مقالات الرأي

أحمد عبدالكريم عبداللّٰه يكتب بين “بناء القدرات” و “تغول الواقع”.. أين يقف الصحفي السوداني؟

 

قرأت ذلك المقال الذى كتبه الزميل رمضان محجوب ، وقد كتبه على هامش الدورة التدريبية التي نظمتها وزارة الثقافة والإعلام لمدة أربعة أيام تحت عنوان “بناء قدرات الصحفيين السودانيين” .، وهو مقال مهم ومليء بالتفاؤل، يؤكد على ضرورة تأهيل الصحفي بالمعرفة والتقنية والمهارة حتى يواكب المتغيرات المتسارعة ، فبينما أقرأ استحسنت الموضوع وطريقة التناول الجاذب ، فنحن فعلاً نحتاج إلى هذه الدورات ، بحسبان أن الإعلام بات صناعة تحتم المواكبة والتطور فى الأدوات والممارسة معاً ، كما نحتاج أن نتعلم كيفية التعامل مع معطيات الحداثة ، وكيفية التحقق من المعلومات، وصحافة البيانات، وأيضاً نحتاج لمن يعلمنا كيف نكتب الخبر في زمن التيك توك وريلز الدقيقة،

ولكن وبعد أن أكملت قراءة مقال الزميل رمضان، أجريت مقارنة سريعة فرضها على واقع معاش لدى معظم زملاء المهنة الحقيقين، من راتب لم يصرف منذ أشهر، ومؤسسة أغلقت أبوابها بسبب الحرب ، ومن زميل أسرته فى مركز إيواء وهو فى مكان آخر فرض الواقع بعده ، وزميلة أصبحت تعمل فى تجهيز وبيع الطعمية جراء توقف الصحيفة التى كانت تعمل فيها ، وهنا نجد أن سؤالاً منطقياً جدا قد فرض نفسه وهو بين أي قوسين نضع الصحفي السوداني اليوم؟ بين قوس “بناء القدرات” الذي تتحدث عنه الدورات، أم بين قوس “تغول الواقع” الذي نعيشه كل صباح؟

لا أحد يقلل من جهد وزارة الثقافة والإعلام، فالتدريب واجب وضرورة ، لكن ماذا يفعل وماذا يُجدى تدريب لأربعة أيام أو فلنقل لعشرة لإعلامى أو إعلامية يواجه كل منهم تحديات جمة، لا لشئٍ سوى لمواجهة حياة معيشية ضاغطة جداً، وسوق أصبح لا رحمة ولا إشفاق فى أسعاره،.

نحن لا نُدرب صحفيين في قاعة مكيفة فقط، نحن نُدرب نازحين ومشردين ومهنيين تحولوا إلى “ناشطين” على فيسبوك لأن بوابة المؤسسة التي تخرجوا فيها أو عملوا فيها قد أقفلت أبوابها بقفل صدِء،

إن الخطر اليوم لم يعد في ضعف المهارة، بل هو في أن المهنة نفسها يمكن أن تذوب وتتلاشى، بعد أن تغولت عليها صفحات “اللايفات” التي تسبق الخبر بالشائعة وتجمع المشاهدات على حساب الدقة والمهنة والمصداقية، وتغولت عليها آثار الحرب اللعينة التي حولت الصحفي إلى طرف فى نظر الأخرين غير محايد أحياناً، وواقع صار مطلوباً فيه من الصحفي المهنى ألا يقف مكتوف الأيدى أمام تحديات تهدد بقاء وطنه ، ومخططات أجنبية تستهدف بقاء هويته ، وصراع فى داخله بين كل ذلك وبين مسؤوليات أسرية ومعيشية تقتل القدرة قبل أن نبنيها أو ندرب عليها ،فكيف يُطلب من صحفي أن “يتحقق من المعلومة” وهو يفكر في قيمة الخبز؟ وكيف تُطلب منه مهنية الممارسة وهو يرى بيته قد احترق؟ وكيف يُطلب منه “صحافة استقصائية” وهو لايدرى مفاتحها ومآلاتها، إن الحرب لم تدمر المباني والمطابع فقط، لقد دمرت الهدوء والثبات فى الأنامل التى تمسك بالقلم ، فإن الجائع لا يكتب، والمهدد لا يُحقق، والخائف لا يسأل ،

لذا فإن مقال الزميل رمضان محجوب فى تقديرى يضع يده على نصف الحل وهو التأهيل، ونحن معه قلباً وقالباً ، ولكن نبقى فى حوجة ماسة للنصف الآخر وهو الأهم والمتمثل في “حماية الواقع” ، فلا فائدة من بناء قدرات في إناء مثقوب ، فنحن نريد دورات نعم، ولكن نريد معها رواتب تصرف بانتظام لتحقق مواجهة للحياة وإستقراراً نفسياً وأسرياً وإجتماعياً للإعلاميين بما يشكل بيئة يصلح فيها ومعها حسن الأداء، ومؤسسات تعود للعمل، وأماناً للصحفي في ميدان الممارسة، وقانوناً يشكل له حماية لا أداة للملاحقة ، وإدراكاً من الدولة أن الإعلام ليس ترفاً بل هو خط الدفاع الأول عن وعي الناس والمحافظة على بقاء الوطن وهويته في زمن الحرب ،

وإلا فإننا سوف سنظل نخرج من دورة تدريبية لنعود إلى واقع يهدم ما بنيناه في ايام او ساعات للتدريب ،

التحية للزميل رمضان محجوب أن حرك لدى هذا الطرح والذى أأمل أن أكون قد وفقت فيه ، والتحية لكل زميل وزميلة ما زالوا يكتبون ويسطرون وينشرون رغم كل شيء ، فأنتم وحدكم من تثبتون بعطائكم أن المهنة لم تمت بعد ،.

زر الذهاب إلى الأعلى