كيفما د. غالب محمد طه بسمة من سنار… لماذا ننتظر غربال العالم لنرى قمحنا؟

قبل أيام، اختارت منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة «الفاو» المزارعة السودانية بسمة سليمان مرسال خليل ضمن أول قائمة عالمية تضم مئة امرأة رائدة في النظم الزراعية والغذائية والتنمية الريفية، من بين أكثر من 600 ترشيح من أكثر من 131 دولة.
خبر يستحق الفخر بالتأكيد. لكن الذي شدني إليه أكثر أن بسمة جاءت من سنار، من المكان الذي مررت به ذات يوم وأنا في بداية حياتي الجامعية، دون أن أعرف أن الذاكرة ستعيدني إليه بعد كل هذه السنوات.
في أواخر عام 1997، سافرنا مجموعة من الأصدقاء إلى سنجة لزيارة الأحباب وليد الشوية ومحمد عبد الحي. كانت رحلة من تلك الرحلات التي تبقى في الذاكرة ببساطتها أكثر مما تبقى بالأحداث الكبيرة. مررنا بسنار قبل أن نواصل طريقنا إلى سنجة، عاصمة الولاية.
كنا نكتشف بلدنا وقتها بعين مختلفة. الطريق، الحقول، القرى، الناس، والأحاديث التي لا تنتهي في السفر. لم نكن نفكر يومها في الزراعة ولا في الاقتصاد ولا في مستقبل هذه المناطق. كنا فقط نعيش الرحلة.
ولذلك، حين قرأت اسم بسمة بعد نحو ثلاثة عقود، عاد إليّ ذلك الطريق.
بسمة مزارعة سودانية، تشارك في تنظيمات المنتجين بولاية سنار، وتحمل مسؤوليات قيادية فيها. رشحتها جهة سودانية إلى جانب مزارعات أخريات، ثم وصلت قصتها إلى «الفاو» التي اختارتها ضمن قائمتها العالمية.
وهنا وجدت نفسي أمام سؤال لم يكن متعلقًا ببسمة وحدها: لماذا نحتاج أحيانًا إلى أن يلتفت الآخرون إلى شيء عندنا حتى نراه نحن؟
فالإنجاز الذي يحدث في صمت لا يلفت الانتباه بسهولة. هناك أناس يعملون كل يوم، ويعرفون مهنتهم، ويطورون خبراتهم، لكن قصصهم تظل داخل القرى والمجتمعات المحلية، إلى أن تأتي جهة ما فتمنح تجربة منهم مساحة أوسع للظهور.
وقصة بسمة تفتح بابًا آخر أكثر أهمية. فخلف الأرض والمياه والمشروعات يقف إنسان يحمل معرفة تكونت عبر سنوات من الممارسة. المزارع يعرف أرضه ومواسمها، والمرأة تعرف تفاصيل الإنتاج وتدبير الموارد، والخبرة تنتقل أحيانًا في حديث أو ممارسة يومية، من جيل إلى آخر. لكن هذه المعرفة، رغم رسوخها، تبقى هشة؛ فهي تحتاج إلى أرض ثابتة وأسرة مجتمعة وموسم متصل بموسم كي تنتقل وتستمر.
ثم جاءت الحرب. تضرر الإنتاج، وتعطلت الأسواق وسلاسل الإمداد، وأصبح الوصول إلى الأرض والمدخلات الزراعية أكثر صعوبة. لكن هناك خسارة أقل ظهورًا: حين يترك المزارع أرضه، قد ينقطع موسم، وقد ينقطع معه شيء من خبرته بالمكان. وحين تتشتت الأسرة ويبتعد الأبناء عن قراهم، قد تتوقف معرفة كانت تنتقل بينهم بصورة طبيعية.
وهنا يصبح الإنسان هو السؤال الأهم.
السودان بعد الحرب سيحتاج إلى إعادة بناء الطرق والمشروعات والأسواق، وسيحتاج أيضًا إلى من يعرف كيف يعيد تشغيلها. سيحتاج إلى المزارع الذي يعرف أرضه، والحرفي الذي يعرف مهنته، والمعلم الذي يعرف مجتمعه، والمرأة التي تحمل خبرة الإنتاج، والشاب الذي يريد أن يتعلم. لذلك ربما يكون علينا أن نبحث عن أصحاب الخبرة قبل أن يصبحوا قصص نجاح، وأن نوثق تجاربهم قبل أن تضيع مع الزمن أو النزوح أو تغير الأجيال.
والجميل في قصة بسمة أن الاعتراف لم يبدأ أصلًا من الخارج. جهة سودانية رأت تجربتها ورشحتها، ثم جاءت «الفاو» ووسعت دائرة الاعتراف بها. فالاعتراف الدولي جميل ومهم، لكنه ينبغي أن يكون نافذة نطل منها على ما لدينا، لا مرآة نحتاج إليها كي نعرف أنفسنا.
وحين أفكر في ذلك، تعود بي الذاكرة إلى سنجة مرة أخرى؛ إلى الطريق الذي مررنا فيه بسنار قبل سنوات طويلة، وإلى تلك الأيام التي كنا نرى فيها الحقول والناس من نافذة الحافلة دون أن نعرف كم قصة يمكن أن تكون مختبئة خلف ذلك المشهد.
اليوم نعرف قصة بسمة. وفي منتصف أكتوبر المقبل، ستقف في روما وسط مراسم التكريم التي تنظمها «الفاو»، ممثلةً سنار والسودان أمام العالم.
والسؤال الذي يبقى: كم بسمة أخرى مرت أمامنا ولم نلتفت إليها؟
بسمة واحدة وصلت إلى العالم.
العالم رأى بسمة من سنار… فمتى نبدأ نحن في رؤية أمثالها؟


