مقالات الرأي

أحمدعبدالكريم عبداللّٰه يكتب “بنكك”.. أمانةٌ في عنقكم لا عذرٌ تقنيٌ يرفعها

 

لم تعد عبارة (حول لي بنكك) مجرد عبارة تداول يومي، لقد صارت قدراً مكتوباً على جبين السودانيين في داخل الوطن وخارجه ، صار التطبيق حاسماً متحكماً في أقسام الحوادث وغرف الولادة بل فى غُرف الإنعاش، وصيدلياً في وجه الموت، وبائعاً لرغيف الجائع ، صار المفصل الدقيق بين سير تداولات الحياة وتوقفها ، بين أن يدخل المريض لغرفة العمليات أو أن يعود أدراجه، بين أن يشتري الأب دواء لطفله المحموم أو أن يبيت الليل يعُد الأنفاس ولايدرى بأية حال يأتى الصباح ،فإذا كان الأمر قد بلغ هذا المبلغ، فلا يحق أن يتم التعامل معه كما تُعامل تطبيقات الترفيه والتسلية ،

أنتم مصرف، والعقد الذي بينكم وبين الناس ليس عقد رضا عادي، إنه عقد محدد الأغراض والأهداف ، وقد سلمتكم الناس أموالهم تسليماً مؤقتاً ، تُحدد توقيته تلبية الحوجة متى وقعت، وسلّموكم معها أرواحهم حين جعلت أقدارهم التطبيق البوابة الوحيدة التي لا بديل لها وقد فرض ذلك حجم الإنتشار فقط، وليس جودة النوع أو أفضلية الأداء ، فليس من القانون أو الأخلاق في شيء أن تكون (الشبكة سقطت) بعد أن تمدد المريض على نقالة المستشفى، وليس من العدل أن يُحجز مال في الهواء، لا هو في يد صاحبه فيشتري به، ولا في يد المحتاج إليه فينقذه ، فمن يضمن؟ ومن يعوّض؟ ومن يحاسب؟ أم أن بنودكم المادية الجافة تقول (نحن غير مسؤولين) حتى عن الدم الذي يُراق بسبب تأخر تحويلة؟

أما على صعيد الإنسانية فالأمر أشد وأمر ، في المشافي لا مكان لعبارة (جارٍ تحديث النظام) ، بينما طبيب جراح يقول موجهاً (العملية الآن) والدم ينزف، فيأتي الرد البارد (السيرفر مضغوط) ، وفي الصيدليات لا يقول الموت للمريض (انتظر حتى تعود الخدمة)،

وفي بيوت فيها أطفال أو مسنين أو مرضى لا تؤجل احتياجاتهم الملحة حتى تنتهوا من الصيانة ، لقد حوّلتم حياة الناس كلها إلى سطر واحد هو (تمت عملية التحويل بنجاح) ، فإذا تأخر هذا السطر، تأخرت الحياة، وتوقفت الأنفاس، وانكسرت قلوب،

إن المسؤولية الأخلاقية هي الميزان الذي لن تفلتوا منه أمام الله ولا أمام الناس ، لا تشفع لكم بيانات باردة مصاغة بعبارة : حدث عطل فني خارج عن إرادتنا ، أي إرادة هذه التي يمكن أن تختار توقيت موت الناس؟ وأي عُذر تقني هذا الذي يواجه دمعة أم لم تصل تحويلتها في الوقت الذي كان فيه وليدها بين الحياة والموت؟ المال عندكم لم يعد رقماً في شاشة، لقد صار دواءً يُشترى، وعملية تُجرى، وخبزاً يُقتات ، فإذا خنتم ذلك الجانب الإنسانى والأخلاقى من الأمانة، فقد خنتم ما هو أغلى من المال، خنتم الثقة التي جعلتكم خزنة وملجأً للمودعين ،

لسنا نطلب منكم المعجزات، ولكنا نطلب ما يليق بمؤسسة تحمل مصير أمة على ظهرها ، فلابد من إستحداث مسار طوارئ إنساني، أوخطاً مباشراً مع المستشفيات والصيدليات لتأكيد الدفع في الحالات الحرجة حتى لو احترقت الخوادم ، ولابد من محاسبة واعتذاراً وشفافية فورية، واعترافاً بالخطأ وتعويضاً لمن تضرر، فالكرامة التي تُكسر على شباك الدفع لا تُجبر ببيان بارد يُنشر بعدأسبوع ، ومطلوب قبل كل ذلك أن تدركوا حجم الأمانة، أنكم لا تديرون تطبيقاً، أنتم تحرسون أرواحاً، فإياكم أن تنسوا ذلك الحجم من المسؤولية أمام الله ،

نعم، لقد أنقذ (بنكك) الاقتصاد في زمن الخراب، وله وللقائمين على أمره منا الشكر والتقدير ، ولكن الشكر لا يُسقط السؤال، ولا يُبيح الإهمال، ولا يرفع المسؤولية ، إن التقنية ما لم تكن خادمة للإنسان صارت سيفاً على عنقه ، فاختاروا لأنفسكم: إما أن تكونوا حراس حياة، وإما أن تُسألوا أمام الله والقانون والتاريخ سؤالاً واحداً لن تجدوا له جواباً: لماذا مات من مات.. فقط بسبب أن (التحويلة لم تصل) ؟

زر الذهاب إلى الأعلى