مقالات الرأي

أحمد عبدالكريم عبدالله  يكتب  من يحرسُ حرمةَ التعليمِ إذا كان حارسُها يبيعُ التذاكر؟

 

حين يتحولُ الصرحُ التربويُ والتعليمى إلى “سوبر ماركت”، وحين تصبحُ الشهادةُ بضاعةً تُسعّرُ على الرفوف، وحين يخرجُ مديرُ مدرسةٍ خاصة ،على شاشةِ فضائيةٍ حكوميةٍ ليتفاخرَ برواتبِ معلميه كما يتفاخرُ تاجرٌ بأرباحهِ، فاعلمْ أننا تجاوزنا مرحلةَ الخطرِ إلى مرحلةِ الانهيار.

تشهدُ الولايةُ الشماليةُ فى الآونة الأخيرة تمدداً صارخاً للخطابِ الإعلانيِ التجاريِ للمدارسِ الخاصة ، لافتاتٌ تملأُ الشوارعَ والتقاطعات، وعباراتٌ رنانةٌ توعدُ بـ”العبقريةِ المضمونة” و”المستقبلِ الذهبي” وكل ذلك بالطبع يقابله مبالغ طائلة وأقساط مرهقة ، لا أحدَ ضدَ التطوير، ولا أحدَ يرفضُ المنافسةَ الشريفة ، لكن أين الضوابطُ التي تحفظُ للرسالةِ التعليميةِ قدسيتها؟ وأين وزارةُ تربيةِ وتعليمِ الولاية الشمالية من أن يتم تحويلِ التعليمِ إلى سلعةٍ طبقيةٍ تُباعُ وتُشترى؟ النتيجةُ الحتميةُ لذلك هي غُبنٌ في صدورِ أولياءِ الأمورِ الذين لا طاقةَ لهم، وإحساسٌ بالنقصِ لدى تلاميذَ ذنبُهم الوحيدُ أن آباءَهم لا يملكونَ ثمنَ دخولهم للمدارس الخاصة،

والطامةُ الكبرى أن هذا التمددَ التجاريَ وجدَ له منبراً رسمياً ، ففي حلقةِ اليومِ السبت من برنامج “الحوش الكبير” بقناةِ الشماليةِ الفضائية، استضافت القناةُ المديرَ العامَ لإحدى المدارسِ الخاصة، فلم يتركْ شاردةً ولا واردةً إلا وبالغَ فيها لتمجيدِ مؤسسته ، تحدثَ عن المباني، وعن مايراه هو ومنظوره التجارى من مميزات، وعن “الجودة”، ثم تجاوزَ كلَّ الخطوطِ الحمراءِ المهنيةِ والأخلاقيةِ فأعلنَ على الملأ قيمةَ الرواتبِ التي يتقاضاها معلموه! يااااللهول… أيُّ منطقٍ هذا؟ أيها الزملاءُ في قناةِ الولاية، ألم تفرقوا بين “حوارٍ تربوي” وبين “إعلانٍ تجاريٍ مدفوع”؟ كان الأجدرُ بكم وضعُ شريطٍ أسفلَ الشاشةِ يقول: “هذا إعلان”. ما فعلتموهُ لم يكن تلميعاً للتعليمِ الخاص، بل كان طعناً مباشراً في خاصرةِ التعليمِ الحكومي، وإشعالاً لنارِ عدمِ الرضا الوظيفيِ بين المدارسِ الخاصةِ نفسها، وقبلَ ذلك كله إهانةٌ لمعلمِ المدرسةِ الحكوميةِ المغبونِ المغلوبِ على أمره، ذلك الذي يحملُ من الخبرةِ والكفاءةِ والتأهيلِ أضعافَ ما يحملهُ كثيرون، ولكنهُ لا يملكُ ميزانيةَ إعلانٍ في “الحوش الكبير”،

ولا يتوقفُ الأمرُ عند الإعلان ، فقد نظمتْ ذات مدارسه هذه المدارسِ حفلينِ نهاريينِ ضخمينِ في إحدى صالاتِ المناسبات، كان أحدهما فى هذا اليوم وغداً قد أُعلن عن ثانيها، حفلات غنائية تحييهما فرقةٌ غنائيةٌ يقودُها فنانٌ عاطفيٌ معروف، بحضورِ تلاميذٍ وتلميذاتٍ في سنِ الطفولة، وفقط بمناسبةِ “ختامِ عامٍ دراسي” للفصولِ الدنيا التي لم تمتحن لشهادتى الإبتدائى والمتوسط هذا العام ، ترى ما الرسالةُ التربويةُ هنا؟ ما علاقةُ الغناءِ العاطفيِ بتلميذِ وتلميذة يافعة فى تلك الصفوف الدنيا لايدركون حتى مايصدح به ذلك المغنى؟ وأين وزارةُ التربيةِ من صمتِها المريبِ العجيب على هذا العبث؟ أهذا هو “الختامُ التربوي للعام الدراسى” الذي نُربّي بهِ النشء؟ أم هي دعايةٌ أخرى تقولُ لأولياءِ الأمور: “ادفعوا أكثر.. وسوف نُغنّي لأبنائكم”؟

إن التعليمُ ليس سلعةً، والمدرسةُ ليست شركةً مساهمة ، وإذا استمرّ صمتُ الوزارة، واستمرّ انحيازُ الإعلامِ للمدفوع التجاريِ على حسابِ القيمةِ التربوية، فسنصحو يوماً على مدارسٍ بلا طلابٍ فقراء، وعلى مجتمعٍ بلا تكافؤِ فرص، وعلى جيلٍ يظنُ أن النجاحَ يُشترى بالكاش.

زر الذهاب إلى الأعلى