كردفان تستغيث… حين تنادي الأرض التي طالما لبّت نداء الوطن .. بقلم : مطر الهادي فرح
ما أقسى أن تنادي الأرضُ التي طالما لبّت نداء الوطن، وأن يرفع الرافدُ صوته بعدما ظلّ طويلاً يمدّ النهر بما لديه!
هكذا تبدو كردفان اليوم؛ لا منكّسة الرأس، ولا مستسلمةً للريح، ولا واقفةً على باب الوطن تستجدي عطفاً. إنها كردفان التي تعرف قدرها، ويعرف السودان قدرها؛ أرضٌ اشتدّ عودها من شظف الحياة، واستمدّت من أهلها صلابةً لا تُرى في صخب الكلام، وإنما تُعرف حين تضيق السبل.
لكن للقوة حدوداً حين يأتي الظرف فوق العادة، وللصبر ساعةٌ يحتاج فيها الصابر إلى من يسند كتفه. وكردفان اليوم تمرّ بواحدٍ من أقسى هذه الظروف؛ حربٌ ألقت بثقلها على مدنها وقراها، وأثقلت الخدمات، واستنزفت الموارد، ودفعت بأعداد من النازحين إلى رحابها، حتى أصبح الماء والدواء والغذاء والتعليم والصحة والطرق وغيرها من ضرورات الحياة في حاجةٍ إلى وقفةٍ أكبر من المعتاد.
ومع ذلك، لا ينبغي أن نقرأ المشهد بعين الشفقة؛ فكردفان ليست أرضاً تستمد قيمتها مما نمنحها، بل أرضٌ منحت السودان كثيراً مما يملك.
من سهولها خرج الزرع، ومن مراعيها اتسعت الثروة الحيوانية، ومن أشجار الهشاب جاء الصمغ العربي الذي ارتبط باسم السودان في الأسواق العالمية، وفي أرضها وباطنها موارد من الذهب والمعادن، وفي غربها ارتبطت حقول النفط بمسار الطاقة في البلاد. وتُظهر البيانات والدراسات الدولية الوزن الكبير لكردفان في الثروة الحيوانية وإنتاج الصمغ العربي.
لكن، لو أردنا أن نزن كردفان بميزانٍ آخر، فلن تكفي خزائن الاقتصاد.
إن ثروة كردفان الكبرى إنسانها.
ذلك الإنسان الذي جعل من القليل كثيراً، ومن الضيق سعةً، ومن الضيف أخاً، ومن الكرم سجيةً لا تحتاج إلى شاهد. في كردفان لا يُقاس الجود بما في اليد وحده، وإنما بما في القلب؛ ولذلك ظلّ الكرم فيها أقرب إلى طبعٍ أصيل، حتى يذكّر في بعض صوره بالمثل الحاتمي، دون أن يحتاج إلى من يعلّقه وساماً على صدره.
ومن الأبيض وبارا وأم روابة والرهد، إلى كادوقلي والدلنج، ومن الفولة وبابنوسة وغبيش ولقاوة وأبو زبد، إلى السنوط وسائر المدن والقرى والبوادي، تتعدد الأسماء، لكن المعنى واحد: أرضٌ تعرف كيف تعطي، وإن شحّت الأيام.
ولهذا، فإن استغاثة كردفان اليوم ينبغي ألا تُسمع كصوت انكسار، وإنما كـنداء وفاء.
هي لا تقول للسودان: أنقذوني؛
بل تقول له، بكل ما في الصمت من بلاغة: كونوا معنا ونحن نعبر هذه العاصفة.
تحتاج الدولة إلى أن تنظر إلى كردفان بعين المستقبل؛ فتدعم مرافقها الصحية والتعليمية، وتعيد تأهيل آبارها وطرقها وخدماتها، وتساند الزراعة والرعي والثروة الحيوانية، وتفتح أبواب الاستثمار أمام مواردها، وتضع إعمارها في موضعه الطبيعي داخل مشروع التعافي الوطني.
ويحتاج الإعلام إلى أن يعيد اكتشاف كردفان بعيداً عن عدسة الحرب وحدها. فليست كردفان خبراً عن قتال، ولا رقماً في بيان، ولا صورةً عابرةً في نشرة؛ إنها تاريخٌ وثقافةٌ وإنتاجٌ وذاكرةٌ وإنسان.
اكتبوا عن الفولة وبابنوسة وغبيش ولقاوة وأبو زبد والسنوط، وعن الأبيض وبارا وأم روابة والرهد، وعن كادوقلي والدلنج، وعن القرى والبوادي والأسواق والمزارع والمراعي. التقطوا جمال المكان، واحكوا سيرة الإنسان، وعرّفوا الناس بما في الأرض من إمكانات، واجعلوا الكلمة جسراً بين كردفان ومن يستطيع أن يساندها.
وليكن لكل واحدٍ منا بابٌ يدخل منه إلى هذه المسؤولية:
فالطبيب يداوي، والمهندس يعمّر، ورجل الأعمال يستثمر، والمغترب يسند، والكاتب يكتب، والإعلامي يعرّف، والمصور يوثّق، والمؤسسة تبادر.
فليس المطلوب أن نفعل كل شيء؛ المطلوب ألا نترك ما نستطيع فعله.
كردفان لا تحتاج أن نرفعها إلى مقام القوة؛ فهي فيه منذ زمن. ولا تحتاج أن نمنحها الكرامة؛ فقد ورثتها أرضاً وإنساناً. لكنها تحتاجنا اليوم، لأن الظرف استثنائي، ولأن الوقوف مع القوي حين تشتد عليه الأيام هو من أصدق صور الوفاء.
لقد أعطت كردفان السودان من أرضها وثروتها وإنسانها، وفتحت أبوابها في أيام الرخاء، واحتملت نصيبها من أيام الشدة. واليوم، حين تنادي، ليس من العدل أن نبحث عن عذرٍ للصمت.
فردّ الجميل ليس أن نعطي كردفان ما لم يكن لها، وإنما أن نردّ إليها بعض ما كان لها عند الوطن.
ولعل أبلغ ما يمكن أن يقال في هذه اللحظة:
كردفان لا تنحني للعاصفة؛ إنها فقط تطلب منّا أن نقف إلى جوارها حتى تمرّ.
ستظل قويةً بأهلها، غنيةً بأرضها، عزيزةً بكرامتها، سخيةً بطبعها. وستظل واحدةً من روافد السودان التي لا ينضب عطاؤها.
لكن الرافد، مهما كان غزيراً، قد تعترضه صخرة؛
وحينها لا يكون من الوفاء أن نطلب منه أن يواصل الجريان وحده، بل أن نزيح عنه الصخرة.
كردفان تستغيث… فهل نسمع نداء الأرض التي طالما سمعت نداء الوطن؟
*مطر الهادي فرح*


