مسيرة تطارد جائعا بقلم : كمال إدريس
سلاح متطور يطارد إنسان جائع وسط قرى هدها الحزن والأنين. إنسان يبحث عن ظل تحت شجرة، يأكل أوراقها حتى لايمون جوعاً، أو يشارك دوابه الطعام، فيأتيه صوتا من أعلى ليفجر شجرته وكل عالمه المدقع دون أن يسمع مبررا لهذا الموت العبثي.
“ماذا يعني أن تصل المجاعة إلى مدينة، ثم تصل إليها المسيّرات أيضاً؟”
السؤال ليس مبالغة في وصف المأساة السودانية، بل ربما هو أقرب اختصار لما يحدث الآن.
منظومة الأمم المتحدة أكدت، عبر التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي (IPC)، وقوع مجاعة في مناطق من السودان، من بينها الفاشر وكادوقلي، فيما تواجه مناطق أخرى خطر الانزلاق إلى المجاعة.
منظومة «IPC» وثقت مستويات كارثية من الجوع، فيما لا تزال مناطق في دارفور وكردفان تواجه خطر المجاعة. وفي أحدث التقديرات، يواجه نحو 19.5 مليون سوداني انعداماً حاداً في الأمن الغذائي.
لكن السوداني المغلوب على أمره لا يأتيه الجوع وحده، ففوق المدن التي تبحث عن الخبز والماء والدواء، تحلق المسيّرات الفتاكة.
في مايو الماضي، أشارت تقارير أممية إلى مقتل أكثر من ألف مدني بضربات المسيّرات خلال الأشهر الخمسة الأولى من عام 2026. وفي مدينة الأبيض، بل وفي كل مدن السودان أصبحت الضربات تهدد منشآت المياه والكهرباء والوقود، أي الأشياء التي لا يمكن لمدينة أن تعيش من دونها.
هنا تصبح الحرب أكثر من معركة بالاسلحة، إنها معركة ضد الحياة نفسها.
معارك تُقطع الطرق، حتى لا تصل الحبوب والامدادات. وحين تُضرب محطات المياه، لا يصل الماء. وحين تتعطل الكهرباء، تتعطل المستشفيات.
وحين يصبح الطريق إلى السوق خطراً، ترتفع الأسعار ويختفي الغذاء.
وحين تغلق مليشيات الإجرام أبواب المدن، يصبح الطفل الذي لم يحمل سلاحاً طرفاً غير معلن في المعركة.
وهذه هي النقطة التي ينبغي أن يتوقف عندها الجميع.
ماذا تريد المليشيات من هذه الحرب بعد أن أصبحت مدن البلاد جميعها ساحات مفتوحة للمسيّرات؟
ماذا بقي من معنى الانتصار إذا كان المنتصر سيرث بلداً جائعاً، ومدناً مدمرة، واقتصاداً منهكاً، وملايين النازحين، وأجيالاً تحمل في ذاكرتها صور الموت بدلاً من صور المدرسة والملعب والبيت؟
السودان ليس رقعة جغرافية يمكن تقسيمها إلى مناطق آمنة وأخرى منكوبة ثم إغلاق الخريطة.
إنه وطن واحد.
وما يحدث في الفاشر لا يبقى في الفاشر.
وما يحدث في كردفان لا يتوقف عند حدود كردفان.
وما تفعله المسيّرة في مدينة اليوم سيترك غداً أثراً في سوق مدينة أخرى، وفي سعر الخبز، وفي حركة النزوح، وفي قدرة المستشفى على إنقاذ مريض، وفي قدرة المزارع على الوصول إلى حقله.
لذلك، فإن أخطر ما في استمرار الحرب ليس فقط عدد القتلى الذين نحصيهم كل يوم.
الأخطر هو عدد الذين يموتون ببطء ولا يظهرون في نشرات الأخبار.
طفل لا يجد طعاماً. مريض لا يجد دواء. أسرة لا تجد ماءً نظيفاً.
مزارع لا يستطيع الوصول إلى أرضه. طالب فقد مدرسته.
ومدينة كاملة تنتظر أن تتوقف السماء عن إرسال مقذوفات الموت.
لقد حان الوقت لأن يدرك السودانيون، قبل غيرهم، أن استمرار الحرب لن يمنح السودان نصراً، بل قد يمنح الخراب مزيداً من الوقت.
فالسودان الذي تجوع فيه المدن، وتحاصر فيه الأسواق، وتطير فوقه المسيّرات، لا يحتاج إلى حرب أطول، بل إلى فرصة أطول للحياة.
فرصة الحياة تتعزز بمساندة قوات الشعب المسلحة في حربها ضد المليشيات العمياء، التي لا تعرف برعونتها إلى اين تقود السودان.
فما الجدوى من حرب ينتصر فيها السلاح ويخسر فيها الوطن؟!.


