فريق شرطة حقوقي د. الطيب عبدالجليل حسين يكتب المحاكمة الغيابية في القانون والقضاء السوداني والمعايير الدولية وحكم محكمة مكافحة الإرهاب ببورتسودان في قضية محمد حمدان دقلو (حميدتي) وآخرين(4)

أثارت جدلية المحاكمة الغيابية التي تناولتها المقالات السابقة العديد من التساؤلات والتعليقات، وكشفت في الوقت ذاته عن حاجة ملحّة إلى مزيد من البحث والتأصيل في هذا الموضوع، في ظل ما يبدو من محدودية التدوين الفقهي والتحليل القضائي المنهجي للمحاكمة الغيابية في القانون والقضاء السوداني، ولا سيما من خلال السوابق القضائية التي تتناول شروطها وضوابطها وآثارها ومدى اتساقها مع ضمانات المحاكمة العادلة. ولعل هذا النقص في الكتابة الفقهية والتأصيل القضائي قد أسهم، بدوره، في إبقاء كثير من الإشكالات المرتبطة بالمحاكمة الغيابية دون معالجة واضحة، سواء من حيث أساس مشروعيتها، أو حدود اللجوء إليها، أو الضمانات الواجب توافرها عند إجرائها، أو الأثر المترتب على عودة المتهم بعد محاكمته غيابياً.
ومن هذا المنطلق، تأتي هذه المقالة محاولةً لجمع وتلخيص ما سبق طرحه في المقالات السابقة، وإعادة قراءته في سياق واحد أكثر ترابطاً، سعياً إلى توضيح الرؤية حول المحاكمة الغيابية وموقعها في منظومة العدالة الجنائية. ولا تستهدف هذه المحاولة مجرد إعادة عرض ما سبق، وإنما تتجه إلى فتح مساحة أوسع للتأمل في مدى كفاية التنظيم القانوني والقضائي السوداني، وما إذا كان يحتاج إلى مزيد من التأصيل والتطوير بما يحقق التوازن بين مقتضيات حماية المجتمع والنظام العام من جهة، وضمانات الدفاع وحقوق المتهم والحريات الأساسية من جهة أخرى، وصولاً إلى نظام للمحاكمة الغيابية يتسق مع معايير المحاكمة العادلة والمنصفة ويعزز الثقة في العدالة الجنائية.
(أولاً) المحاكمة الغيابية في الجرائم الموجهة ضد الدولة: بين مقتضيات العدالة ومخاطر التسييس:
——————————–
تثير المحاكمة الغيابية واحدة من أكثر المسائل تعقيداً في العدالة الجنائية، لأنها تقع عند نقطة التماس بين حق المتهم في الحضور والدفاع والمواجهة، وبين حق المجتمع في ألا يتحول فرار المتهم أو اختفاؤه إلى وسيلة لتعطيل العدالة. إلا أن هذه المسألة تزداد تعقيداً وخطورة عندما يتعلق الاتهام بما يسمى بالجرائم الموجهة ضد الدولة، إذ تنتقل المحاكمة من نطاق الجريمة الجنائية العادية إلى فضاء تتداخل فيه حماية الدولة مع الصراع على السلطة والشرعية والنظام الدستوري، بما يفرض على المحكمة قدراً أعلى من التدقيق في طبيعة الاتهام، واستقلال القضاء، وسلامة الدليل، ومدى توافر ضمانات المحاكمة العادلة والمنصفة. ومن هنا لا تعود المحاكمة الغيابية مجرد استثناء إجرائي لمواجهة غياب المتهم، وإنما تصبح اختباراً حقيقياً لمدى قدرة النظام القضائي على تحقيق التوازن بين مقتضيات العدالة وضرورات حماية الدولة من جهة، وحقوق المتهم وحرياته الأساسية من جهة أخرى.
وقد أثارت هذه المسألة تساؤلات جوهرية حول التمييز بين المتهم الذي يهرب بعد ارتكاب الجريمة وبدء الإجراءات في مواجهته، والمتهم الذي لم يكن حاضراً أصلاً عند فتح الدعوى الجنائية، وما إذا كان مجرد غيابه يكفي لوصفه بأنه هارب. كما تطرح المحاكمة الغيابية في سياق الجرائم المرتبطة بالدولة سؤالاً أكثر عمقاً حول طبيعة الأفعال محل الاتهام: هل نحن أمام جريمة جنائية مكتملة الأركان يتعين إثباتها وفق القواعد المقررة، أم أمام سلسلة من الأفعال والوقائع المرتبطة بصراع سياسي أو عسكري مستمر؟ وهل مجرد وصف الفعل بأنه جريمة موجهة ضد الدولة يجعله بالضرورة جريمة سياسية، أم أن الجريمة قد تظل جنائية في طبيعتها ولو وقعت في سياق سياسي أو كان دافعها سياسياً؟ ويضاف إلى ذلك سؤال بالغ الأهمية يتعلق بالضمانات التي يمكن أن تجعل المتهم مطمئناً إلى المثول أمام سلطة قد يكون في حالة نزاع سياسي أو عسكري معها، ومدى كفاية النصوص القانونية المجردة إذا لم تقترن بثقة حقيقية في استقلال القضاء ونزاهة الإجراءات وحياد المحكمة وفعالية وسائل الدفاع.
ومن هذه الزاوية، لا يمكن النظر إلى المحاكمة الغيابية باعتبارها مجرد إجراء يسمح للمحكمة بالاستمرار في الدعوى في غياب المتهم، وإنما ينبغي النظر إليها باعتبارها اختباراً حقيقياً لفكرة المحاكمة العادلة ذاتها، ولا سيما عندما تكون الدولة أو السلطة القائمة طرفاً مباشراً أو غير مباشر في الخصومة السياسية التي نشأت في سياقها الدعوى. فكلما اتصل الاتهام بالدولة أو بالنظام الدستوري أو بالصراع على السلطة، ازدادت الحاجة إلى التدقيق في الحدود الفاصلة بين حماية الدولة وحماية السلطة القائمة، وبين إنفاذ القانون واستخدامه في سياق الخصومة السياسية.
ولفهم هذه الإشكالية على نحو أعمق، لا بد من العودة (أولاً) إلى مفهوم الدولة في الفكر السياسي والقانوني، إذ إن الدولة ليست مجرد الحكومة القائمة أو الأشخاص الذين يشغلون مواقع السلطة، وإنما هي بناء سياسي وقانوني يقوم على الشعب والإقليم والسلطة والسيادة والمؤسسات والنظام الدستوري. وقد اختلفت المدارس السياسية في تفسير مصدر شرعية الدولة ووظيفتها، من نظريات العقد الاجتماعي عند هوبز ولوك وروسو، وتصورات الفكر الإسلامي عن الدولة والسلطة والحاكم إلى التصورات الحديثة للدولة باعتبارها مؤسسة قانونية وسياسية مستقلة عن الأشخاص الذين يتولون الحكم. ومن ثم، فإن حماية الدولة جنائياً لا تعني، من حيث الأصل، حماية الحكومة القائمة أو الأشخاص الذين يمارسون السلطة، وإنما حماية المصالح الأساسية التي يقوم عليها الكيان السياسي والقانوني للدولة، كسلامة الإقليم، وأمن المجتمع، والنظام الدستوري، والمؤسسات العامة، والسيادة، والسلامة العامة.
وانطلاقاً من هذا التصور، تبرز ضرورة التمييز بين الجريمة السياسية والجريمة الموجهة ضد الدولة؛ فليس كل اعتداء على الدولة يشكل جريمة سياسية، كما أن وقوع الجريمة في سياق سياسي لا يحولها تلقائياً إلى جريمة سياسية. فقد تكون الجريمة موجهة إلى مصلحة قانونية أساسية للدولة، ومع ذلك تظل جريمة جنائية تستوجب إثبات أركانها ونسبتها إلى مرتكبها وفق القانون، كما قد يكون الفعل ذا دافع سياسي دون أن يفقد طبيعته الجنائية. ولذلك فإن وصف المحاكمة بأنها سياسية لا ينبغي أن يكون حكماً مسبقاً على مشروعيتها أو عدم مشروعيتها، وإنما ينبغي أن يكون مدخلاً إلى فحص شروطها وضماناتها: مدى استقلال المحكمة وحيادها، وتحديد الاتهام، وسلامة الدليل وقابليته للمناقشة والاختبار، وفعالية الدفاع، وتسبيب الحكم، وإمكان مراجعته والطعن فيه.
ويكتسب هذا التمييز أهمية خاصة في القضايا التي تنشأ أثناء النزاعات على السلطة أو الحروب الداخلية، حيث قد تتداخل الجريمة الجنائية مع الخصومة السياسية والعسكرية، وقد تصبح الدولة نفسها طرفاً في الصراع الذي نشأت في سياقه الدعوى. وفي مثل هذه الحالات، لا يكفي أن تستند المحكمة إلى الوصف القانوني المجرد للفعل، وإنما يتعين عليها أن تتحقق من طبيعة المصلحة المحمية، ومن أركان الجريمة، ومن المسؤولية الفردية، ومن سلامة الدليل الذي يؤسس عليه الحكم. فالسياق السياسي قد يفسر الواقعة، لكنه لا يحل محل إثباتها، والخصومة السياسية قد تفسر الدافع، لكنها لا تثبت الجريمة بذاتها.
ومن هنا نصل إلى جوهر الإشكالية التي تثيرها المحاكمات الغيابية في الجرائم الموجهة ضد الدولة؛ فالدولة قد تكون هي المجني عليها، والنيابة العامة الجنائية تمثلها في الاتهام، والسلطة السياسية هي التي تدير مؤسسات الدولة، بينما قد يكون المتهم في الوقت ذاته خصماً سياسياً أو عسكرياً للنظام القائم. وهذه الحقيقة لا تعني أن الاتهام كاذب أو أن الجريمة غير موجودة، لكنها تفرض على القضاء مسؤولية مضاعفة في التمييز بين الدولة باعتبارها شخصاً قانونياً ومصلحة عامة وبين الحكومة باعتبارها سلطة سياسية مؤقتة، حتى لا يتحول التجريم الموجه إلى حماية الدولة إلى وسيلة لحماية السلطة السياسية من خصومها.
فإذا كان الفعل يمثل اعتداءً حقيقياً على مؤسسات الدولة أو أمن المجتمع أو النظام الدستوري أو غير ذلك من المصالح التي يحميها القانون، فإنه يظل قابلاً للمساءلة الجنائية، ولو وقع في سياق سياسي. أما إذا أصبح وصف (الجريمة الموجهة ضد الدولة) مجرد وسيلة لمعاقبة الخصومة السياسية أو تصفية الحسابات مع المعارضين، فإن المسألة تتجاوز مجرد خطأ في التكييف القانوني لتصبح مساساً بجوهر العدالة الجنائية ومبدأ المحاكمة العادلة.
ولهذا فإن وصف بعض المحاكمات بأنها ذات طابع سياسي لا ينبغي أن يكون بديلاً عن التحليل القانوني، كما أن نفي الطابع السياسي عنها لا يكفي لإثبات عدالتها. والمعيار الحقيقي ينبغي أن ينصرف إلى كيفية ممارسة القضاء لا إلى طبيعة الخطاب السياسي المحيط بالقضية، وإنما: هل المحكمة مستقلة ومحايدة؟ هل الاتهام محدد ومبني على نص قانوني واضح؟ هل الأدلة قابلة للفحص والمناقشة؟ هل أتيحت للمتهم وسائل دفاع حقيقية وفعالة؟ هل الحكم مسبب وقائم على أدلة كافية؟ وهل توجد وسيلة حقيقية لمراجعته والطعن فيه، ولا سيما إذا صدر في غياب المتهم؟
وبذلك لا يكون السؤال الحاسم هو: هل القضية سياسية؟ وإنما السؤال الأعمق هو: هل استطاع القضاء أن يحول قضية ذات سياق سياسي إلى قضية جنائية قابلة للفصل وفق القانون والدليل، دون أن يسمح للسياق السياسي بأن يؤثر في استقلال المحكمة أو معيار الإثبات أو حقوق الدفاع؟ فحين يتحقق ذلك، تظل السياسة سياقاً للواقعة لا مصدراً للحكم، وتظل الدولة محلاً للحماية القانونية لا أداةً لتغليب سلطة على خصومها، وتظل المحاكمة ـ حضورية كانت أم غيابية ـ خاضعة في النهاية لمعيار واحد هو سيادة القانون وضمانات العدالة.
(ثانياً) الحضور هو الأصل والمحاكمة الغيابية هي الاستثناء:
——————————-
الحضور في المحاكمة الجنائية الحديثة ليس مجرد إجراء شكلي، وإنما يمثل وسيلة أساسية لمباشرة جملة من الحقوق المتصلة بجوهر العدالة، وفي مقدمتها علم المتهم بالتهمة الموجهة إليه، ومناقشة أدلة الاتهام، ومواجهة الشهود، والاستعانة بالمحامي، وتقديم دفاعه، ومتابعة إجراءات المحاكمة، والتفاعل المباشر مع الأدلة والوقائع التي تبني عليها المحكمة قناعتها وحكمها. ومن ثم، ارتبط حق المتهم في الحضور ارتباطاً وثيقاً بمفهوم المحاكمة العادلة والمنصفة، وأصبح الأصل أن يحاكم المتهم حضورياً، ولا يجوز الخروج على هذا الأصل إلا في حالات استثنائية يحددها القانون، وتحيط بها من الضمانات ما يكفل عدم تحول الاستثناء إلى قاعدة.
والقانون السوداني في المادة 134 إجراءات جنائية 1991م يعبر عن هذه القاعدة بصورة صريحة، إذ يقرر أن المتهم يحاكم حضورياً، ولا تجوز محاكمته غيابياً إلا في الحالات التي حددها القانون. وتكشف هذه الصياغة التشريعية عن فلسفة تشريعية واضحة، مؤداها، أن الحضور هو الأصل، والمحاكمة الغيابية استثناء لا يجوز التوسع فيه إلا في الحدود التي رسمها النص. إلا أن خصوصية التنظيم السوداني تظهر في أن الاستثناء لم يُبنَ على فكرة هروب المتهم وحدها، وإنما شمل صراحة الجرائم الموجهة ضد الدولة، إلى جانب الحالات الأخرى التي أجاز فيها القانون السير في الإجراءات في غياب المتهم وفق شروطه، وهو ما يجعل التجربة السودانية جديرة بالبحث والتأصيل والمقارنة بالنظم القانونية الأخرى.
وتتصل بهذه القاعدة مسألة جوهرية تتمثل في ضرورة التمييز بين المتهم الغائب والمتهم الهارب؛ فالمتهم الذي يفر بعد ارتكاب الجريمة وبدء الإجراءات في مواجهته يختلف عن شخص لم يكن موجوداً أصلاً عند فتح الدعوى الجنائية، كما يختلف كلاهما عن شخص غاب بسبب الحرب أو النزوح أو الظروف القاهرة أو عدم العلم بالإجراءات. فالهروب واقعة ذات أساس واقعي وقانوني، ولا يكفي مجرد غياب المتهم عن المحكمة لإسباغ وصف الهارب عليه، وإنما يتعين التحقق من علمه بالإجراءات، وقدرته الفعلية على المثول، وسبب عدم حضوره، وما إذا كان قد اتخذ بإرادته قراراً بالابتعاد عن العدالة أو تعمد تفادي إجراءاتها. ومن ثم، فإن إثبات وصف الهروب لا يمثل مجرد مسألة إجرائية، وإنما يدخل في صميم الإثبات الموضوعي والإجرائي لمشروعية المحاكمة الغيابية وآثارها.
ومن هنا فإن السؤال: هل الشخص الذي لم يكن حاضراً عند فتح الدعوى الجنائية يسمى هارباً؟ ليس مجرد خلاف في المصطلح، وإنما تترتب عليه آثار قانونية وإجرائية مهمة؛ لأن وصف الشخص بأنه هارب قد يصبح مدخلاً لتبرير اتخاذ إجراءات استثنائية في مواجهته، ومن بينها السير في المحاكمة غيابياً. ولذلك ينبغي أن تظل لكل واقعة دلالتها القانونية المستقلة، وألا يتحول الغياب بذاته إلى قرينة على الهروب، أو يتحول الهروب إلى قرينة على الإدانة. فالقاعدة المنهجية التي ينبغي استحضارها هي أن الغياب لا يساوي الهروب، والهروب لا يساوي الإدانة، وإنما يظل الاتهام قائماً على إثبات عناصر الجريمة ونسبتها إلى المتهم وفق معيار الإثبات المقرر قانوناً.
ومن هذا التمييز ننتقل إلى مسألة أخرى تزداد أهميتها في القضايا المرتبطة بالنزاعات المسلحة والجرائم الموجهة ضد الدولة، وهي مسألة طبيعة الوقائع محل الاتهام: هل نحن أمام جريمة مكتملة الأركان انتهت بواقعة محددة، أم أمام سلسلة من الأفعال والجرائم التي قد تكون مترابطة في سياق مستمر؟ فمجرد القول بأن الوقائع تشكل سلسلة من الجرائم أو أنها وقعت في إطار سياق عام لا يعفي الاتهام من إثبات كل واقعة وأركانها ونسبتها إلى المتهم. فالسياق العام قد يساعد في تفسير الأدلة وربط الوقائع بعضها ببعض، لكنه لا يحل محل الدليل على المسؤولية الفردية، ولا يغني عن إثبات العناصر القانونية لكل جريمة.
وهنا تتصل المحاكمة الغيابية مباشرة بمنهجية الإثبات؛ إذ إن غياب المتهم يحرم المحكمة من إحدى أهم وسائل اختبار الرواية المقابلة من جهة الدفاع، والمتمثلة في مواجهة الأدلة ومناقشتها وتقديم الفرضية والتفسير البديل للوقائع من جهة الاتهام. ولذلك فإن غياب المتهم لا ينبغي أن يؤدي إلى تخفيض مستوى التدقيق في الأدلة، وإنما على العكس يقتضي على المحكمة قدراً أكبر من الصرامة في تقييمها. ومن منظور نظرية الإثبات المعاصر يمكن صياغة هذه القاعدة في عبارة موجزة: السياق يفسر الدليل، لكنه لا يغني عن الدليل. وكلما ضعفت إمكانية المواجهة والمناقشة، ازدادت مسؤولية المحكمة في اختبار الدليل والتحقق من مصدره وموثوقيته ومدى كفايته لإسناد النتيجة التي تنتهي إليها.
وإذا كان الاستثناء المتمثل في المحاكمة الغيابية قد اقتضته ظروف معينة، فإن مشروعيته لا تكتمل بمجرد صدور الحكم في غياب المتهم، وإنما تمتد إلى ما يترتب على عودته أو ظهوره بعد ذلك. فمجرد النص على حق المتهم في إعادة المحاكمة بعد حضوره لا يكفي بذاته؛ إذ إن الضمانة الحقيقية تتطلب أن تكون إعادة المحاكمة فعلية وليست شكلية، وأن تمنحه – أي المتهم – فرصة حقيقية لمباشرة حقوق الدفاع التي تعذر عليه ممارستها أثناء غيابه.
فإذا عاد المتهم بعد سنوات، ينبغي أن يكون قادراً على معرفة الحكم الصادر في مواجهته، والتهمة التي أدين بها، والأدلة التي بني عليها الحكم، وأن تتاح له فرصة حقيقية لتقديم دفاعه ومناقشة أدلة الاتهام، ومواجهة الشهود حيث يكون ذلك ممكناً، وتقديم أدلته ودفوعه، وأن يكون للمحكمة مجال حقيقي لإعادة تقييم الوقائع والأدلة في ضوء ما يقدمه الدفاع، لا أن تقتصر مهمتها على مراجعة شكلية للحكم السابق.
ومن هنا تصبح المدة الزمنية عنصراً بالغ الأهمية في منظومة المحاكمة الغيابية؛ إذ ينبغي أن يتحقق التوازن بين مصلحة استقرار الأحكام وعدم إبقاء الخصومة مفتوحة إلى أجل غير محدد، وبين عدم تحصين حكم صدر غيابياً في مواجهة شخص لم تتح له فرصة حقيقية لممارسة حقه في الدفاع. فالمقصود من تحديد مدة لفتح الحكم أو إعادة المحاكمة لا ينبغي أن يكون تحويل المدة إلى وسيلة لإهدار الحق، وإنما تنظيم ممارسته بصورة تحقق الاستقرار دون أن تجعل الغياب سبباً دائماً لتحصين حكم لم يخضع فيه الاتهام لمواجهة دفاعية كاملة.
وبذلك لا تكتمل مشروعية المحاكمة الغيابية بمجرد توافر سبب قانوني يجيزها، وإنما تتوقف كذلك على سلامة إجراءاتها، ووضوح سبب الغياب، وصحة الإعلان، وصرامة تقييم الدليل، وفعالية الدفاع حيث يكون متاحاً، ووجود طريق حقيقي ومؤثر أمام المتهم عند حضوره لممارسة حقوقه والدفاع عن نفسه. فالمحاكمة الغيابية، بوصفها استثناءً من أصل الحضور، ينبغي أن تظل محكومة دائماً بالغاية التي تبرر الاستثناء، وألا تتحول بأي حال إلى وسيلة لتجاوز الضمانات التي يقوم عليها أصل المحاكمة العادلة والمنصفة.
(ثالثاً) الاستثناء في القانون السوداني والجرائم الموجَّهة ضد الدولة:
——————————–
يبدأ تنظيم المحاكمة الغيابية في المادة (134) من قانون الإجراءات الجنائية لسنة 1991م بتقرير حضور المتهم كأصل، ثم يقرر الاستثناء بإجازة المحاكمة غيابياً في حالات محددة، من بينها أن يكون المتهم متهماً (بأي من الجرائم الموجَّهة ضد الدولة)، كما يجيز السير في الدعوى في غيبته إذا أُعفي من الحضور وفق الشروط التي حددها القانون، أو إذا قدرت المحكمة أن السير في الإجراءات في غيابه لا يلحق ضرراً بقضية الدفاع. ويكشف هذا التنظيم عن أن المشرع لم يؤسس الاستثناء على علة واحدة، وإنما ربطه بثلاث حالات مختلفة: طبيعة الجريمة، والموقف الإجرائي للمتهم، وتقدير المحكمة لعدم الإضرار بحق الدفاع.
وتظل الحالة المتعلقة بالجرائم الموجَّهة ضد الدولة هي الأكثر إثارة للإشكال؛ لأن النص، بهذه الصياغة، يجعل طبيعة الاتهام ذاتها سبباً لإدخال الدعوى في نطاق الاستثناء، دون أن يقصر ذلك صراحة على المتهم الذي ثبت هروبه بعد بدء الإجراءات أو تعمده الإفلات من سلطة العدالة. ومن هنا تبرز ضرورة التفسير الحذر للنص التشريعي للمادة 134 اجراءات جنائية، حتى لا تتحول خصوصية الجريمة إلى انتقاص من الضمانات الأساسية للمحاكمة العادلة، ولا تختلط حماية الدولة، بوصفها شخصاً من أشخاص القانون، بحماية السلطة القائمة أو الأشخاص الذين يمارسونها، ولا تتحول المحاكمة الجنائية إلى امتداد للخصومة السياسية.
ومع ذلك، فإن إجازة المحاكمة الغيابية في هذه الحالات لا تعني سقوط الضمانات السابقة على المحاكمة. فقد ألزم القانون، بحسب التنظيم المشار إليه، بالإعلان بالحضور في جميع الحالات التي يجوز فيها إجراء المحاكمة غيابياً، بما يؤكد أن الاستثناء من الحضور الفعلي لا يعني الاستثناء من متطلبات الإعلان والإجراءات السابقة على المحاكمة. ومن ثم، ينبغي التمييز بين المدة السابقة على بدء المحاكمة الغيابية، كمدة الإعلان أو النشر المقررة للمتهم الهارب أو المتخفي؛ إذ تنص المادة (78) من قانون الإجراءات الجنائية لسنة 1991م على أن يسلم الشخص الهارب أو المتخفي نفسه إلى أقرب نقطة شرطة خلال أسبوع واحد من تاريخ نشر الإعلان، وبين المدة اللاحقة لصدور الحكم الغيابي التي قد تتصل بفتح الحكم أو إعادة المحاكمة أو مباشرة طريق من طرق الطعن. فالمدة الأولى تتعلق بتمكين المتهم من المثول قبل مباشرة المحاكمة، أما الثانية فتتعلق بمركز الحكم بعد صدوره وبمدى إتاحة وسيلة قانونية للمحكوم عليه لممارسة حقه في الدفاع والمواجهة.
وهذا التمييز يكتسب أهمية خاصة في النموذج السوداني؛ لأن المدة المقررة للإعلان قبل المحاكمة ـ متى استلزمها القانون ـ لا تمثل ميعاداً للطعن في الحكم ولا مدة لاستقراره، وإنما هي إجراء سابق على مباشرة المحاكمة في غيبة المتهم، غايته إتاحة العلم بالإجراءات قبل الانتقال إلى مرحلة الحكم. أما الإشكال الحقيقي في التنظيم الجنائي فيتعلق بالمرحلة التالية: ماذا يحدث بعد صدور الحكم الغيابي؟ ومتى يستطيع المحكوم عليه، عند ظهوره أو القبض عليه أو علمه بالحكم، أن يعيد طرح الدعوى ويمارس حق الدفاع والمواجهة؟
وهنا تظهر علة النموذج السوداني الأساسية؛ إذ يبدو أن التنظيم الجنائي للمحاكمة الغيابية لم يضع ـ في الحدود التي يثيرها هذا النقاش والتعليق ـ ميعاداً إجرائياً واضحاً ومتكاملاً لإعادة فتح المحاكمة الغيابية بعد صدور الحكم، ولا تحديداً صريحاً للواقعة التي يبدأ منها هذا الميعاد، ولا قاعدة واضحة تحدد متى يستقر الحكم الغيابي نهائياً في مواجهة المحكوم عليه الذي لم يحضر المحاكمة. وبذلك يكتمل تنظيم المرحلة السابقة على المحاكمة، بينما تظل المرحلة اللاحقة للحكم بحاجة إلى معالجة تشريعية ومنهجية تكشف متى يبدأ حق المحكوم عليه في إعادة طرح الحكم، وما مداه، وما الأثر المترتب على فواته.
وتزداد أهمية هذه المسألة عند مقارنتها بما قرره قانون الإجراءات المدنية السوداني لسنة 1983م بشأن الحكم المدني الغيابي وفتحه خلال ميعاد محدد؛ إذ يكشف هذا التنظيم عن فكرة تشريعية عامة، مؤداها، أن صدور الحكم في غيبة الخصم لا ينبغي، بمجرد صدوره، أن يغلق أمامه طريقاً إجرائياً لمراجعته، وإنما يوازن القانون بين استقرار الحكم وإتاحة فرصة زمنية لمباشرة حق الدفاع. ولا يعني ذلك نقل الميعاد المدني إلى المجال الجنائي بصورة آلية، وإنما يتيح قياساً تشريعياً ومنهجياً على فكرة تنظيمية مستقرة داخل المنظومة الإجرائية السودانية، متى توافرت وحدة العلة ولم يوجد نص جنائي يحول دون ذلك.
ومن هنا ينبغي الفصل بدقة بين ميعاد الإعلان السابق على المحاكمة وبين ميعاد إعادة فتح الحكم أو الاعتراض عليه بعد صدوره. فالأول ضمانة تسبق المحاكمة، وهدفه تمكين المتهم من العلم بالإجراءات وإتاحة فرصة الحضور؛ أما الثاني فهو ضمانة لاحقة للحكم، وهدفه منع تحول الغياب إلى حرمان نهائي من المواجهة والدفاع. ولا يصح بالتالي اعتبار مدة الإعلان، أياً كانت، بديلاً عن تنظيم الميعاد اللاحق للحكم.
وتطرح هذه الفجوة الإجرائية سؤالاً أكثر عمقاً: إذا كان الحكم قد صدر غيابياً، ثم ظهر المحكوم عليه أو قُبض عليه، فما المدة التي يملك خلالها طلب إعادة طرح الدعوى؟ ومن أي تاريخ تبدأ؟ وهل تبدأ من تاريخ صدور الحكم، أم من تاريخ إعلانه أو علمه به، أم من تاريخ حضوره أو القبض عليه؟ ومتى ينقضي هذا الحق بحيث يستقر الحكم نهائياً؟ وهذه الأسئلة لا تمثل تفاصيل إجرائية هامشية، وإنما تتصل مباشرة بجوهر حق الدفاع وبالتوازن بين حجية الأحكام وحق المحكوم عليه في المواجهة.
وتتأكد أهمية ذلك بصفة خاصة في الجرائم الموجَّهة ضد الدولة، حيث قد يكون المتهم خارج إقليم الدولة أو خارج نطاق سلطتها الفعلية بسبب نزاع مسلح أو انقسام سياسي، وقد يكون هارباً أو متخفياً، وقد يتأخر ظهوره أو القبض عليه زمناً طويلاً. ففي هذه الحالات لا يكفي أن يحدد القانون متى يجوز بدء المحاكمة غيابياً؛ بل ينبغي أن يحدد كذلك الأثر الزمني للحكم الغيابي، والواقعة التي يبدأ منها ميعاد ممارسة حق الدفاع بعد الحكم، والطريق الذي يمارس به هذا الحق، ثم الأثر المترتب على انقضاء الميعاد.
وعليه، فإن الإشكال في النموذج السوداني لا يكمن بالضرورة في مبدأ المحاكمة الغيابية ذاته، ولا في الاعتراف بالاستثناء المتعلق بالجرائم الموجَّهة ضد الدولة، وإنما في عدم اكتمال البناء الإجرائي من حيث المرحلة اللاحقة لصدور الحكم الغيابي. فالمحاكمة الغيابية لا تكتمل هندستها القانونية بمجرد تحديد الحالات التي يجوز فيها السير في غياب المتهم، وإنما تقتضي أيضاً تحديد الطريق والميعاد اللذين يستطيع من خلالهما المحكوم عليه استعادة حقه في المواجهة والدفاع، واللحظة التي يستقر عندها الحكم ويكتسب نهائيته.
وبذلك يصبح غياب الميعاد الإجرائي اللاحق للحكم في التنظيم الجنائي السوداني مسألة تستحق البحث، لا باعتبارها مجرد نقص في التفصيل التشريعي، وإنما باعتبارها مسألة تتصل بتكامل منظومة المحاكمة الغيابية ذاتها، وبمدى قدرة النظام الإجرائي على التوفيق بين حق الدولة في ملاحقة الجرائم وإنفاذ الأحكام، وبين حق المحكوم عليه غيابياً في أن تظل له وسيلة قانونية فعّالة لإعادة طرح دفاعه وممارسة حقه في المواجهة. وهنا تبرز أهمية الاستعانة، عند غياب النص، بأحكام الدستور ومبادئ المحاكمة العادلة وحقوق الدفاع، إلى جانب القياس التشريعي والمنهجي والتطبيقي والقواعد العامة للإجراءات ومبادئ العدالة، بما يضمن قراءة تنظيم المحاكمة الغيابية في إطارها الدستوري، ويحافظ على مشروعيتها دون أن يؤدي غياب المتهم إلى تحصين حكم صدر في غير حضوره قبل أن تتاح له وسيلة فعّالة لمراجعته وممارسة حقوق الدفاع التي تكفلها ضمانات المحاكمة العادلة.


