الأمين: مكي الهوى، سوداني الجذور، نيلي التعليم. كتب/ عبد اللطيف السيدح

العودة إلى مسقط الرأس مرة أخرى لم يكن مرتبا لها بهذه الطريقة التي حدثت ، لكنها مشيئة الله وأقداره التي تسير الإنسان ولا تخيره، فقد عاد الأمين عبد اللطيف الأمين السيدح مرة أخرى إلى حيث دفنت “سرته” في حي جرول الشهير شمالي الحرم المكي الشريف تاركا أوجاع الحرب، باحثا عن آفاق المستقبل.
فقبل 14 عاما وعلى مقربة من الكعبة المشرفة، حيث يعانق الدعاء السماء، شهد مستشفى الولادة بجرول الصرخة الأولى إيذانا بالدخول في معترك الحياة، وكأن الأقدار أرادت أن تضع في أول سطور سيرته عنوانا فريدا، مكي الهوى، سوداني الجذور، عربي الانتماء، ومستقبل مفتوح على كل الاحتمالات الجميلة.
نشأ الأمين يحمل في وجدانه حكاية وطن بعيد، لكنه حاضر في القلب والذاكرة والهوية، غادر مكة المكرمة عام 2017 إلى وطنه منغمسا في مجتمعه عايشا بين أهله متنقلا بين الدامر، وقباتي، وشندي منابت الجذور، وبين “خرتوم ود اللمين”، للباحثين عن الرفاه والراحة والتعليم الخاص الممتاز
ثم فجأة داهمته الحرب من حيث لا يحتسب، فبدّدت من جديد كثيرا من الأحلام، ومنها الذهاب إلى فرنسا ودراسة الطيران والاستمتاع ببرج إيفيل، لكن مليشيا حميدتي قطعت عليه وعلى أقرانه حبال الأحلام الوردية، فقفل عائدا إلى مسقط الرأس، مكة المكرمة، يحمل بين جوانحه عزيمة لا تعرف اللين، وأن الجنجويد، مهما اشتدت وطأتهم على وطنه، لا يستطيعون كسر إرادة أمة، اعتادت على تحقيق أحلام أبنائها، ومن هنا بدأت الصفحة الجديدة من الرحلة، في مملكة الإنسانية، وفي رحاب بلد فتح أبوابه للأشقاء السودانيين، وأحاطهم بالرعاية والاهتمام في ظروف استثنائية.
فوجد في مسقط رأسه بيئة آمنة، ومجتمعا كريما، وقيادة جعلت الإنسان محورا للرعاية والعناية، وعلى هذا الجسر الآمن عبر من جديد نحو حلمه القديم، المدرسة، والكتاب، والامتحان، والشهادة، والمستقبل المفتوح على مشارق الأرض ومغاربها.
وبدأ يبحث عن مدرسةٍ تستوعب طموحه، وتفهم ظروفه، وتحافظ في الوقت نفسه على مستواه الأكاديمي وهويته السودانية.
ففتحت له مجموعة النيل الدولية بحي النزهة في العاصمة المقدسة، بابا جديدا
من الأمل، مدرسة متكاملة، معنى ومبنى.
فوجد إدارة شعارها ” نحن نجمع بين الحزم التربوي والدفء الإنساني”، نحن وفرنا الأستاذ الأكاديمي الحاذق، الذي لا يكتفي بتلقين المعلومة، إنما يسعى إلى بناء العقل القادر على الفهم والتحليل والمناقشة.
وهكذا استأنف الأمين رحلته الدراسية، وهو الآن في الصف الثاني الثانوي، يواصل دراسته الأكاديمية على المناهج السودانية، واضعا عينيه على الغد، لا على ما أخذته الحرب من الأمس.
وأكثر ما لفت انتباهي في النيل الدولية هذا الزي الذي أراه بحاستي البصرية أنيقا على جميع طلابها كبارا وصغارا، وفي الصورة التي رأيت فيها الأمين مرتديا زيه المدرسي، بدت لي المسألة أكبر من مجرد التزام بالزي.
فالزي المدرسي هنا يحمل، رسالة هوية وانتماء، ووحدة وانضباط، ويشير إلى أن الطالب، مهما كانت ظروفه، يدخل المدرسة متساويا مع زملائه؛ يجلس إلى الكتاب ذاته، ويتلقى العلم ذاته، ويحمل حلما يشبه أحلام زملائه، وفي حالة الأمين، يتبدى الزي النيلي، للناظر كأنه جسر رابط بين عالمين هوية سودانية أصيلة، وبيئة تعليمية مكية تحتضن هذه الهوية وتحترمها، فما أجمل أن تبدأ الحكاية من جرول حيث رأى الأمين نورين، نور بيت الله الحرام، ونور الدنيا، لذلك، فإن كل صفحة يقرأها اليوم، وكل درسٍ يتعلمه، وكل امتحانٍ يجتازه، هو لبنة صغيرة في بناء مستقبل كبير.
فيا أمين.
لقد أخذت الحرب منك مقعدا دراسيا، لكنها لم تأخذ منك الحلم، وأخذت منك وطنا مؤقتا، لكنها أعادتك إلى وطن الميلاد.
وأغلقت في وجهك بابا، ففتح الله لك بابا آخر في مكة، البلد الذي احتضنك وأندادك وزملائك دون من أو أذى، وفي مدرسةٍ اسمها يحمل دلالة جميلة، النيل سليل الفراديس، فاجعل من هذه الرحلة زادا للمستقبل، اجتهد، واقرأ، وتعلّطم، واحلم بعيدا، وتذكر دوما أن الإنسان لا يقاس بالظروف التي مرّ بها، إنما بالطريقة التي نهض بها من بين الركام والحطام، فما زلت في أول الطريق، وأجمل حكاياتك الجميلة لم تكتبها بعد.


