مقالات الرأي

فريق شرطة حقوقي دكتور الطيب عبدالجليل حسين يكتب المحاكمة الغيابية في القانون والقضاء السوداني والمعايير الدولية وحكم محكمة مكافحة الإرهاب ببورتسودان في قضية محمد حمدان دقلو (حميدتي) وآخرين(6/ 6)

 

من تساؤلاتٍ عديدة دارت حول مدى جدوى المحاكمة الغيابية للمتمرد محمد حمدان دقلو وآخرين أمام محكمة الإرهاب ببورتسودان، وما إذا كان الحكم الصادر فيها يمكن أن تكون له قيمة تتجاوز نطاق القضاء الوطني إلى فضاء التقاضي الدولي، جاءت هذه المقالة محاولةً للإجابة عن هذه التساؤلات من منظور قانوني وإثباتي. ومنهجياً، ينبغي ألا تُقاس قيمة هذه المحاكمة بمنطقين متطرفين: أولهما أن الحكم الغيابي الصادر عن محكمة وطنية يكفي بذاته لإثبات المسؤولية أمام القضاء الدولي، وثانيهما أن المحاكمة الغيابية تفقد الحكم كل قيمة قانونية أو إثباتية على المستوى الدولي. وعليه، فإن كلا التوصيفين غير دقيق.

فالقيمة الحقيقية تقع في منطقة وسطى أكثر تعقيداً؛ إذ قد تكون للحكم الوطني الغيابي قيمة قضائية وإثباتية معتبرة أمام القضاء الدولي، دون أن يتمتع تلقائياً بحجية الأمر المقضي به أمام المحاكم الدولية أو أن يلزمها بالنتيجة التي انتهى إليها الحكم. وتتحدد هذه القيمة، في المقابل، بمدى سلامة الاختصاص والإعلان وضمانات الدفاع، ومنهج بناء الأدلة وتقييمها، وسلامة السجل القضائي، وقابلية الأدلة لإعادة الفحص والتحقق، فضلاً عن مدى إتاحة المراجعة والمواجهة عند حضور المحكوم عليه.

(أولاً) الحكم الغيابي الوطني وأثره أمام القضاء الدولي:

———————————-

يثير الحكم الغيابي الصادر عن محكمة مكافحة الإرهاب والجرائم الموجهة ضد الدولة في بورتسودان بحق محمد حمدان دقلو وآخرين، على خلفية الجرائم المنسوبة إلى قوات الدعم السريع في أحداث الجنينة، سؤالاً يتجاوز حدود الإدانة والعقوبة في النظام القضائي الوطني، إلى سؤال أكثر تعقيداً وأهمية: ما القيمة القانونية والقضائية لهذا الحكم أمام القضاء الدولي؟ وهل يمكن أن ينتقل الحكم، بما تضمنه من وقائع وأدلة وتكييفات قانونية، من مجرد حكم وطني غيابي إلى عنصر مؤثر في عمليات التقاضي والتحقيق والملاحقة الدولية؟

والإجابة العلمية عن هذا السؤال، لا تستقيم باعتبار الحكم الوطني حكماً ملزماً للمحاكم الدولية، كما لا تستقيم بإهداره لمجرد صدوره غيابياً. فالقضاء الدولي لا يعمل بمنطق الاعتراف الآلي بالأحكام الوطنية، وإنما ينظر إلى الحكم بوصفه مصدراً من مصادر المعرفة القضائية والأدلة والوقائع المثبتة في سجل قضائي وطني، ثم يزن قيمته وفقاً لاختصاص المحكمة التي أصدرته، وضمانات المحاكمة، وقواعد الإثبات، وإمكان اختبار الأدلة ومناقشتها، واستقلال المحكمة، ومدى اتصال الحكم بالوقائع محل النظر أمام المحكمة الدولية.

ومن هنا تبدأ الأهمية الحقيقية لهذه المحاكمة.

(ثانياً) الحكم الغيابي بين المشروعية الوطنية والمعايير الدولية:

———————————

المحاكمة الغيابية ليست في ذاتها نظاماً محرماً في القانون الدولي، ولا يمكن القول إن مجرد غياب المتهم يؤدي تلقائياً إلى بطلان الحكم. فالمسألة أكثر دقة؛ إذ تتعلق بالسؤال عما إذا كانت الإجراءات التي تمت في غيبة المتهم قد احترمت الحد الأدنى من ضمانات المحاكمة العادلة، وما إذا كان النظام القانوني يوفر له وسيلة حقيقية وفعالة لمراجعة الحكم أو إعادة محاكمته عند حضوره، وفقاً للقانون الواجب التطبيق.

وتكتسب هذه المسألة أهمية خاصة عندما تكون العقوبة هي الإعدام؛ لأن المعايير الدولية للمحاكمة العادلة تصبح أكثر صرامة كلما كانت النتيجة المحتملة هي إزهاق حياة المحكوم عليه.

وبالتالي، فإن القيمة الدولية للحكم الغيابي لن تتحدد بمجرد صدور منطوق الإدانة، وإنما بالسجل الإجرائي الكامل الذي يثبت، من بين أمور أخرى: كيفية إعلان المتهم، وما إذا كان عالماً بالتهمة والإجراءات، وما إذا أتيح له الدفاع، وما إذا كان قد امتنع عن الحضور بإرادته، وهل كان له محامٍ أو إمكانية حقيقية للاستعانة بمحامٍ، وما هي وسائل الطعن المتاحة له، وهل يستطيع عند القبض عليه أو حضوره أن يطلب إعادة فتح المحاكمة ومناقشة الأدلة ومواجهة الشهود.

وهذه ليست مسائل شكلية؛ وإنما هي التي تحدد مقدار ما يمكن أن يمنحه القضاء الدولي للحكم من وزن.

(ثالثاً) القيمة القضائية للحكم الوطني لا تعني حجيته الدولية:

———————————

من الأخطاء المنهجية القول إن الحكم الصادر من محكمة بورتسودان يصبح بمجرد صدوره دليلاً قاطعاً أمام المحكمة الجنائية الدولية. فالمحكمة الجنائية الدولية ليست محكمة استئناف للحكم الوطني، ولا تملك المحكمة الوطنية أن تنشئ بحكمها اختصاصاً للمحكمة الجنائية الدولية، كما لا تستطيع أن تلزمها بتبني استنتاجاتها في المسؤولية الجنائية الفردية. وفي المقابل، ليس صحيحاً أيضاً القول أن الحكم الوطني لا قيمة له أمام القضاء الدولي. فالتمييز هنا ضروري بين الحجية القضائية والقيمة الإثباتية.

الحكم الوطني قد لا تكون له حجية الأمر المقضي به أمام المحكمة الجنائية الدولية، لكنه قد يمتلك قيمة إثباتية مهمة باعتباره وثيقة قضائية رسمية تكشف عن وقائع جرى بحثها، وأدلة تم تقديمها، وشهادات تم سماعها، وتقارير فنية تم فحصها، وتسلسل للأحداث، وأسماء أشخاص، وأدوار منسوبة إلى متهمين أو مشاركين، وعمليات مالية أو عسكرية أو اتصالية يمكن أن تكون ذات صلة بتحقيق دولي.

وهنا يتحول الحكم من نتيجة قضائية وطنية إلى مادة أولية في بناء ملف إثبات دولي.

(رابعاً) المحكمة الدولية تعيد بناء القضية ولا تستورد الحكم:

———————————-

إذا وصلت القضية إلى المحكمة الجنائية الدولية أو إلى محكمة دولية أخرى، فإن المحكمة لا تقول:(ثبتت مسؤولية المتهم لأن محكمة بورتسودان أدانته). بل يكون السؤال: ما الأدلة التي اعتمدت عليها محكمة بورتسودان؟ وهل يمكن الحصول على أصلها؟ وهل تم جمعها وحفظها بطريقة موثوقة؟ وهل يمكن التحقق من مصدرها؟ وهل يمكن اختبارها؟ وهل تتفق مع الأدلة المستقلة الأخرى؟

وهنا تظهر القيمة الحقيقية للسجل القضائي.

فإذا كان الحكم قد استند إلى مجموعة من الأدلة المستقلة والمتقاطعة، مثل شهادات الناجين، والتقارير الطبية والشرعية، والصور الفضائية، ومقاطع الفيديو التي أمكن التحقق من مصدرها وزمانها ومكانها، وسجلات الاتصالات، والوثائق العسكرية، والبيانات المالية، وأوامر القيادة، وتقارير المنظمات الدولية، فإن المحكمة الدولية قد تجد في ذلك السجل خريطة إثباتية بالغة الأهمية.

أما إذا كان الحكم قائماً بصورة رئيسية على اعترافات غير قابلة للاختبار، أو شهادات منقولة، أو معلومات استخبارية مجهولة المصدر، أو أدلة رقمية لم تثبت أصالتها وسلامة سلسلة حيازتها، فإن قيمته أمام القضاء الدولي ستكون محدودة، مهما كانت قوة اللغة التي صيغ بها الحكم.

وهذا يقودنا إلى جوهر نظرية الإثبات المعاصر: ليست قوة الدليل في نوعه وحده، وإنما في قدرته على الاندماج داخل شبكة من الأدلة المستقلة المتساندة والمتقاطعة.

(خامساً) من الدليل الفردي إلى الشبكة الإثباتية:

———————————

في الجرائم الجماعية، ولا سيما جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية والإبادة الجماعية، لا يكون الدليل الحاسم بالضرورة وثيقة واحدة تحمل توقيع القائد الأعلى يأمر فيها بارتكاب الجريمة. إنما يمكن أن تتكون المسؤولية من شبكة إثباتية تربط بين مستويات متعددة: الجريمة المادية، ونمط ارتكابها، وهوية الوحدات المشاركة، والقدرة العسكرية واللوجستية، وتسلسل القيادة، والاتصالات، والأوامر، والسلوك السابق واللاحق، وانتشار القوات، وطبيعة الأسلحة المستخدمة، ومدى تكرار الأفعال، والعلاقة بين الجريمة والسيطرة الفعلية على مرتكبيها. وهنا تبرز أهمية الحكم الوطني إذا استطاع أن يجمع هذه العناصر في سجل قضائي متماسك.

فالحكم لا يكون مهماً أمام القضاء الدولي لأنه قال إن فلاناً أو علاناً (مسؤول)، وإنما لأنه قد يحتوي على المادة الخام التي تسمح للقاضي الدولي بإعادة بناء سلسلة المسؤولية.

(سادساً) المسؤولية القيادية لا تقوم بمجرد إثبات الرتبة:

———————————

ومن أكثر المسائل التي تحتاج إلى دقة في تحليل الحكم، القول بأن المسؤولية القيادية تعني أن مجرد كون الشخص قائداً يكفي لإدانته. هذا غير صحيح.

فالمسؤولية عن الجرائم الدولية المرتكبة بواسطة المرؤوسين تحتاج إلى إثبات عناصرها القانونية، وفي مقدمتها طبيعة العلاقة بين القائد والمرؤوسين، ووجود سلطة وسيطرة فعلية، والعلم أو المعلومات ذات الصلة وفق القاعدة القانونية المنطبقة، والإخفاق في اتخاذ التدابير اللازمة والمعقولة لمنع الجرائم أو قمعها أو إحالتها إلى السلطات المختصة، بحسب الإطار القانوني المستخدم. ومن ثم، فإن قيمة الحكم الدولي المحتملة تزداد إذا كشف بصورة تفصيلية عن سلسلة القيادة والسيطرة الفعلية، لا بمجرد ذكر المناصب والألقاب العسكرية.

وهذه نقطة جوهرية في الانتقال من الإثبات التقليدي إلى الإثبات المنظومي.

(سابعاً) الأدلة الرقمية وصور الأقمار الصناعية ومقاطع الفيديو:

———————————

في الجرائم التي تقع في مناطق الحرب، يصبح الدليل الرقمي أحد أهم مكونات الملف الإثباتي. فالصور الفضائية قد تثبت التغيرات التي طرأت على قرى أو أحياء، وآثار الحريق والتدمير، وتوقيت بعض الأحداث، وتحركات كبيرة للسكان. ولكن الصورة الفضائية وحدها لا تثبت بالضرورة من أمر بالهجوم. ومقطع الفيديو قد يثبت وجود شخص أو وحدة عسكرية في مكان معين، لكنه لا يثبت وحده بالضرورة مسؤولية القيادة العليا.

وسجل الاتصالات قد يثبت اتصالاً بين شخصين، لكنه لا يكشف بالضرورة مضمون الأمر أو الغرض منه.

ولهذا، فإن قيمة الأدلة الرقمية تكمن في التثليث لهذه الأدلة الثلاثة والتقاطع بينها وبين الأدلة الأخرى.

وهنا تكون قيمة الحكم الوطني كبيرة إذا كان قد حفظ الأدلة الرقمية في ملف رسمي، وأثبت مصدرها، وتاريخ الحصول عليها، وطريقة فحصها، وسلامة النسخ، والخبراء الذين قاموا بتحليلها، وبيان كيفية التحقق من المكان والزمان والأشخاص الظاهرين فيها.

أما مجرد الاستناد في الحكم إلى (فيديو متداول على وسائل التواصل الاجتماعي) فلا يكفي، من منظور الإثبات المعاصر، ما لم يخضع الفيديو لعمليات التحقق الفني المناسبة.

(ثامناً) شهادات الضحايا والناجين وقيمتها في القضاء الدولي:

———————————

تكتسب شهادات الضحايا والناجين أهمية خاصة في الجرائم الدولية؛ لأنها قد تكشف عناصر لا يمكن الحصول عليها من الوثائق المادية، مثل طبيعة الهجمات، وهوية المشاركين، واللغة المستخدمة، والأوامر الصادرة، وأنماط الاستهداف، وأحداث التهجير والقتل.

لكن الشهادة، شأنها شأن الدليل الرقمي، لا تكتسب قوتها بمجرد صدورها. إنما تخضع للتقييم من حيث المصدر، وظروف الإدراك، والقدرة على التعرف، والاتساق الداخلي، والاتساق الخارجي، واحتمالات الخطأ، والتأثر بالصدمة، وإمكان وجود دوافع أو تناقضات، ومدى توافقها مع الأدلة المستقلة.

ومن ثم، فإن القيمة الدولية للحكم الوطني الغيابي، ستكون أعلى إذا كشف عن منهجية تقييم الشهادات، وليس فقط عن عدد الشهود.

(تاسعاً) الإبادة الجماعية هي أصعب التكييفات القانونية إثباتاً:

———————————-

ينبغي هنا التمييز بين إثبات وقوع قتل جماعي أو تهجير أو تطهير عرقي، وبين إثبات جريمة الإبادة الجماعية بالمعنى القانوني الدقيق. فالإبادة الجماعية لا تقوم فقط على جسامة الجرائم أو ضخامة عدد الضحايا، وإنما تتطلب إثبات القصد الخاص المتمثل في نية تدمير جماعة محمية، كلياً أو جزئياً، بوصفها كذلك، وفقاً للتعريف القانوني المنطبق في اتفاقية منع الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها 1948م وميثاق روما 1998م.

ولهذا فإن الحكم الوطني الذي يصف الوقائع بأنها (إبادة جماعية) لا يجعل هذا الوصف ملزماً للقضاء الدولي.

لكن إذا كان سجل المحاكمة يتضمن أدلة متقاطعة يمكن أن تستخلص منها المحكمة الجنائية الدولية هذا القصد الخاص، فإن قيمة الحكم والسجل القضائي المصاحب له تصبح كبيرة جداً.

وهنا يظهر الفرق بين التكييف القضائي وبين المادة الإثباتية التي تسمح بإعادة إنتاج التكييف أمام قاضٍ آخر.

(عاشراً) أثر المحاكمة الغيابية على معيار المحاكمة العادلة:

———————————-

تظل المحاكمة الغيابية هي أكثر عناصر هذا الحكم حساسية في المجال الدولي.

فالمشكلة ليست في غياب المتهم وحده، وإنما في السؤال: هل كان غيابه نتيجة عدم العلم، أم نتيجة عجز حقيقي عن الحضور، أم نتيجة فرار متعمد رغم علمه وتمكينه من الدفاع؟

وهذه الفروق قد تكون حاسمة في تقييم الحكم.

إذا ثبت أن المتهم كان يعلم بالإجراءات، وأنه اختار عدم الحضور، وأن له دفاعاً قانونياً متاحاً، وأن القانون الوطني يضمن له وسيلة فعالة لمراجعة الحكم عند حضوره، فإن ذلك يقوي الموقف القانوني للمحاكمة.

أما إذا ثبت أن المتهم لم يعلم بالمحاكمة، أو لم يكن لديه سبيل حقيقي للدفاع، أو لم تكن هناك آلية فعالة لإعادة المحاكمة عند حضوره، فإن ذلك يضعف القيمة الدولية للحكم، ولا سيما إذا كان الحكم قد انتهى إلى عقوبة الإعدام.

ومن هنا يجب ألا يكون النقاش حول المحاكمة الغيابية نقاشاً شكلياً حول “الحضور” و”الغياب”، وإنما حول العلم، والتمكين، والدفاع، والمواجهة، والمراجعة القضائية الفعالة.

(حادي عشر) الحكم الغيابي لا يصبح حكماً دولياً بموجب الاعتراف السياسي:

——————————–

قد يحدث أن تتبنى دول أو منظمات دولية بعض النتائج الواردة في الحكم الغيابي الوطني أو تشير إليه في بياناتها، لكن ذلك لا يحوله إلى حكم دولي. فالقيمة القانونية الدولية للحكم الغيابي تتحدد في كل منتدى وفق قواعد ذلك المنتدى.

فالمحكمة الجنائية الدولية لها نظامها الأساسي وقواعدها الإجرائية والإثباتية. والمحاكم الوطنية الأجنبية التي تنظر في طلبات التعاون أو المصادرة لها قواعدها الخاصة. والدول التي تنظر في الاعتراف بحكم أجنبي قد تطرح مسائل الاختصاص والنظام العام وحقوق الدفاع.

ومن ثم، فإن الحكم الوطني الواحد قد تكون له قيمة مختلفة أمام جهات قضائية مختلفة.

(ثاني عشر) أمام المحكمة الجنائية الدولية تحديداً (بشأن دارفور):

———————————

تزداد المسألة أهمية في ضوء اختصاص المحكمة الجنائية الدولية بشأن دارفور. فالمحكمة الجنائية الدولية لا تحتاج إلى الحكم الوطني لكي تنشئ اختصاصها، ولا تصبح مسؤولة عن تنفيذ الحكم الوطني. كما أن إصدار المحكمة الجنائية الدولية مذكرة توقيف لا يعني أنها تبنت حكماً وطنياً سابقاً، والعكس صحيح.

لكن السجل الوطني قد يكون ذا قيمة كبيرة للمدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية في مرحلة التحقيق، وفي تحديد الأشخاص والوقائع ومسارات الأدلة، وفي بناء فرضيات المسؤولية، وفي طلبات التعاون والمعلومات.

وقد تستخدم مواد الحكم أو ملف الدعوى باعتبارها مصادر معلومات وأدلة قابلة للتحقق، مع بقاء عبء الإثبات على الادعاء أمام المحكمة الدولية وفق المعيار والقواعد الخاصة بالمحكمة.

وهنا ينبغي تصحيح تصور شائع: مذكرة التوقيف الصادرة عن المحكمة الجنائية الدولية، ليست حكماً بالإدانة، ولا تقوم على إثبات المسؤولية (بصورة نهائية)، وإنما ترتبط بالمعيار المطلوب في المرحلة الإجرائية التي صدرت فيها.

وفي المقابل، الحكم الوطني بالإدانة هو نتيجة محاكمة وطنية، لكنه لا يلزم المحكمة الجنائية الدولية بنتيجته.

(ثالث عشر) القيمة المحتملة أمام القضاء الدولي ليست في الحكم وحده بل في (ملف الحكم):

——————————-

هذه ربما هي أهم نتيجة في الموضوع كله. إذا أردنا قياس القيمة الدولية لمحاكمة بورتسودان، فلا ينبغي أن نسأل فقط: ماذا قالت المحكمة؟ بل ينبغي أن نسأل ماذا يوجد في ملف القضية الذي جعل المحكمة تقول ذلك؟

فالملف قد يحتوي على آلاف الصفحات من الشهادات، والتقارير الطبية، والأدلة الرقمية، والصور، وتقارير الخبراء، والمراسلات، ومحاضر الاستجواب، وسجلات الاتصالات، والوثائق المالية، وتقارير الأسلحة، ومحاضر الضبط والتحريز، وأوامر القيادة، وخرائط العمليات.

هذه المواد هي التي يمكن أن تنتقل فعلياً إلى فضاء التقاضي الدولي. أما منطوق الحكم وحده، مهما كانت قوته، فلا يكفي لإثبات الوقائع أمام قاضٍ دولي.

(رابع عشر) القيمة السابقة على المحاكمة والقيمة اللاحقة لها:

——————————–

يمكن النظر إلى الحكم من زاويتين: (الأولى) هي القيمة السابقة على المحاكمة الدولية، باعتباره مصدراً للمعلومات يمكن أن يساعد أجهزة التحقيق الدولية في تحديد الأدلة والشهود والوثائق ومسارات المسؤولية. (الثانية) هي القيمة اللاحقة، عندما يقدم الحكم أو ملف القضية أمام جهة قضائية دولية أو أجنبية بوصفه جزءاً من شبكة أدلة مستقلة. وفي الحالتين لا تكون القيمة آلية، وإنما تتوقف على قابلية التحقق.

وهذا يقود إلى مفهوم مهم في علم الإثبات المعاصر هو: (قابلية إعادة إنتاج الدليل قضائياً). فالدليل القوي دولياً هو الذي يستطيع قاضٍ آخر، في نظام قضائي آخر، أن يفحص مصدره ومنهجيته وسلامة انتقاله وأن يصل، بصورة مستقلة، إلى النتيجة ذاتها أو إلى نتيجة قريبة منها.

(خامس عشر) الحكم الوطني كحلقة في سلسلة الإثبات الدولي:

———————————-

إذا ثبتت الجرائم في مدينة الجنينة بأدلة مستقلة متعددة، وثبت نمط ارتكابها، وأمكن تحديد الوحدات المشاركة، ثم أمكن ربطها بتسلسل القيادة والسيطرة، ثم أمكن ربط القيادة بالمعرفة أو القدرة على المنع والقمع وفق القاعدة القانونية المنطبقة، فإن الحكم الوطني يصبح إحدى حلقات السلسلة الإثباتية.

وهنا لا يكون الحكم هو الدليل الوحيد، وإنما عقدة معرفية داخل شبكة من الأدلة. وهذا أكثر اتساقاً مع طبيعة الجرائم الجماعية، التي يصعب عادة إثباتها بدليل فردي منفرد.

(سادس عشر) المصادرة والأصول المالية في الحكم:

———————————-

الأمر نفسه ينطبق على ما ورد بشأن مصادرة ممتلكات وأصول مرتبطة بالدعم السريع. فالحكم الوطني قد يوفر أساساً مهماً لبدء إجراءات داخل السودان، وقد يكون وثيقة مهمة أمام سلطات أجنبية تنظر في تجميد أو حجز أو مصادرة أصول، لكن الاعتراف بأثر المصادرة في دولة أجنبية لا يحدث تلقائياً.

فالدولة الأجنبية قد تتحقق من الاختصاص، وطبيعة الجريمة، وحقوق أصحاب الأموال، وصلتهم بالمتهم، ومصدر الأموال، ومدى احترام إجراءات المحاكمة، وقواعد النظام العام، والاتفاقيات الثنائية أو متعددة الأطراف ذات الصلة.

ولهذا فإن المصادرة الوطنية ليست جواز مرور تلقائياً إلى مصادرة دولية. بل يلزم في الغالب بناء ملف مستقل يثبت الصلة بين الأصل والجريمة والشخص المعني، مع استيفاء قواعد الدولة المطلوب منها التعاون.

(سابع عشر) الإنتربول ليس جهة تنفيذ للأحكام الوطنية:

———————————

يجب كذلك تصحيح تصور آخر يتعلق بالإنتربول. فطلب التعاون مع الإنتربول لا يعني أن المنظمة ملزمة تلقائياً بإصدار نشرة حمراء لمجرد وجود حكم وطني. كما أن المادة الثالثة من دستور الإنتربول تمنع المنظمة من التدخل في المسائل ذات الطابع السياسي أو العسكري أو الديني أو العنصري.

لكن وجود نزاع مسلح أو خلفية سياسية للقضية لا يؤدي بذاته إلى إسقاط التعاون. إنما تقوم المنظمة بفحص الطلب وفق قواعدها، بما في ذلك طبيعته القانونية ومدى توافقه مع دستور المنظمة وقواعد معالجة البيانات.

ومن ثم فإن قوة الملف القانوني، ووضوح الجريمة الجنائية، واستقلال الوقائع الجنائية عن الخصومة السياسية، كلها عوامل تؤثر في إمكانية التعاون الشرطي الدولي.

(ثامن عشر) ماذا يبقى من الحكم إذا حضر المحكوم عليه؟

———————————

هنا تظهر إحدى أهم المسائل التي يجب ألا تختلط بالمحاكمة الدولية. إذا كان القانون الوطني يقرر أثراً إجرائياً معيناً لحضور المحكوم عليه غيابياً، كإعادة المحاكمة أو تمكينه من مواجهة الأدلة، فإن هذا الأثر يتصل بالقانون الوطني وبضمانات المحاكمة الداخلية. ولا يصح تعميم القول بأن كل حكم غيابي يسقط تلقائياً في جميع الأنظمة القانونية بمجرد القبض على المحكوم عليه.

لكن من منظور المعايير الدولية، فإن وجود آلية حقيقية لمراجعة الحكم وتمكين المتهم من الدفاع والمواجهة يمثل عاملاً مهماً في تقييم عدالة الإجراءات.

ومن هنا فإن إعادة المحاكمة عند الحضور لا تعني أن المحاكمة الأولى كانت بلا قيمة؛ فقد تظل التحقيقات والأدلة التي جمعت خلالها ذات قيمة، بحسب القانون الذي يحكم المحاكمة اللاحقة، مع خضوعها لاختبار الدفاع والقواعد الإثباتية المطبقة.

(تاسع عشر) المحاكمة الغيابية قد تكون بداية للعدالة لا نهايتها:

——————————–

إن القيمة التاريخية والقانونية لمحاكمة بورتسودان لن تتحدد فقط بما إذا كان المحكوم عليهم سيقبض عليهم غداً أو بعد سنوات. فالمحاكمة قد تؤدي وظيفة أخرى شديدة الأهمية: حفظ الحقيقة القضائية في زمن الحرب.

فالتحقيقات التي أجريت، والشهادات التي سجلت، والأدلة التي جمعت، والتقارير الفنية التي أودعت، والوقائع التي ثبتت في السجل القضائي، يمكن أن تشكل قاعدة معرفية للأجيال اللاحقة وللعدالة الوطنية والدولية.

وهنا يلتقي القانون الجنائي مع علم الإثبات المعاصر. ففي الجرائم الجماعية، لا يكفي أن تكون العدالة قادرة على إصدار حكم؛ وإنما ينبغي أن تكون قادرة على حفظ الذاكرة الإثباتية للجريمة بحيث لا يؤدي مرور الزمن أو فرار المتهمين أو تغير موازين القوى إلى ضياع الأدلة.

عشرون: القيمة الحقيقية للحكم أمام القضاء الدولي:

———————————

يمكن، في النهاية، ترتيب القيمة المحتملة لحكم محكمة بورتسودان في درجات متصاعدة: (أولاً) قيمة الحكم باعتباره وثيقة قضائية وطنية رسمية. (ثانياً) قيمة ملف القضية باعتباره مستودعاً للأدلة والشهادات والتقارير. (ثالثاً) قيمة الأدلة المستقلة التي يمكن التحقق منها وإعادة فحصها. (رابعاً) قيمة التقاطع بين الأدلة الوطنية والأدلة الدولية المستقلة. (خامساً) قيمة السجل في إثبات النمط والسياق وتسلسل القيادة والسيطرة. (سادساً) قيمة الحكم أمام المحاكم الأجنبية في إجراءات التعاون القضائي أو تجميد أو استرداد الأصول، وفق قانون الدولة المطلوب منها التعاون. (سابعاً) قيمته أمام المحكمة الجنائية الدولية بوصفه مصدراً من مصادر الأدلة والمعلومات، لا بوصفه حكماً ملزماً لها.

وهذا التدرج يمنع المبالغة في أثر الحكم، كما يمنع التقليل من قيمته.

حادي وعشرون: من (حجية الحكم( إلى (قابلية الدليل):

———————————-

إن السؤال الأكثر دقة ليس: هل تعترف المحكمة الدولية بحكم محكمة بورتسودان؟ وإنما: ما الذي تستطيع المحكمة الدولية أن تتحقق منه بصورة مستقلة من الأدلة التي أنتجتها المحاكمة الوطنية؟

فهذه هي النقطة التي ينتقل عندها الحكم من السياسة إلى القانون، ومن الخطاب إلى الإثبات.

إن الحكم الغيابي الصادر بحق محمد حمدان دقلو وآخرين لا يستطيع، بمجرد صدوره، أن يفرض على القضاء الدولي نتيجة قضائية معينة، ولا أن يحل محل المحاكمة الجنائية الدولية أو يعفي الادعاء الدولي من عبء إثبات المسؤولية وفق قواعد المحكمة المختصة.

لكنه، إذا كان قائماً على محاكمة ذات سجل إجرائي سليم، وأدلة أصلية قابلة للتحقق، وشهادات موثقة، وخبرة فنية سليمة، وسلسلة حيازة محفوظة، وتحليل متماسك للقيادة والسيطرة، وتقاطع مع تقارير مستقلة صادرة عن جهات دولية وحقوقية، يمكن أن يتحول إلى مكوّن بالغ الأهمية في البنية الإثباتية الدولية لجرائم الجنينة (ولاية غرب درافور)

وعندئذ لا تكون القيمة الدولية للحكم في كونه (حكماً وطنياً يجب على العالم الاعتراف به)، وإنما في كونه منتجاً قضائياً وطنياً قابلاً للاختبار وإعادة التقييم داخل منظومة العدالة الدولية. وهذا هو الفارق بين حجية الحكم والقيمة الإثباتية للحكم.

(فالأولى) قد لا تنتقل إلى القضاء الدولي، أما (الثانية) فقد تنتقل، بل قد تكون ذات أثر بالغ، متى استطاع القضاء الدولي أن يجد في السجل الوطني أدلة يمكنه التحقق منها وقبولها وفق قواعده المستقلة.

ومن منظور نظرية وعلم الإثبات المعاصر، فإن أعظم قيمة يمكن أن تتركها هذه المحاكمة (محكمة الإرهاب ببورتسودان) ليست في عقوبة الإعدام التي نطق بها الحكم،

زر الذهاب إلى الأعلى