بيوت هدمتها المدافع وأخرى خربها الفراق: الطلاق.. الوجه الآخر المظلم لحرب السودان

الأرقام تتحدث: قفزة مرعبة بنسبة 30% في معدلات الطلاق خلال عام واحد من الحرب.
– مبادرة “لا لقهر النساء”: غياب الأمان القانوني والتمزق الأسري يدفعان الأسرة نحو الهاوية.
– د. إلهام سلمان: الطلاق لم يعد شأناً خاصاً بل مؤشر لشرخ اجتماعي عميق.
– .عبء النزوح: 54% من النازحين نساء يواجهن قسوة الإعالة وصدمات اللجوء بمفردهن.
– صدمة أممية: ارتفاع مرعب بنسبة 288% في طلبات الإغاثة من العنف القائم على النوع الاجتماعي.
– بناء الإنسان قبل البنيان: حماية الأسرة هي الركيزة الأولى لأي مشروع وطني لإعادة الإعمار.
– د. معاذ شرفي: نحتاج إلى “هندسة اجتماعية واعية” وغراء لاحم لترميم النسيج المجتمعي.
– د. عامر سليمان: غياب الوعي بمفهوم مؤسسة الزواج يحولها من اختيار واعي إلى عادة هشة.
– المستشار وليد حسين صالح: الحرب كشفت مشاكل كانت موجودة من قبل
تحقيق: هناء خيري
المقدمة :-
في زحام المعارك وضجيج المدافع، تموت أشياء لا تراها الكاميرات.. تموت حكايات الحب الأولى، وتتهاوى عروش البيوت. كانت فرشتهم تحلم بمئذنةٍ تعلو فوق حيّهم، وكانت طاولة العشاء تجمع أرواحا تحت سقفٍ واحد.. أما اليوم، فتلك المئذنة صارت شاهداً على خراب، وتلك الطاولة تشتتت حولها الأرواح في عدة مدن مختلفة. بين رصاصة تُخطئ الهدف وتُصيب الروح، وصحيفة طلاق تُرفع كشاهدٍ على انهيارٍ آخر، يكتب السودان فصلاً موجعاً في تاريخ أسرته. هذا تحقيقٌ عن الوجه الآخر للحرب.. عن بيوت هدمتها المدافع، وأخرى خربها الفراق.
وقفة في محكمة الحرب:-
تقف “أ. أ” في طابور طويل لا ينتهي، بجسدٍ نحيل وملامح غائرة، نحتت سنوات الحرب على وجهها ملامح امرأة بائسة. تلفّت عباءةً سوداء مليئة بالثقوب، وتنتعل سفنجةً خضراء من تلك التي نعرفها في السودان بـ”أبو حمامة”، لا تخفي ما بدأ من قدميها المغبرتين. تنتظر دورها للمثول أمام قاضي المحكمة الشرعية.
المكان حولها يغص بنساء يشبهنها؛ وجوههنّ مرايا مكسورة تعكس ذات المأساة. كانت المحكمة المكتظة أشبه بمشرحة اجتماعية، تُعرض فيها جثث الحكايات التي قتلتها الحرب.
لم تكن “أ. أ” تطلب الطلاق ترفاً، بل صرخة تمرد أخيرة ضد جحيمين؛ جحيم حربٍ في الخارج دمّرت الحجر والبشر، وجحيم زوجٍ في الداخل استمرأ سحق روحها لسنوات. إذ لطالما كانت هي السند المالي للمنزل، بينما كان هو يستمد من عجزه قسوةً يصبّها ضرباً وإهانة على كتفيها المنهكين جراء الوقوف خلف موقد النار في موقع عملها كبائعة شاي، تجري على رزقها ورزق عيالها وزوجها المتعطل عن العمل.
إلى جانب المأكل والمشرب والملبس لعيالها، كان عليها أن توفر لزوجها كل احتياجاته حتى سفة التمباك التي يضعها تحت شفتيه. فحين اندلعت شرارة حرب أبريل، ونزحوا نحو المجهول، وزاد الخرق على الراتق، واتسعت الالتزامات، كان عليها أن تخفف من أحمالها؛ فإما أن توفر احتياجات الزوج ويهلك الأطفال من الجوع، وإما أن يمضي هو إلى حال سبيله ليوفّر بمغادرته ما يعين العيال على الاكتفاء بلقمة العيش.
طلبت الانفصال؛ فاستغل الزوج غياب الدولة وشلل القانون، واختطف طفليه هارباً بهما إلى مكان مجهول، ثأراً لكرامته الذكورية المجروحة.
تركناها واقفة هناك في المحكمة، بأجهزتها المعطلة وسجلاتها المبعثرة بسبب الحرب، وهي صورة مصغرة لعدالة مشلولة بسبب آثار الحرب التي طالت كل شيء حتى منصات العدالة. تركناها تنتظر كلمة قاضٍ قد تعيد لها حريتها، والقضاة أنفسهم يعملون في ظروف لا تقل بؤساً عن ظرفها. لكن القصة التي تشكّل المحكمة فصلها الأخير، تبتدئ قصتها والحبكة من عمق المجتمع السوداني المأزوم.
قصة “أ. أ” هذه تشبه آلاف القصص، إذ تشكل حالتها نموذجاً صارخاً لواقع النساء في مناطق النزاع، حيث تتداخل المعاناة الشخصية مع الانهيار المجتمعي الشامل الذي أفرزته الحرب.
الأرقام تتحدث: بين الإحصاءات الرسمية والتوثيق الميداني
في الجانب الرسمي، أوضحت وزارة الرعاية الاجتماعية أنها لا تملك إحصاءات دقيقة عن حالات الطلاق التي حدثت بعد اندلاع الحرب، مكتفيةً بتوثيق حالات الاعتداءات التي تعرّضت لها النساء.
أما على صعيد الرسمي ، فقد كشفت مصادر مطلعة لـ”الخليل” أن حالات الطلاق المسجلة خلال عام 2024 بلغت نحو 2000 حالة في مصر وحدها. في المقابل، نفى القنصل وجود أي إحصائية رسمية بهذا الشأن، مؤكداً أن الأعداد اليومية تتراوح بين 6 إلى 7 حالات فقط، مشيراً إلى صعوبة إجراء حصر دقيق في المرحلة الراهنة نظراً لتعقيدات الأوضاع.
صندوق الأرقام الموجع:
· 70 ألف حالة طلاق عام 2022 (قبل الحرب)
· 96.6 ألف حالة طلاق عام 2023 (خلال العام الأول للحرب)
· نسبة زيادة 30% خلال عام واحد فقط
· 2000 حالة طلاق في مصر وحدها خلال عام 2024 (حسب مصادر مطلعة )
· 6-7 حالات يومياً في مصر وفقاً للمصادر دبلوماسية
· 11 مليون نازح داخلياً بحلول 2024
· 54% من النازحين من النساء والفتيات
· ارتفاع 288% في طلبات الإغاثة من العنف القائم على النوع الاجتماعي
ورغم أن هذه الأرقام لا تمثل إحصاءً وطنياً شاملاً بسبب تعطل مؤسسات الدولة والمحاكم في عدد من الولايات، فإنها تقدم مؤشراً مهماً على حجم الضغوط التي تعرضت لها الأسرة السودانية خلال الحرب، وتؤكد أن الأزمة لم تعد مجرد مشكلة أسرية، بل أصبحت قضية تنموية وإنسانية ذات آثار بعيدة المدى على المجتمع والدولة.
قصة أمل: حلم تهشم على جدران الحرب
لم تكن أمل بأفضل حالٍ من سابقتها، رغم ما حظيت به من تعليم جامعي، وزواجٍ من زميل الدراسة الذي أحبّها، فأقام لها حفلاً بهيّاً، ثم اغترب بحثاً عن مستقبلٍ واعد، وكان يعدها بأن تحضر إليه في إحدى دول الخليج قريباً. كانت تنتظر بفارغ الصبر لحظة اللقاء، لكن الحرب جاءت كإعصار اجتاح كل شيء، وقلب الطاولة على أحلامها الوردية.
وجدت أمل نفسها مضطرّة، مثل أسرتها، إلى مغادرة الخرطوم نحو الشمال، ثم إلى مصر في رحلة نزوح مريرة. زوجها كان على تواصل معها، يشجعها على الخروج حفاظاً على سلامتها، ووعدها بأن يستخرج لها أوراقاً لتلتحق به. لكن مع مرور الأيام، خفتت الاتصالات، وتوقفت المصاريف الشهرية، لتتفاجأ بأنه استقدم والدته وإخوته إلى بلد عمله، باعتبارهم أيضاً في مناطق نزاع. تساءلت: “ربما سيرسل لي أيضاً”، لكنه لم يعد يرسل حتى النفقة، وهي لم تطلب شيئاً، فكانت والدتها تطلب من إخوتها المغتربين إرسال مصروف خاص لها، لأن زوجها أصبحت نفقاته مضاعفة.
ظلت أمل تصبر وتحتسب، إلى أن فوجئت بعد شهور بورقة الطلاق دون سابق إنذار، لتعلم لاحقاً أن أسرته كانت قد اختارت له أخرى، مقيمة في نفس الدولة التي يعمل بها. وهكذا، أصبحت أمل مطلقة، بسبب حرب نسفت أحلامها، وتركت لها جرحاً لا يندمل.
قصة أبو محمد: بين مطرقة العائلة وسندان الزوجة
أما أبو محمد، الذي فضل التعرف باسم ابنه، فقد أصبح يراه وفق القانون وبصعوبة بالغة، بعد أن لجأت زوجته إلى المحكمة وحصلت على الطلاق وسكنٍ مستقل. كانت حياته قبل الحرب مستقرة، لكن النزوح قلبه رأساً على عقب، عندما وصلت إليه أسرته: والدته وإخوته، فصار يعيش بين نارين وشكوى دائمة لا تنتهي.
زوجته تشتكي من عدم قدرتها على الراحة في مطبخها ولا شقتها بسبب تدخل أخواته، وهنّ يشكون من أنها تتأخر في النوم، فيضطررن مع والدتهن المريضة إلى تحضير الطعام بأنفسهن، وهو ما كان يثير غضب الزوجة وتعتبره تدخّلاً في خصوصيتها. أبو محمد، رغم وضعه المادي الجيد الذي كان يسمح له باستئجار شقتين منفصلتين، واحدة لأمه وإخوته، وأخرى له ولزوجته، ظل يسعى لحلٍّ يرضي الجميع، لكنه فوجئ ذات يوم بغياب زوجته وأطفاله، إذ كانت قد أصرّت على إعادة والدته وإخوته إلى السودان، بحجة أن الأوضاع هناك أصبحت أفضل، ثم ذهبت إلى أقاربها الذين كانوا لا يزالون هناك.
لم تمر الأيام حتى وصلته ورقة من المحكمة تطالبه بدفع نفقات الزوجة وإيجار شقتها، رغم أنها كانت تقيم مع أقارب لها في بلد النزوح. ومنذ ذلك الحين، بدأت معاناته مع أطفاله الذين حُرم منهم، فلا يراهم إلا لدقائق معدودة وبمشقة كبيرة، لأنه رفض إرجاع أسرته الكبيرة إلى السودان. وها هي الحرب، التي دمّرت كل شيء، تخطف منه عائلته الصغيرة، وتنسيه كل ما قدّمه من تضحيات من أجلها.
مبادرة “لا لقهر النساء”: غياب الأمان القانوني والتمزق الأسري
تعكس تفاصيل دعوى الطلاق التي رفعتها “أ. أ” بسبب العنف الزوجي، وتعرّض أطفالها للاختطاف من قِبل الأب، ترجمةً عملية للتصريحات الصادرة عن الأستاذة أميرة عثمان، ممثلة مبادرة “لا لقهر النساء”، والتي تفصّل العوامل المترتبة على النساء داخل الأسر نتاج الحرب وفق محاور أجملتها في:
فقدان الحماية المجتمعية والتمزق الأسري وغياب الأمان القانوني: فخطوة خطوة، لجأت “أ. أ” إلى المحكمة لطلب الطلاق في بيئة تفتقر أصلاً إلى الحماية المجتمعية؛ فالحرب تهدم التماسك الأسري والمجتمعي معاً، مما يترك النساء – بحسب أميرة – دون غطاء حمائي فعال ضد العنف.
اختطاف الأطفال: يمثل قيام الزوج بخطف الأبناء انعكاساً مباشراً لبيئة الحرب التي تزيد فيها نسب الطلاق والهروب والعجز عن المسؤولية، حيث يستغل الشريك غياب سلطة إنفاذ القانون لممارسة نمط إضافي من العنف والابتزاز ضد الأم.والضغوط المعيشية ومسؤولية الإعالة المنفردة: ففي غياب الشريك لأسباب الحرب أو نتيجة لجوء الزوج للعنف والهروب، تواجه المرأة مأزق فقدان مصادر الرزق أو غياب المعيل، مما يجبرها على النزوح واللجوء نحو المجهول وسط انعدام المأكل والمشرب والسكن والعلاج.
العنف الممنهج والبيئة غير الآمنة:
وهنا لا تواجه “أ. أ” عنفاً زوجياً منزلياً فحسب، بل يمتد واقع النساء في الحرب ليشمل عنفاً من الخارج عبر قوانين – قالت أميرة – أنها تحد من حركتهن، وضغوطاً ترهقهن بالسجن والغرامات، إلى جانب أن بيئة النزاع تفتقر للأمان التام، حيث تقع النساء تحت رحمة انتهاكات أصحاب العمل أو العناصر المسلحة المنتشرة في المنطقة.
د. إلهام سلمان: الطلاق لم يعد شأناً خاصاً بل مؤشر لشرخ اجتماعي عميق
فيما ترى الباحثة الاجتماعية والناشطة في قضايا حقوق الإنسان والمرأة والطفل إلهام مالك سلمان أن الحروب لا تدمر المدن وحدها، بل تعيد تشكيل العلاقات الإنسانية، وتضع الأسرة أمام ضغوط غير مسبوقة قد تنتهي بالانفصال والطلاق. وأشارت إلى أنه لا ينبغي النظر إلى الطلاق بوصفه مشكلة أسرية خاصة، بل باعتباره مؤشراً اجتماعياً يعكس حجم الانهيار الذي أصاب المجتمع، ويكشف عن الآثار العميقة للنزاع على العلاقات الأسرية والتماسك الاجتماعي.
وأحالتنا إلهام إلى بيانات الأمم المتحدة التي أشارت إلى تجاوز عدد النازحين داخلياً بحلول 2024 11 مليون شخص، وكشفت أن 54% من النازحين هم من النساء والفتيات، وهو رقم يحمل دلالات اجتماعية عميقة؛ إذ يعني أن ملايين النساء أصبحن يتحملن مسؤولية إعالة الأسرة ورعاية الأطفال في ظروف قاسية، بينما بقي كثير من الأزواج في مناطق القتال، أو فُقد الاتصال بهم، أو اضطروا للهجرة إلى مناطق أخرى بحثاً عن مصدر رزق.
في الوقت نفسه، تؤكد الأمم المتحدة – بحسب إلهام – أن الطلب على خدمات الاستجابة للعنف القائم على النوع الاجتماعي ارتفع بنسبة 288% خلال عام واحد، كما أن ملايين النساء والفتيات أصبحن معرضات لمخاطر متزايدة من العنف والاستغلال، وهو ما يعكس حجم الانهيار الاجتماعي الذي رافق الحرب.
وقالت إن هذه الأرقام ليست مجرد بيانات إنسانية، بل هي مؤشرات على واقع اجتماعي جديد تعيشه الأسرة السودانية؛ واقع يقوم على التشتت، والقلق، وفقدان الأمان، والانقطاع الطويل بين أفراد الأسرة.
من النزوح إلى التفكك الأسري
تشير إلهام سلمان إلى أن الطلاق لا يُعد نتيجة لسبب واحد، بل هو غالباً حصيلة تراكم عوامل اقتصادية ونفسية واجتماعية، وفي الحالة السودانية، تبدو الحرب وكأنها جمعت هذه العوامل كلها في وقت واحد، لاقترانها بالفقر، والبطالة، وانعدام الاستقرار، وغياب خدمات الدعم النفسي والاجتماعي.
فمنذ 15 أبريل 2023، لم تقتصر آثار الحرب على الدمار والنزوح والانهيار الاقتصادي، بل امتدت إلى النسيج الاجتماعي، لتصبح الأسرة السودانية واحدة من أكبر ضحايا الصراع، الأمر الذي يستدعي النظر إلى الطلاق بوصفه قضية تنموية وإنسانية، لا مجرد شأن أسري خاص.
ففي كثير من الحالات نزحت الزوجة مع أطفالها إلى مناطق أكثر أمناً أو إلى دول الجوار، بينما بقي الزوج في منطقة النزاع لحماية ما تبقى من الممتلكات، أو انتقل إلى مدينة أخرى بحثاً عن العمل بعد فقدان مصدر رزقه. ومع امتداد الحرب لشهور وسنوات، تحول الانفصال الجغرافي إلى انقطاع في التواصل، وتراجع في الدعم العاطفي، وتراكم للمشكلات اليومية، الأمر الذي أدى في بعض الأسر إلى الشك المتبادل، وفقدان الثقة، وأحياناً إلى الخيانة الزوجية أو الاتهامات بها، ثم إلى الانفصال.
فقد أدى فقدان الوظائف، وارتفاع الأسعار، وانهيار مصادر الدخل، إلى وضع ملايين الأسر أمام صراع يومي لتأمين الغذاء والدواء والسكن والتعليم. وعندما تصبح الأسرة عاجزة عن تلبية احتياجاتها الأساسية، تتحول الضغوط المعيشية إلى مصدر دائم للتوتر، وتضعف القدرة على احتواء الخلافات.
وشددت مالك علي ان الضحية الأكبر يظل هم الأطفال.
فالطفل الذي يعيش تجربة الطلاق في ظل الحرب لا يفقد استقرار أسرته فقط، بل يواجه أيضاً مخاطر الانقطاع عن التعليم، والتدهور النفسي، وعمالة الأطفال، والزواج المبكر، والاستغلال والعنف. ومن هنا، فإن استمرار التفكك الأسري لا يهدد الأسرة وحدها، بل يهدد رأس المال البشري الذي سيعتمد عليه السودان في إعادة البناء بعد انتهاء الحرب.
د. معاذ شرفي: نحتاج إلى “هندسة اجتماعية واعية” وغراء لاحم لترميم النسيج المجتمعي
يقدم الدكتور معاذ شرفي، المختص النفسي في شؤون الأسرة، خارطة طريق نفسية واجتماعية للتعافي وحماية الأسرة عبر ما سماه “الهندسة الاجتماعية الواعية”. وتتأسس رؤية د. معاذ على الاعتقاد بأن التعافي هو “عملية ديناميكية وتراكمية وقرار يومي”، ويقترح خارطة طريق تعتمد على “الغراء الاجتماعي” لترميم الأسر.
يرى شرفي أن الحرب هي المفكك الأكبر لوحدة وتماسك نسيج المجتمع، إذ تشكل بيئة طاردة للاستقرار عبر محاور رئيسية تؤدي مباشرة إلى تسريع ديناميكيات الطلاق:
فخسارة الأقارب أو الممتلكات تسلب الأسرة مرونتها النفسية، وتحول الفضاء الزوجي إلى ساحة للحزن المزمن واللوم المتبادل.
اقتلاع الأسرة من بيئتها الجغرافية والاجتماعية يضع الشريكين تحت ضغط التكيف مع مجتمعات جديدة، مما يرفع من وتيرة الخلافات اليومية حول الموارد المحدودة.
غياب المعيل (بسبب الوفاة، الاعتقال، أو العجز) يربك المنظومة الاقتصادية للأسرة، ويحول العلاقة من شراكة عاطفية وبناءة إلى صراع مرير من أجل البقاء البيولوجي، وهو مسبب رئيسي للانفصال.
واشار شرفي الي ان تصاعد العنف الداخلي يرتبط بآليات الدفاع النفسي والاجتماعي المشوهة في أوقات الحروب، فالكبار يمتصون صدمات الحرب (أصوات الانفجارات، التهديد الوجودي، العوز)، وبسبب غياب منافذ التفريغ الطبيعية، تتحول هذه الطاقة السلبية إلى عنف لفظي وجسدي متبادل بين الزوجين، مما يشرخ جدار الأمان العاطفي ويجعل الطلاق الحل الوحيد للنجاة بالنفس.
واضاف ان تضعضع أواصر التضامن والانكفاء على الذات: يرى شرفي أنه عندما تميل المجتمعات المتضررة إلى الانكفاء الذاتي كآلية دفاعية، تفقد الأسرة “شبكة الأمان” الخارجية (الأقارب، الجيران، المجالس العرفية) التي كانت تتدخل تاريخياً لامتصاص الخلافات الزوجية وتوطيد أركان الزواج، مما يترك الزوجين في مواجهة مباشرة وعارية مع الصدمات دون أي وسيط حمائي.
وان التحولات الفجائية والقسرية في تقسيم العمل الاجتماعي داخل الأسرة: أعادت الحرب تشكيل الأدوار الجندرية، بإضطرار النساء واليافعين لتحمل “مسؤوليات مضاعفة” (كإعالة الأسرة وحمايتها ميدانياً) مما كسر النموذج التقليدي لصورة “الرجل المعيل والمحمي”. هذا التحول الفجائي قد يقابل برفض أو شعور بالعجز من الطرف الآخر، مما يولد صراعاً صامتاً أو معلناً على السلطة وصناعة القرار داخل المنزل، وعدم القدرة على إعادة التفاوض حول هذه الأدوار الجديدة بمرونة يؤدي إلى شرخ عميق في العلاقة الزوجية ينتهي بالانفصال.
و شدد شرفي علي ان الخطر النفسي المتضاعف على الأطفال والشباب: عندما تجتمع صدمتان كبيرتان في آن واحد: صدمة الحرب وصدمة انفصال الوالدين بالطلاق، تسلب الحرب الطفل أمانه الخارجي (الوطن والشارع)، بينما يسلب الطلاق أمانه الداخلي المطلق (الوالدين). هذا التراكم يخلق بيئة خصبة لامتصاص قلق الكبار المركب، ويترجم هذا القلق إلى سلوك انسحابي (انعزال واكتئاب) أو سلوك عدواني مدرسي ومجتمعي، حيث يفقد الطفل النماذج الحية للتعافي وبناء الثقة، ويصبح عاجزاً عن التكيف النفسي السليم.
وقدم شرفي مقترحات تبدو كمبادرة أشار إليها بـ”حديث البيت الآمن” أو “الدوائر الصغيرة”، تقوم على تدريب الزوجين على مهارات “التفريغ الانفعالي غير العنيف” عبر جلسات إرشادية مبسطة، وتحويل السلوك اليومي الصغير داخل المنزل إلى أداة دعم متبادل لتقليل نسب الطلاق الناتجة عن التفريغ الخاطئ للضغوط.
كما اقترح مبادرات “مساحات التضامن الجاري” (الغراء الاجتماعي)، عبر تفعيل أنشطة مشتركة (مطابخ مجتمعية، ورش عمل يدوية، مجالس دعم نفسي جماعي للأسر النازحة) لإعادة دمج الزوجين في شبكة اجتماعية مصغرة تعيد لهما الشعور بالأمان والثقة المفقودة، مما ينعكس إيجاباً على مرونتهما في تحمل الصدمات معاً.
د. حيدر علي: المشكلة الاقتصادية أساس المشكلات
أما الدكتور حيدر علي، الاختصاصي النفسي، فيرى أن المشكلة الاقتصادية هي أساس المشكلات التي يترتب عليها الطلاق، وتُسهم في تراجع مستوى التفاهم بين الأزواج وصولاً إلى مرحلة الانفصال، خاصة في حالات الاغتراب الطويل. والحرب أضافت تعقيدات جديدة أكثر تأثيراً على قضايا الطلاق، كنزوح السكان وتفاقم الأوضاع الاقتصادية التي كانت أصلاً صعبة لدى الكثيرين، ما يرفع نسب الطلاق. كما تزيد الاضطرابات النفسية المرتبطة بالحرب كالقلق والصدمة والاكتئاب، مما يشكل ضغطاً إضافياً على العلاقة الزوجية ويدفع نحو الانفصال.
واضاف أن فقدان الرجل لموارده المالية أثناء الحرب يجعله عاجزاً عن توفير متطلبات الحياة، مما يضيف عبئاً جديداً.
د. عامر سليمان: غياب الوعي بمفهوم مؤسسة الزواج يحولها من اختيار واعٍ إلى عادة هشة
يرى عامر إبراهيم سليمان، المدرب المعتمد واختصاصي التنمية البشرية، أن نسيج المجتمع السوداني المتأثر بالحرب لم يعان من قبل من مشكلات نفسية ذات أبعاد أمنية واقتصادية ومعيشية، أثرت على مستوى الاستقرار النفسي الداخلي والخارجي المتمثل في حركة النزوح وفقدان العائل، مما أفقد طرفي معادلة الزواج القدرة على تقبل شركائهم.
واوضح سليمان قائلا (ومع ذلك، فهو يعتقد أن ثمة استثناءات إيجابية، إذ تمكّن بعض الناس من التكاتف والتفاهم، وإدراك تقلبات الحياة، لكن هذا الاتجاه الإيجابي يظل محدوداً، ولا يشمل إلا فئة قليلة.)
وقال إن النظرة القاصرة لمؤسسة الزواج هي واحدة من مشكلات الاستمرار، فالكثيرون ينظرون إليه باعتباره مرحلة حياتية تالية للتعليم والعمل، يخوضونها بلا وعي كافٍ، وكأنها عادة اجتماعية لا اختيار واعٍ، مما أسهم في هشاشة معظم العلاقات إذ لم تعد قائمة على أسس متينة من الحب أو المعرفة العميقة. وعندما تأتي الظروف القاسية، كالحرب التي توقف العمل وتقلّص الدخل، يكتشف الطرفان أنهما لم يكونا على قدر التحدي، فتظهر المقارنات غير المنطقية، وتتولّد النزاعات، وتفشل العلاقة لأنها لم تكن مبنية على مشاعر حقيقية، بل على المصالح أو الاعتياد.
وشدد سليمان علي إن الطلاق في كثير من الحالات لا يحلّ المشكلة، بل يزيدها سوءاً، ولا يخرج من دائرة التوتر، خصوصاً حين يكون الزواج قائماً على علاقات عائلية أو معرفة سطحية، ما يجعله أشبه بجدار من الورق المقوّى، ينهار عند أول عاصفة أو اهتزاز.
وقال إن إدراك قيمة الحياة والعلاقة، ومعرفة أن الزواج ليس مجرّد عقد مصالح، بل كينونة أسرية قائمة على التفاهم والالتزام، هو السبيل للخلاص. أمّا من يفتقدون هذا الوعي، فتكون علاقتهم قائمة على المنفعة المتبادلة؛ وعندما تتعثّر هذه المصالح، تضيق الخيارات، ويتحوّل الطلاق إلى نتيجة شبه حتمية، لأن الجذور الأصلية للعلاقة لم تكن متينة.
المستشار وليد حسين صالح: الحرب كشفت مشاكل كانت موجودة من قبل
أما رئيس مركز الدعم القانوني للسودانيين بمصر المستشار وليد حسين صالح، فكان له رأي اخر من خلال الحالات التي مرت به في مكتبه ،إذ قال ان الموضوع أكثر تعقيداً مما تتصورون، ولا أظن أن الحرب هي المسبب الرئيسي لارتفاع نسب الطلاق، بقدر ما كانت كاشفةً لمشاكل كانت موجودة من قبل. وحتى لو تحدثنا عن الأسباب الاقتصادية، فقد تكون عاملاً مساعداً، لكن هناك ما هو أعمق من ذلك، يتعلق بتركيبة بعض النساء في السودان.”
وأضاف “هناك حالات لنساء يطلبن الطلاق ليس بسبب خلافات زوجية، بل لأنهن اتفقن مع آخرين مقيمين في أوروبا أو غيرها، ويردن السفر إليهم، أو يرون في هؤلاء بديلاً أفضل من أزواجهن. هذا أمر صعب، وفي رأيي، لا الاقتصاد ولا الحرب هما السبب الجوهري وراء تفاقم حالات الطلاق، بل غياب الوازع الديني، والانشغال بالطموحات المادية، خاصة التطلع للهجرة إلى أوروبا.”
وتابع: “في مكتبنا، مرت علينا العديد من النساء يطلبن ‘قسائم طلاق’، وعند سؤالي عن الزوج، أو المحكمة، أو السبب، يجبن بأن لا زوج ولا محكمة، لكنهن يعرفن أن هذه القسائم تُستخدم لأغراض السفر أو التقديم لمفوضية اللاجئين. بعضهن ادّعين الطلاق دون علم أزواجهن، بقصد الزواج من آخر والسفر إلى أمريكا أو أوروبا. وفي المقابل، يأتي الزوج من السودان إلى مصر ليكتشف أن زوجته تزوجت وسافرت، وهو لم يطلقها أو لم يكن لديه أي علم بالأمر.”
واضاف قائلاً: “غياب الوازع الديني والانغماس في الرغبات الدنيوية جعل البعض لا يفرق بين الحلال والحرام في هذه الأمور. وأنا أرى أن الحرب لم تقم بسبب خلافات بين طرفين، بل هي نتيجة نقمة من الله على شعب لم يعد يميز بين الحلال والحرام في مختلف جوانب حياته. نسأل الله صلاح الحال والسلامة للجميع.”
بناء الإنسان قبل البنيان: حماية الأسرة هي الركيزة الأولى
و مضي المستشار صالح في القول الي أن أي مشروع وطني لإعادة إعمار السودان لن ينجح إذا اقتصر على إعادة بناء البنية التحتية، دون أن يضع حماية الأسرة ضمن أولوياته. فهناك حاجة إلى برامج للدعم النفسي والاجتماعي، وخدمات للإرشاد الأسري، وتمكين اقتصادي للأسر المتضررة، وحماية قانونية واجتماعية للنساء والأطفال، مع تعزيز دور منظمات المجتمع المدني والمؤسسات الدينية والإعلام في نشر ثقافة الحوار وحل النزاعات داخل الأسرة.
و تبقى الحرب السودانية لغزاً معقداً.. فهي لا تحصد الأرواح وحدها، بل تمزق ما هو أثمن من الروح أحياناً؛ تمزق الحكايات التي كانت تبدأ بـ”أبداً” وتنتهي بـ”انتهى”. آلاف الأسر تهاوت مثل جدران البيوت، وآلاف الأطفال أصبحوا ضحايا صراعٍ لا ذنب لهم فيه. بين رصاصة تُخطئ الجسد وتُصيب القلب، وصحيفة طلاق تُغلق باباً كان يُفترض أن يبقى مفتوحاً، يظل السؤال معلقاً في الهواء: متى يتوقف خراب السودان؟ ومتى تعود البيوت كما كانت.. مآذنَ حب لا مدافعَ حرب؟








