أوراق نازك الشوش تكتب ” عندما يصبح رطل اللبن قراراً عائلياً”

ما عاد الغلاء مجرد أرقام ترتفع في قوائم، وما عادت الأسعار حديث مجالس. لقد تحولت المعيشة في ولاية الجزيرة إلى اختبار يومي لكرامة مواطنها، وإلى صراع صامت بين الإنسان وضرورياته.
اليوم، وفي ظل هذه الأوضاع المعيشية المأساوية، كل من عاد إلى منزله بعد الحرب يندب تلك اللحظة التي حزم فيها حقائب العودة، ويقول بملء الفم: “ما كنت عارف الوضع قاسي كدا”.
ظناً منه أن الحياة في الجزيرة باتت أخف بعد الحرب، ولكن الأسعار الخرافية التي ترتفع يوماً بعد يوم جاءت مخيبة لآماله، ومثبتة أن العودة إلى الديار لم تعد الوسيلة الأفضل للاستقرار إن لم تتوفر سبل العيش الكافية.
المواطن لا يطالب بالكمال، بل يطالب بالحد الأدنى من الحياة الكريمة. أما الحياة والأوضاع التي يعيشها المواطن، فأقل ما يُقال عنها إنها مضمار سباق متاح للتجار.
نرى ارتفاع الأسعار في كل السلع الضرورية، حتى التي كنا نظنها من المسلمات:
فالذرة والدخن صارا فوق طاقة المزارع الذي زرعهما، وكيلو السكر صار ترفاً، وثمن الدواء صار يفوق ثمن الغاز، بحكم أنه السلعة التي كانت محض قلق الكثيرين في الفترة الماضية. ولتر البنزين يُباع بضعف سعره، مما كان كافياً لأن تبتلع المواصلات الداخلية نصف دخل الأسرة في يوم واحد. والأفدح من ذلك أن حتى رطل اللبن صار قراراً عائلياً.
يبقى السؤال الذي يطرح نفسه: هل سيطال الراتب كل هذا؟ إن كان الراتب نفسه يأتي مثقلاً بالديون؟
الشعب تُرك فريسة لنيران الحرب، ولهيب الأسعار، وبرود المسؤول.
والمؤسف في الأمر أن كل هذا يحدث في ولاية كان مشروعها الزراعي يُفترض أن يكون الضامن لرخاء البلاد.
نسمع فقط أن هناك وزارة تسمى “التموين” و”التجارة” و”حماية المستهلك”. أما ما يحدث فعلاً هنا فالسوق هو الذي يحكم، كالآتي: أسعار محاصيل الحبوب تحددها طرق النقل، وسعر الدواء تحدده الصيدلية، وسعر الرغيف تحدده مزاجية الفرن.
الدولة تتفرج. لا تسعيرة تلزم التاجر، ولا جهة تحاسب المحتكر. فراغ مخيف تركه غياب الدولة، وملأه التجار والسماسرة والجوع.
والأخطر من غياب الرقابة أننا بدأنا نتعامل مع الأوضاع القاسية “كوضع طبيعي”. والكارثة تكمن في الاعتياد! لأنه وببساطة عندما يعتاد الشعب على غياب دولته، يتحول الوطن إلى غابة، القوي فيها يأكل الضعيف.
هذا الشعب لم يُهزم بعد، لكنه منهك. وإن لم ندرك خطورة ما يحدث اليوم، فغداً لن تكمن المشكلة الحقيقية في الأسعار فحسب، إنما ستكمن في معنى البقاء.


