منوعات

خليل فتحي خليل يبحث عن نبض الناس موسى قُربة.. الرجل الذي حوّل حبة البن إلى حكاية من رائحة كوستي

 

حين يصبح البن ذاكرة.. وتصير القهوة ملتقى للأهل والأصدقاء

 

 

في كل مدينة أماكن لا تُكتب في الخرائط، لكنها محفورة في ذاكرة الناس..

أماكن لا تحتاج إلى لافتات كبيرة حتى يعرفها الجميع، ولا تحتاج إلى دعاية واسعة حتى تظل حاضرة في الوجدان. يكفي أن تذكر اسمها حتى تتداعى الذكريات، وتعود الوجوه، وتتعانق الحكايات.

وفي كوستي، المدينة التي تعرف كيف تصنع من التفاصيل الصغيرة حكايات كبيرة، تظل القهوة واحدة من أجمل مفردات الحياة اليومية؛ فهي ليست مجرد مشروب ساخن يُرتشف في الصباح أو المساء، وإنما طقس اجتماعي، وذاكرة، ورفقة، وحديث، ولقاء.

ومن بين هذه الحكاية تبرز قصة قهوة حامد، تلك القهوة التي ارتبط اسمها بمذاق خاص ورائحة مميزة، وبالرجل الذي يقف خلف جزء مهم من هذه الحكاية..

إنه موسى قُربة..

الرجل الذي عرف أسرار البن، وأتقن فن قليّه وتحميصه، حتى أصبحت حبة البن بين يديه قصة أخرى، وأصبح تحميصها وقليها مهنة تحمل الكثير من الصبر والخبرة والذوق.

موسى قُربة.. حكاية رجل يعرف البن

قد يظن البعض أن قلي البن وتحميصه عملية بسيطة؛ حبوب توضع على النار، ثم تُطحن وتُجهز للقهوة.

لكن أهل المهنة يعرفون أن المسألة أكبر من ذلك بكثير.

فالبن يحتاج إلى عين خبيرة، ويد تعرف متى تقلبه، وأنف يستطيع أن يلتقط رائحته في اللحظة المناسبة، وخبرة تعرف متى يكون التحميص قد وصل إلى الدرجة التي تمنح القهوة لونها ورائحتها وطعمها.

وهنا تأتي براعة موسى قُربة..

فهو لا يتعامل مع البن كحبات عادية، وإنما يتعامل معه كصنعة لها أسرارها وتفاصيلها الدقيقة.

ومن هنا تبدأ الحكاية..

حكاية البن الذي يمر بين يديه، وحكاية التحميص الذي يمنحه تلك الرائحة التي تسبق الفنجان، وتلك النكهة التي تجعل من يتذوق القهوة يبحث عنها مرة أخرى.

من البن تبدأ قصة «قهوة حامد»

قصة قهوة حامد ليست قصة اسم تجاري فقط، وإنما هي حكاية بدأت من الإنسان والمهنة والخبرة.

من يدٍ تعرف كيف تتعامل مع البن، ومن نارٍ تُستخدم بميزان الخبرة، ومن رائحة تتسلل إلى المكان قبل أن تكتمل عملية التحميص.

وهكذا أصبح بن حامد معروفاً عند الكثيرين، ولم يعد حضوره محصوراً داخل كوستي وحدها.

فالمنتج الجيد يبحث عنه الناس، والمذاق المختلف يجد طريقه بنفسه إلى الزبائن.

ولذلك أصبح بن حامد مطلوباً حتى خارج السودان، وهو أمر يعكس قيمة المنتج المحلي عندما يُصنع بعناية، ويحمل في داخله خبرة صاحبه وخصوصية المكان الذي خرج منه.

سر المذاق المتفرد

ما الذي يجعل للقهوة مذاقاً مختلفاً؟

ربما تكون الإجابة في نوع البن، وربما في طريقة التحميص، وربما في درجة القلي، وربما في الخبرة المتراكمة عبر سنوات طويلة.

لكن المؤكد أن هناك شيئاً لا يُكتب في الوصفات..

شيئاً لا تستطيع الآلات وحدها أن تمنحه..

إنه الإحساس بالمهنة.

وهذا ما يميز أصحاب المهن القديمة الذين تعلموا من التجربة، ومن الخطأ والصواب، ومن مراقبة النار، ومن معرفة الرائحة واللون والوقت.

موسى قُربة واحد من هؤلاء الذين أصبحت المهنة بالنسبة إليهم جزءاً من الشخصية.

فهو يعرف البن، ويعرف كيف يمنحه ما يحتاجه حتى يصل إلى المستهلك في أفضل صورة ممكنة.

قهوة حامد.. أكثر من فنجان

وفي كوستي، لا تقف حكاية قهوة حامد عند حدود البن.

هناك قصة أخرى..

قصة المكان والناس.

فالقهوة في السودان عموماً لها حضور خاص، لكنها في مدن مثل كوستي تكتسب طابعاً اجتماعياً أكثر عمقاً.

جلسة القهوة يمكن أن تبدأ بسؤال بسيط:

«كيف الأحوال؟»

ثم تمتد إلى أخبار المدينة، وأحوال الناس، والذكريات، والعمل، والسفر، والرياضة، والفن، وكل تفاصيل الحياة.

ومن هنا أصبحت قهوة حامد ملتقى لأهل كوستي..

مكاناً تلتقي فيه الوجوه، وتتقاطع فيه الحكايات، ويتبادل فيه الناس الأخبار والآراء.

فكم من شخص دخل المكان من أجل فنجان قهوة، وخرج منه بموعد جديد أو صداقة قديمة تجددت أو حكاية بقيت في الذاكرة؟

وكم من حديث بدأ مع أول رشفة، ثم امتد حتى برد الفنجان؟

المقهى الذي يشبه المدينة

كوستي مدينة لها روحها الخاصة..

مدينة تعرف معنى الجيرة، والرفقة، والمجاملة، والجلوس مع الآخرين.

وفي مثل هذه المدن، تصبح الأماكن التي تجمع الناس جزءاً من النسيج الاجتماعي.

وقهوة حامد واحدة من هذه الأماكن.

ليست المسألة في الفنجان وحده..

المسألة في الناس الذين حول الفنجان.

في الضحكة التي تأتي بلا موعد.

في الصديق الذي يظهر فجأة.

في الرجل الكبير الذي يحكي عن كوستي القديمة.

في الشاب الذي يتحدث عن أحلامه.

في العابر الذي يأتي إلى المدينة فيجد مكاناً يشعر فيه بأنه بين أهله.

وهذه هي قيمة الأماكن الشعبية الحقيقية..

أنها تحفظ شيئاً من روح المدينة.

موسى قُربة.. نموذج للإنسان الذي يصنع الفرق

عندما نبحث عن نبض الناس، لا ينبغي أن نبحث دائماً عن الشخصيات التي تظهر على المنصات أو تتصدر المشهد.

أحياناً يكون النبض الحقيقي في رجل يقف خلف نار صغيرة، يحرك البن بيديه، ويواصل عمله بصمت.

في إنسان أتقن مهنته حتى صار اسمه مرتبطاً بها.

في شخص صنع لنفسه مكاناً في حياة الناس من خلال منتج بسيط، لكنه يحمل قيمة كبيرة.

وهكذا يمكن أن نقرأ قصة موسى قُربة..

إنها قصة الإتقان.

وقصة الإنسان الذي جعل من مهنته رسالة.

وقصة المنتج المحلي الذي استطاع أن يتجاوز حدود المكان.

وقصة مدينة تستطيع أن تصنع أسماءها من التفاصيل اليومية.

حين يصل المنتج المحلي إلى خارج السودان

أن يصبح بن حامد مطلوباً خارج السودان ليس مجرد نجاح تجاري.

إنه رسالة تقول إن السودان يمتلك منتجات محلية يمكن أن تنافس إذا وجدت الاهتمام والتطوير والتسويق الجيد.

فالمنتجات التي تحمل مذاق المكان وخصوصيته يمكن أن تتحول إلى سفراء حقيقيين للمدن.

وحين يحمل شخص معه بن حامد إلى خارج السودان، فهو لا يحمل معه القهوة فقط..

بل يحمل شيئاً من كوستي.

يحمل رائحة المكان.

يحمل ذاكرة الجلسات.

يحمل صورة من الحياة السودانية.

يحمل فنجاناً صغيراً تختبئ داخله حكاية كبيرة.

تحية لموسى قُربة

من زاوية «خليل فتحي خليل يبحث عن نبض الناس»، نستحق أن نتوقف أمام موسى قُربة، لا لأنه صاحب مهنة فحسب، وإنما لأنه نموذج من نماذج الناس الذين يصنعون حضورهم بالعمل.

هؤلاء الذين لا ينتظرون التصفيق..

ولا يبحثون عن الأضواء..

لكنهم يتركون أثراً واضحاً في حياة الناس.

وموسى قُربة واحد من أبناء كوستي الذين ارتبط اسمهم بمهنة ومذاق وذاكرة.

فله التحية والتقدير..

ولكل العاملين في صناعة القهوة والتحميص التحية..

ولكل صاحب مهنة سوداني يواصل عمله رغم الظروف، ويحاول أن يحافظ على جودة ما يقدم، ويجعل من عمله عنواناً للجدية والإتقان.

ختاماً..

بعض المدن تُعرف بمعالمها..

وبعضها تُعرف بأسواقها..

وبعضها تُعرف بأنهارها وشوارعها..

أما كوستي، فإنها تُعرف أيضاً بناسها..

بوجوهها، وطيبتها، وجلساتها، وحكاياتها، وأماكنها التي لا تزال تمنح الحياة طعمها الخاص.

وفي إحدى زوايا هذه المدينة، يقف موسى قُربة، يحمل خبرته، ويقلي البن ويحميصه، لتبدأ من يديه قصة مذاق اسمه بن حامد..

ثم يأتي الفنجان..

وتأتي معه الحكاية.

حكاية رجل أتقن مهنته..

وحكاية منتج تجاوز حدود المكان..

وحكاية قهوة أصبحت ملتقى لأهل كوستي..

وحكاية مدينة تقول لنا دائماً إن نبضها الحقيقي يسكن في ناسها البسطاء، وفي أصحاب المهن، وفي الذين يعملون بصمت ويتركون أثراً لا ينسى.

ومن هنا نقول لموسى قُربة:

واصل إشعال نار البن.. فهناك مدن كاملة قد تعرفك من رائحة قهوتك قبل أن تعرف اسمك.

ولأننا نبحث عن نبض الناس، سنظل نبحث عن هؤلاء الذين يصنعون الحياة بعيداً عن الأضواء..

زر الذهاب إلى الأعلى