مقالات الرأي

عبد اللطيف السيدح يكتب عن الملف الثقيل : آخر العلاج الكي

 

. إنقاذ الأمانة للمجلس الأعلى للحج والعمرة من براثن وزارة الشؤون الدينية.

 

. أمين عام جديد بمرتبة وزير وصلاحيات كاملة.

 

. على رئيس الوزراء إبعاد موظفيه عن التدخل في شؤون الحج والعمرة.

 

.دور وزير شؤون مجلس الوزراء الإشراف فقط على المجلس دون التدخل في أعماله التنفيذية.

 

.أمانة المجلس ستعود حسب العهد والميثاق إلى إقليم النيل الأزرق، والمطلوب شخصية قوية متمرسة تتحمل المسؤولية.

 

ألهم الله فخامة رئيس الوزراء الدكتور كامل إدريس الرشد والصواب حينما اتخذ أفضل القرارات وأقواها منذ أن تسلم منصبه، بفصل هيئة المجلس الأعلى للحج والعمرة عن وزارة الشؤون الدينية والأوقاف، منهيا بذلك صفحة مريرة من الصراع وتداخل الصلاحيات بين الوزير، والأمين العام للمجلس، الأمر الذي راكم الفشل، وأذاع الفضائح بين القرى والحضر. فما كان من مجلس الوزراء الموقر بعد دراسة مستفيضة للوقائع والأحداث والتقارير الخطيرة التي رفعتها الجهات الأمنية إلا أن يحمي مرواده ويكوي “كيا نجيضا” مكان الفكك، ثم فكك الجسم الذي يسيل لعاب الوزراء والمسؤولين، المجلس الأعلى للحج والعمرة، وينزعه من الوزارة التي تركت الخلاوي والدعوة والمنابر والإرشاد والتوجيه وتفرغت لمطاردة شركات تقديم الخدمة السعودية لحجاج بيت الله الحرام، اطعام، إسكان، نقل، وليتها نجحت فيها.

إن ما وقع من أحداث مؤسفة بين وزارة الشؤون الدينية، وآخر أمين عام مكلف، كان عبارة عن فضيحة تمت تغطيها بتدخل الأجاويد، وحصادها موسم حج فاشل بكل المقاييس، وليس أدل على ذلك من أكل مستحقات أكثر من 200 موظف لم يصرفوا مستحقاتهم حتى الآن، على رأسهم أمناء أمانات الحج والعمرة بالولايات، ومنهم الأطباء، والطهاة، والسائقون، والعمالة، إضافة لموظفي مكتب حجاج السودان بمكة المكرمة الذين يعيشون أوضاعا مأساوية بعد أن تم طردهم وبعوائلهم من مقار سكنهم. لهذا وذاك وما خفى أعظم من حديث عن الفساد جاء القرار الصاعقة.

الذي وصفه البعض بالخاطئ، لأنهم ينظرون إلى المسألة من زاوية إدارية ضيقة، بينما يغفلون جوهر الأزمة التي ظلت تتكرر عاما بعد عام.

والقضية ليست في من يتبع لمن؟ إنما كيف يدار ملف الحج والعمرة بكفاءة ووضوح في الاختصاصات؟ لاسيما أن التجربة أثبتت أن الجمع بين السلطة السياسية للوزير والسلطة التنفيذية للمجلس خلق حالة من تداخل الصلاحيات، حتى أصبح الأمين العام، وهو المسؤول التنفيذي الأول، عاجزا عن ممارسة اختصاصاته كاملة، في ظل تدخلات امتدت إلى أدق التفاصيل التنفيذية، من التعاقدات، والتفاوض مع شركات النقل، وأصحاب العمائر، والمطابخ، وغيرها من الأعمال التي يفترض أن تكون من صميم مسؤوليات الجهاز التنفيذي للمجلس.

وعندما تتداخل الصلاحيات تضيع المسؤولية، وإذا ضاعت المسؤولية تعطلت المحاسبة، وهذا ما عانى منه ملف الحج والعمرة سنوات طويلة.

إن نقل تبعية المجلس إلى رئاسة مجلس الوزراء لا يعتبر انتقاصا من وزارة الشؤون الدينية، إنما إعادة هندسة إدارية تفرضها طبيعة هذا الملف الوطني الكبير، الذي تتداخل فيه الجوانب الدبلوماسية والاقتصادية والخدمية واللوجستية والرقابية، ويتعامل مع جهات عديدة داخل السودان وخارجه، وعلى رأسها الجهات المختصة في المملكة العربية السعودية.

أما القول بأن الوزارة فقدت أهم هيئة كانت تتبع لها، فهو حديث عاطفي أكثر منه مؤسسيا. فالوزارات لا تقاس بعدد الهيئات التابعة لها، وإنما بمدى نجاحها في أداء رسالتها. وإذا كانت مصلحة الحجاج تقتضي استقلال المجلس، فإن المصلحة العامة أولى من الاعتبارات الشكلية.

لقد كان آخر العلاج الكي، فجاء القرار ليضع حدا لسنوات من الشد والجذب، ويمنح المجلس فرصة للعمل باستقلالية، بعيدا عن ازدواجية القرار وتنازع الاختصاصات.

المطلوب ليس البكاء على التبعية الإدارية، وإنما تعيين أمين عام قوي، صاحب خبرة وكفاءة، يمنح صلاحيات تنفيذية واسعة بمستوى رفيع، ويحاسب على النتائج. عندها فقط سيكون من الممكن بناء مؤسسة محترفة، قادرة على إدارة ملف الحج والعمرة وفق معايير الحوكمة والكفاءة والشفافية، وإذا تمكن رئيس مجلس الوزراء من تنفيذ ما تم الاتفاق عليه مع قيادة الدولة فإن منصب الأمين العام سيعود إلى إقليم النيل الأزرق، ويتولاه مجددا الشخص القوي صاحب الخبرة الطويلة الأستاذ سامي الرشيد الذي أقيل بمؤامرة جلبت موادها من الخارج لكنها طبخت داخل دهاليز مجلس الوزراء، والانصاف واحقاق الحق أن يتولى الرجل المنصب من ذات المكان الذي تمت فيه المؤامرة.

إن نجاح القرار أو فشله لن يتحدد بعنوان الجهة التي يتبع لها المجلس، بل بوجود قيادة تنفيذية قوية، وصلاحيات واضحة، ومساءلة صارمة، وإبعاد هذا الملف الحيوي عن صراعات النفوذ وتداخل الاختصاصات التي أرهقته لسنوات، والحاج لا تعنيه اسم الجهة المشرفة، إنما كيف يؤدي نسكه بكرامة، وأن يحصل على خدمة تليق به وبسمعة وطنه السودان.

زر الذهاب إلى الأعلى