العامة، وإنما باعتبارهما مرفقين وطنيين ذوي طبيعة سيادية بالمعنى الاستراتيجي؛ إذ يضطلع الأول (القوات النظامية) بمهمة حماية سيادة الدولة وسلامة أراضيها وأمنها واستقرارها ونظامها الدستوري، بينما يتولى الثاني (التعليم) بناء الإنسان، وتنمية رأس المال البشري، وصناعة المعرفة، وتعزيز القدرة الوطنية على التنمية والابتكار واستدامة البناء المؤسسي.
وعلى الرغم من اختلاف طبيعة الاختصاص وأدوات الأداء بين القطاعين، فإن كليهما يؤدي وظيفة ترتبط ارتباطاً وثيقاً بمفهوم الأمن القومي؛ فالقوات النظامية تمثل منظومة الحماية المادية للدولة، بما توفره من أمن واستقرار وقدرة على مواجهة التحديات والتهديدات، في حين يمثل التعليم منظومة الحماية الفكرية والمعرفية والحضارية، بما ينتجه من وعي ومهارات وقدرات بشرية قادرة على حماية مؤسسات الدولة وتطويرها. فإذا كانت القوات النظامية تصون حدود الوطن ومقومات سيادته، فإن التعليم يصنع المواطن المؤهل الذي ينهض بهذه السيادة ويحافظ عليها عبر المعرفة والكفاءة والإبداع.
ومن هذا المنطلق، فإن تقدير مكانة هذين القطاعين لا ينبغي أن يقتصر على طبيعة المهام المباشرة التي يؤديها كل منهما، وإنما يجب أن ينظر إليهما ضمن منظومة الأمن الوطني الشامل، الذي يجمع بين أمن الدولة المادي وأمنها المعرفي والبشري. ولذلك فإن أي سياسة وطنية للأجور في الخدمة العامة ينبغي أن تستوعب هذه الخصوصية الاستراتيجية، من خلال تحقيق العدالة في المرتب الأساسي باعتباره قاعدة موحدة تعكس وحدة الوظيفة العامة، مع مراعاة التخصص الوظيفي والاختلاف الموضوعي في البدلات والعلاوات والمخصصات والامتيازات التي تفرضها طبيعة كل مرفق، ودرجة مسؤولياته، وظروف أدائه، ومتطلبات رسالته الوطنية.
وبذلك يتحقق التوازن بين مبدأ وحدة السياسة الوطنية للأجور من جهة، ومبدأ الاعتراف بالخصوصية الوظيفية للقطاعات ذات الطبيعة الاستراتيجية من جهة أخرى، بما يضمن عدالة التعويضات دون إهدار للفروق المهنية المشروعة، ويعكس الفهم الصحيح للأجر باعتباره أحد أدوات الدولة في دعم مؤسساتها الحيوية وتعزيز قدرتها على أداء وظائفها الدستورية والتنموية.
وفي هذا السياق، أثار التسجيل الصوتي للأستاذ/ عوض خليفة نصر محمد (الدنقلاوي) قضية بالغة الأهمية تتصل بقطاع التعليم، بمختلف مستوياته المدرسية والجامعية، وما يواجهه العاملون فيه من تحديات ترتبط ببنية الأجور والمرتبات، ولا سيما ما يتعلق بضعف المرتب الأساسي وانعكاساته على الاستقرار الوظيفي، والانتماء المؤسسي، والمكانة الاجتماعية للمهنة، وقدرة النظام التعليمي على استقطاب الكفاءات الوطنية والمحافظة عليها.
ولا تكتسب هذه الرؤية أهميتها باعتبارها مجرد طرح فردي، وإنما باعتبارها تعبيراً عن إشكالية موضوعية تتجاوز حدود المطالبة المالية المباشرة، لتلامس جوهر السياسة العامة للأجور في الدولة، خاصة وأن التعليم يمثل أحد المرافق الاستراتيجية المرتبطة بالأمن القومي بمفهومه الشامل؛ فهو الأداة الأساسية لبناء الإنسان، وتنمية رأس المال البشري، وصناعة المعرفة، وتكوين الكفاءات القادرة على حماية مؤسسات الدولة وتطويرها وتحقيق أهداف التنمية المستدامة.
وقد أعادتني هذه الرؤية الواردة في تعليق الأستاذ/ عوض الدنقلاوي إلى جانب من الممارسة العملية التي شكلت مساراً مهماً في البحث والتحليل، وفي مقدمتها الطعن الإداري الذي باشرته لصالح عدد من معلمي ولاية الخرطوم، في مواجهة الصندوق القومي للمعاشات والتأمينات الاجتماعية بشأن الحقوق المعاشية، وطعن آخر في مواجهة وزارة التربية والتعليم (الاتحادية) بشأن قضايا التسكين الوظيفي المرتبطة بالنقل من المستوى الاتحادي إلى المستوى الولائي لسد عجز المعلمين في ولاية الخرطوم.
وقد أتاح النظر في تلك القضايا وما أثير فيها من مسائل قانونية وتشريعية، فرصة للوقوف على عدد من الإشكاليات المتصلة بتنظيم الوظيفة التعليمية، ليس فقط من حيث الحقوق المالية المباشرة، وإنما من حيث البناء القانوني والمؤسسي الذي يحكم المركز الوظيفي للمعلم، وعلاقته بالتشريعات المنظمة للخدمة العامة، ونظم الأجور والمعاشات، وآثار التحولات الإدارية بين مستويات الحكم المختلفة. كما كشفت تلك التجارب عن أهمية إعادة قراءة التشريعات التعليمية والمالية قراءة تكاملية تربط بين الحق الوظيفي، والضمانات القانونية، والسياسة العامة للأجور، بما يحقق العدالة الوظيفية ويحافظ على المكانة الاستراتيجية لمهنة التعليم.
كما استحضرت بعض من النقاشات المهنية التي دارت مع عدد من الأساتذة الأجلاء بجامعة الخرطوم، والتي كشفت عن جوانب متعددة من التفاوت في البناء الراتبي بين مراحل التعليم المختلفة، وأكدت الحاجة إلى إعادة النظر في فلسفة تنظيم الأجور في القطاع التعليمي، ليس من زاوية المطالبة بزيادات مالية مجردة، وإنما من منظور بناء سياسة وطنية متكاملة للأجور تحقق العدالة الوظيفية وتحفظ المكانة المهنية والاجتماعية للعاملين في قطاع التعليم.
(ثانياً) فلسفة توحيد المرتب الأساسي وخصوصية الوظائف الاستراتيجية:
—————————–
من هذا المنطلق، فإن قضية أجور المعلمين وأساتذة الجامعات لا ينبغي النظر إليها باعتبارها قضية فئوية أو مطلباً قطاعياً منفصلاً، وإنما باعتبارها جزءاً من مشروع وطني أوسع لإصلاح منظومة الأجور والحقوق الوظيفية في الدولة، يقوم على إعادة بناء العلاقة بين المرتب الأساسي ومكونات الدخل الوظيفي على أسس قانونية ومؤسسية واضحة. فالأصل أن يمثل المرتب الأساسي القاعدة العامة الموحدة التي تستند إليها السياسة الوطنية للأجور، بما يحقق العدالة في الحد الأدنى للحقوق المالية وفقاً للدرجة الوظيفية، بينما تُنظم البدلات والعلاوات والمخصصات والامتيازات في إطار تشريعي متخصص يراعي طبيعة الوظيفة، ودرجة المسؤولية، وظروف الأداء، والمخاطر المرتبطة بها.
ولا ينبغي النظر إلى هذه المكونات الوظيفية باعتبارها عناصر مالية عارضة أو منفصلة عن البناء الوظيفي، وإنما باعتبارها امتداداً لطبيعة العمل ومتطلباته، بحيث يخضع تحديدها لمعايير موضوعية واضحة. كما أن ما يتسم منها بالاستمرارية والعمومية والارتباط المباشر بالوظيفة والدرجة المهنية ينبغي أن يجد أثره في الحقوق المعاشية، باعتباره جزءاً من المركز الوظيفي المكتسب، وضمانة لتحقيق العدالة والأمن الوظيفي بعد انتهاء الخدمة.
ومن ثم، فإن إعادة النظر في نظام التعويضات الوظيفية لا تعني إلغاء الخصوصيات المهنية للمرافق المختلفة، وإنما تهدف إلى تحقيق التوازن بين وحدة الأساس العام وخصوصية الدور الوظيفي. فكما أن القطاعات ذات الطبيعة الاستراتيجية، ومنها القوات النظامية وقطاع التعليم، تختلف في أدوات أدائها وتتحد في أثرها على أمن الدولة واستقرارها وتنميتها، فإن نظام الأجور ينبغي أن يعكس هذا التوازن؛ بحيث يضمن وحدة المرتب الأساسي من جهة، ويعترف بالخصوصية التي تفرضها طبيعة بعض الوظائف والمهام الاستراتيجية من جهة أخرى.
وعليه، فإن هذه المقالة لا تنطلق من مجرد المطالبة بزيادة المرتبات أو إعادة توزيع المخصصات المالية، وإنما تنطلق من سؤال قانوني ومؤسسي أعمق حول فلسفة السياسة الوطنية للأجور في الدولة الحديثة: هل تقوم على تعدد الأنظمة الراتبية بمعزل عن وحدة المعايير، بما قد يؤدي إلى تباين غير منضبط في الحقوق المالية، أم تقوم على إطار قانوني موحد للمرتب الأساسي، مع ترك مساحة للتنظيم الخاص الذي يراعي الخصوصية المهنية والوظيفية للمؤسسات ذات الطبيعة الاستراتيجية؟
إن الإجابة عن هذا التساؤل تقتضي تجاوز ثنائية التوحيد والاستقلال إلى رؤية تكاملية تقوم على أن وحدة الدولة لا تعني بالضرورة وحدة جميع عناصر الدخل الوظيفي، كما أن الخصوصية المؤسسية لا تعني الانفصال عن السياسة الوطنية العامة للأجور. فالمرتب الأساسي يمثل التعبير عن وحدة الوظيفة العامة وعدالة القاعدة المشتركة، بينما تمثل البدلات والعلاوات والمخصصات والامتيازات أدوات قانونية لتنظيم الفروق الموضوعية التي تفرضها طبيعة بعض الوظائف ومسؤولياتها وظروف أدائها.
وبهذا الفهم، فإن خصوصية القوات النظامية، والسلطة القضائية، والقطاع الصحي، والتعليم العام والعالي والبحث العلمي، وغيرها من المرافق ذات الأدوار الاستراتيجية، لا تشكل خروجاً على مبدأ وحدة السياسة الوطنية للأجور، وإنما تمثل تطبيقاً لمبدأ التخصص التشريعي الذي يقر بأن العدالة لا تعني التطابق، وأن المساواة الحقيقية قد تتطلب مراعاة الاختلافات الموضوعية متى استندت إلى معايير مهنية وقانونية مشروعة.
ويمتد هذا التصور كذلك إلى المجال المعاشي، إذ لا ينبغي النظر إلى الحقوق التقاعدية باعتبارها نظاماً منفصلاً عن البناء الوظيفي، وإنما باعتبارها امتداداً قانونياً للخدمة المؤداة. ومن ثم، فإن تحقيق العدالة المعاشية يقتضي إعادة تقييم العلاقة بين المرتب الأساسي ومكونات الدخل الوظيفي، بما يضمن إدماج البدلات والعلاوات ذات الطبيعة المستمرة والمرتبطة مباشرة بالدرجة الوظيفية والمسار المهني ضمن الوعاء المعاشي، تحقيقاً للتوازن بين فترة الخدمة وفترة ما بعدها (التقاعد في المعاش).
وعليه، فإن إصلاح نظام الأجور لا يمثل مجرد إجراء مالي، وإنما هو مشروع دستوري ومؤسسي واستراتيجي يرتبط ببناء الدولة، وتعزيز كفاءة الإدارة العامة، وحماية المال العام، وتحقيق الاستدامة المالية، وترسيخ مبادئ المشروعية وسيادة القانون. وبذلك تنتقل السياسة الوطنية للأجور من كونها مجرد وسيلة لتحديد المقابل المالي للعمل إلى كونها إحدى أدوات بناء دولة القانون والمؤسسات، وتحقيق التوازن بين العدالة الاجتماعية، والكفاءة الإدارية، والاستقرار الاقتصادي، ومتطلبات الأمن الوطني. ونواصل، للحديث بقية.
فريق شرطة (حقوقي)
د. الطيب عبدالجليل حسين محمود
المحامي استشاري القانون والموثق
01 أغسطس 2026م


