أحمدعبدالكريم عبدالله يكتب دم الشهيد.. دين مستحق..!!

نظمت منظمة الشهيد بالولاية الشمالية ظهر امس منتدىً إعلامياً على هامش ورشة تقييم أداء المنظمة للنصف الأول من العام 2026.، وكان هذا المنتدى بمثابة فرصة لنتوقف قليلاً، لا لتقييم أرقام وخطط، بل لنقيّم علاقتنا مع قيمة عظيمة اسمها “الشهادة”.
فعلى مر تأريخ السودان نجد أن الشهادة ليست حادثاً عابراً يرد ذكره في نشرات الأخبار ، ولكن نجد أن الشهادة عندنا سفر تاريخ كامل،
فمنذ أن عرفت هذه الأرض أقدام أسلافنا التى وطئتها ومنذ أن عرفت أقدامنا أن هذه الأرض لنا ، ظل السوداني يجود بنفسه دفاعاً عن أرضه وعرضه وقيمه،، والشهادة فى قيمنا وموروثاتنا قيمة متوارثة في وجدان كل فرد وكل أسرة ، فهى تُحكى للأطفال قبل النوم، ويُرفع بها الرأس في المآتم والأفراح على حد سواء،. وقبل كل هذا وذاك هي قيمة دينية تربط بين المسلم وحرماته الخمس، ثم هى ثابتة وطنية راسخة في وجدان المجتمع منذ عهود طويلة جداً،
لذا فإن الحديث عن الشهيد لا يكتمل بالحديث عنه وحده ، فالشهيد قد مضى إلى ربه، لكنه قد ترك خلفه أمانة ودين مستحق ، ترك أماً تنتظر، وأباً إنحنى ظهره، وزوجة ترملت و تحملت المسؤولية بعده، وأطفالاً يصارعون تحديات جسام قبل أوانهم ،
وهنا يأتي دورنا جميعاً، ودور الدولة ومؤسساتها ومنظمات المجتمع المدني ويتمثل كل ذلك على رأس جهة رسمية وشعبية واحدة هى منظمة الشهيد ، فالإهتمام بأسر الشهداء ليس منّة ولا صدقة من أية جهة ولكن هو سداد دين وإيفاء معروف، وهو اعتراف بأن هذا الوطن قائم على دماء بُذلت حتى نحيا نحن ومن بعدنا من أجيال فى وطن أبى حُر كريم ،
وحتى تستطيع الدولة والمجتمع القيام بكل تلك المسؤولية فإن ذلك يحتاج أن ننتقل من خطاب التكريم الآنى أو الموسمي إلى خطاب الرعاية المستدامة ،
فنحن نحتاج تعليم لأبناء الشهداء بلا منّ، وعلاج لأمهاتهم بلا طوابير، وتمكين اقتصادي لزوجاتهم حتى لا ينكسرن أمام ضغوط الحياة ومتقلباتها ،نحتاج أن يشعر كل بيت فقد عزيزاً بأن المجتمع كله سنده، لا أن يترك وحيداً بعد إنتهاء مراسم العزاء،
والأهم من ذلك كله نحن نحتاج خطاباً إعلامياً مسؤولاً ،خطاباً يُرسخ في وعي المجتمع كله أن بذل الروح والدم قيمة في حد ذاتها لاتدانيها قبمة فهى قيمة إيمانية بأن وفق ماجاء فى كتاب الله عزَّ وجلّْ (ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتاً )، كما أنها قيمة وطنية أيضاً ترسخ مفهوم يقول أن الوطن لا يُبنى إلا بالتضحيات.
وأقول بأنه يجب أن نقطع الطريق على إختزال التضحية في شخص حاكم أو نظام أو حزب ، فالشهيد لم يمت من أجل كرسي، بل مات من أجل مبدأ ، من أجل أرض لا تفريط فيها، وعِرض لا يُنتهك، ومستقبل يستحقه الأبناء.
إن الإعلام اليوم مسؤول ، مسؤول عن أن لا يتحول الشهيد إلى رقم في تقرير، أو صورة في مناسبة، مسؤول عن أن يجعل من قيمة الشهادة وسيرة الشهداء وأسرهم أمر رأي عام دائم لا موسمى،
لذا فإن منتدى اليوم الذى نظمته منظمة الشهيد في الولاية الشمالية هو تذكير مهم ، تذكير بأن تقييم الأداء لا يُقاس بعدد الوِرش فقط، بل بمقدار ما وصل إلى بيت أسرة شهيد من عون وسند وشارة إحتواء وتضامن من المجتمع، وبمقدار ما غرسنا في الأجيال الجديدة من إحترام لهذه القيمة،
رحم الله الشهداء، وحفظ أسرهم، وهدانا جميعاً لما فيه خير الوفاء لهم.،


