مقالات الرأي

موطئ قلم د. أسامة محمد عبدالرحيم يكتب السودان وتشاد… السيادة مسؤولية في الاتجاهين

 

في الحروب الممتدة، تصبح الحدود أكثر من مجرد خطوط تفصل بين الدول؛ فهي قد تتحول إلى مسارات للإمداد، ومناطق للحركة والمناورة، ونقاط تماس بين حسابات الأمن الوطني وتشابكات الصراع الإقليمي. وعندما تمتد العمليات العسكرية إلى مناطق قريبة من حدود دولة مجاورة أو داخلها، ينتقل المشهد إلى مستوى أكثر تعقيداً، حيث تتداخل مقتضيات الأمن القومي مع قواعد السيادة، وتصبح كل حادثة قابلة لأن تحمل رسائل تتجاوز حدودها الميدانية.

 

من هذه الزاوية ينبغي قراءة البيان الصادر عن هيئة الأركان العامة للقوات المسلحة التشادية، الذي أدان قصفاً جوياً قالت انجامينا إن طائرات ومسيّرات تابعة للجيش السوداني أو لحلفائه نفذته ضد رتل من المركبات في إقليم إنيدي الشرقي، على عمق قالت إنه يتجاوز مائة كيلومتر داخل الأراضي التشادية. وفي غياب رواية سودانية رسمية حتى الآن، تظل هذه التفاصيل جزءاً من الرواية التشادية، ولا تمثل بالضرورة الصورة النهائية لما جرى.

 

لكن أهمية الحادثة تتجاوز الجدل حول الجهة التي نفذت الضربة إلى سؤال أكثر جوهرية: ما طبيعة الرتل المستهدف؟ وما الجهة التي يتبع لها؟ وما الذي جعله هدفاً لعملية بهذا الحجم؟

 

وبحسب الموقع والعمق اللذين تحدث عنهما البيان التشادي، فإن استهداف الرتل على مسافة تتجاوز مائة كيلومتر داخل الأراضي التشادية يضع الحادثة خارج نطاق الأخطاء الحدودية العابرة، ويفتح الباب أمام قراءة أكثر عمقاً لطبيعة الهدف نفسه. فالوصول إلى رتل في ذلك الموقع يشير إلى أنه كان محل متابعة وتقدير بوصفه هدفاً عسكرياً ذا أهمية أو خطورة استدعت التعامل معه. وهنا يبرز السؤال الذي ينبغي ألا يضيع وسط الجدل حول مكان الضربة: ماذا كان يفعل هذا الرتل في تلك المنطقة؟ وما طبيعته؟ ومن أين جاء وإلى أين كان يتجه؟ ولماذا اكتسب من الأهمية ما جعله هدفاً لعملية بهذا المستوى؟

 

وتزداد أهمية هذه الأسئلة في ظل ما هو معروف عن حساسية المسارات الغربية للحرب، وما تثيره حركة الرتل والإمدادات عبر المناطق الحدودية من تحديات مباشرة للأمن القومي السوداني.

 

فالحادثة تكشف مشكلة أكبر أصبحت تواجه السودان ودول جواره، وهي تحول أجزاء من الحدود الغربية إلى امتداد لمسرح الحرب.

 

فالحدود السودانية التشادية، بطبيعتها الجغرافية واتساعها وتشابك مسارات الحركة عبرها، تمثل واحدة من أكثر الجبهات حساسية في معادلة الأمن السوداني. ومع استخدام المسيّرات والأسلحة بعيدة المدى، واتساع حركة المركبات والمقاتلين والإمدادات عبر المناطق الصحراوية، أصبحت السيطرة على هذه المسارات جزءاً أساسياً من معركة منع وصول الدعم العسكري إلى ساحات القتال.

 

ومن حق تشاد أن تتمسك بسيادتها وسلامة أراضيها، وأن تعبر عن موقفها تجاه أي عمليات ترى أنها وقعت داخل حدودها. واحترام سيادة الدول قاعدة أساسية في العلاقات الدولية وفي بناء جوار مستقر يخدم مصالح السودان نفسه.

 

لكن السيادة مسؤولية في الاتجاهين أيضاً.

 

فالدولة التي تطالب باحترام حدودها تتحمل في المقابل مسؤولية ضبط تلك الحدود، ومنع أراضيها من أن تصبح ممراً للأسلحة والعتاد والمقاتلين، أو جزءاً من شبكات الإمداد التي تغذي حرباً داخل دولة مجاورة. ولا يمكن فصل مفهوم السيادة عن قدرة الدولة ومسؤوليتها في منع استخدام إقليمها للإضرار بأمن جيرانها.

 

ومن هنا تعيد حادثة إنيدي إلى الواجهة قضية أكثر حساسية تتعلق بالثقة بين الخرطوم وانجامينا. فالمطلوب من تشاد، إلى جانب تمسكها المشروع بسيادتها، أن تتحمل مسؤوليتها في ضمان عدم استخدام أراضيها أو مجالها الحدودي في نقل السلاح والمقاتلين والإمدادات المرتبطة بالحرب السودانية، وأن تثبت عملياً قدرتها على ضبط حركة الرتل والجماعات المسلحة عبر المناطق الحدودية.

 

وهذا يقود إلى السؤال الذي ينبغي أن يكون حاضراً في أي حوار سوداني تشادي جاد: كيف تُحمى الحدود التشادية، وفي الوقت نفسه يُحمى الأمن القومي السوداني من التهديدات والإمدادات التي يمكن أن تعبر تلك الحدود؟

 

فالخرطوم وانجامينا أمام معادلة دقيقة. السودان يحتاج إلى حدود غربية آمنة تمنع تدفق السلاح والمقاتلين والإمداد العسكري إلى ساحات الحرب، وتشاد تحتاج إلى حدود مستقرة تمنع انتقال تداعيات الحرب السودانية إلى داخل أراضيها.

 

والخطر الأكبر أن تتحول الحوادث الحدودية إلى نمط متكرر من التوتر بين البلدين. فحين تتحرك المسيّرات والطائرات والرتل العسكرية داخل فضاء جغرافي شديد الاتساع، ترتفع احتمالات سوء التقدير والتصعيد، وقد تصبح حادثة واحدة كافية لإنتاج أزمة سياسية وعسكرية تتجاوز حدود الواقعة التي أشعلتها.

 

ومن هنا تصبح إدارة الحدود جزءاً من إدارة الحرب نفسها.

 

والسودان يحتاج في هذه المرحلة إلى استراتيجية متكاملة تجاه حدوده الغربية، تجمع بين المراقبة الجوية والاستطلاع والاستخبارات وضبط المعابر والمسارات الصحراوية، وبين التحرك السياسي والدبلوماسي مع دول الجوار. فالقدرة العسكرية تتعامل مع التهديد عند ظهوره، بينما تستطيع الاستخبارات والعمل الوقائي والدبلوماسية تقليل فرص وصوله إلى مرحلة التهديد المباشر.

 

كما تحتاج الخرطوم وانجامينا إلى الانتقال من إدارة الحوادث عبر البيانات والاتهامات إلى تطوير آليات واضحة لمنع الحوادث الحدودية واحتوائها، تشمل قنوات اتصال عسكرية مباشرة، وآلية للتحقق من الوقائع، وتبادل المعلومات حول الجماعات المسلحة والرتل والتحركات المشبوهة بالقرب من الحدود. ففي زمن المسيّرات والأسلحة بعيدة المدى، يمكن لسوء التقدير أن ينقل حادثاً أمنياً محدوداً إلى أزمة بين دولتين.

 

وفي المقابل، فإن المصلحة الاستراتيجية لتشاد تقتضي الابتعاد عن أي وضع يجعل أراضيها موضع شك في الحرب السودانية؛ لأن استمرار الحرب على حدودها الشرقية يحمل لها مخاطر أمنية واقتصادية واجتماعية كبيرة، ويضعها أمام تداعيات يصعب التحكم فيها مستقبلاً.

 

والمسألة هنا تتجاوز تشاد نفسها؛ فالحرب السودانية كشفت أن أمن السودان لم يعد يُدار عند خطوط حدوده وحدها، وإنما في المجال المحيط بها أيضاً، حيث تبدأ مسارات السلاح وحركة المقاتلين وشبكات الإمداد قبل وصولها إلى الأراضي السودانية. ومن هنا تصبح سياسة الجوار جزءاً أصيلاً من استراتيجية الأمن القومي السوداني، وليست مجرد ملف من ملفات العلاقات الخارجية.

 

لهذا فإن حادثة إنيدي ينبغي أن تكون جرس إنذار للسودان وتشاد معاً.

 

فالحدود في زمن الحروب لا تبقى مجرد خطوط على الخرائط؛ إما أن تديرها الدولة بسياسة وقوة ومعلومات، أو تتحول تدريجياً إلى مساحات تديرها الحرب. وترك الحدود رهينة للشكوك وحركة السلاح والرتل العسكرية العابرة يجعل كل حادثة قابلة لأن تصبح مقدمة لحادثة أخطر.

 

أما بالنسبة للسودان، فإن الدرس أصبح أكثر وضوحاً: معركة استعادة الدولة تبدأ من الداخل، لكنها لا تكتمل إلا عندما تستعيد الدولة سيطرتها على بواباتها وحدودها ومجالها الأمني المحيط.

 

وتلك واحدة من أهم دروس هذه الحرب التي ينبغي ألا تغيب عن حسابات الدولة وهي ترسم طريقها نحو المستقبل.

 

الإثنين 24 أغسطس 2026م

زر الذهاب إلى الأعلى