مقالات الرأي

قبل السياسة.. لابد من حوار عن ( السودان الذي كان )    بقلم : أحمد عبدالكريم عبداللّٰه

 

قبل أن نهيئ المناضد ونوزع الكراسي لأي حوار سوداني-سوداني بغرض الوصول لاستقرار سياسي ونظام حكم يرضي الجميع، علينا أن نسأل سؤالاً واجباً ويفرضه المنطق .. كيف نعود؟

نحن اليوم فى أقصى درجات الحوجة لحوار لا يبدأ بالسلطة ونظام الحكم ولا ينتهي عند حقائب الوزارات ، بل نحتاج حواراً يبدأ من داخلنا، من ذلك المكان الذي تآكل فينا شيئاً فشيئا ، حواراً يوصلنا إلى كيفية العودة إلى السودان الذى كم عنه سمعنا وقرأنا وفينا من رأه وعاشه ، السودان الذى نحب ونتمنى، ذلك الذي كنا نفخر به لا الذى وللأسف اصبح فينا من يقول عنه (منعول أبوكِ بلد ) ، كيف لنا من عودة للسودان حَسُن السيرة والمسيرة ،

كيف نعيد فينا وفى صدورنا نمط انتمائنا القديم؟ ذلك الانتماء الذي كان يجعلنا نقول ( دى بلدنا.. ده وطنّْا ) فنقاتل دونها بلا مقابل ودون أن يكون دافعنا لذلك فكر أو حزب أو حاكم ، كيف نعيد مقدار حبنا الكبير لتراب هذا الوطن؟ الحب الذي كان يُبكى عين المغترب عند عودته عندما تلامس إطارات الطائرات مهبط المطار ، والطالب الذى يعود بعد أن أكمل دراسته فى أكبر جامعات دول العالم ليعمل في أقصى قرية صغيرة من أصقاع السودان،

كيف نُعيد تمسكنا بعاداتنا السمحاء، وتقاليدنا وأعرافنا التي ميزتنا بين جميع شعوب العالم ، عادات الجار قبل الدار ، والنفاج المفتوح، و ضيفك ضيف الكل وضيف الكل ضيف الله ،، كيف نعيد فينا أعراف الجودية التي كانت تحقن الدم قبل أن يراق، والنفير الذي كان يبني المدرسة أو الشفخانة في أسبوع واحد، والفزعة التي كانت تجعل الوجعة وجعة الكل ،

نحن نحتاج حواراً يعيد لنا التفاني في العمل العام بلا منّ ولا أذى ، يعيد لنا نزاهة اليد التي كانت تستحي أن تمتد لمال عام، ويعيد لنا طهر اللسان الذي كان يعف عن الشتيمة والتخوين والتشفي ، نحتاج حواراً يعيد لنا قيمة الزول السمح ، قبل الزول الشاطر ، وقيمة سمعة الزول قبل منصب الزول ،،

فهل لنا من حوار يفضي إلى آليات وطرق عملية تعيد فينا كل ذلك؟ حوار لا يكتفي بالشعارات، بل يخرج بخطة توصل لكيفية أن نُدخل قيم الأمانة والعفة والشهامة في المناهج؟ كيف نجعل الإعلام منبراً للتراحم لا للفرقة؟ كيف نُحيي مجالس الحكمة في الأحياء والفرقان لتكون هي النواة الأولى للمصالحة؟

إن مخرجات ذلك الحوار المنشود هو مانحتاجه حقيقة وهو المعبر الوحيد للوصول إلى استقرار سياسي وأمني واقتصادي وثقافي، فالسياسة بلا قيم تصبح صراع مصالح ، والاقتصاد بلا أمانة يصبح نهباً ، والأمن بلا ضمير يصبح قمعاً ، والثقافة بلا جذور تصبح مجرد تقاليد جوفاء ،

دعونا نؤجل الخلاف على الكراسي قليلاً، ونتحاور على وعن الكرامة أولاً ، دعونا نتفق على السوداني وثوابته وعلى السودان الذي ننشُد ، قبل أن نتفق على النظام الذي نبتغى وعلى الحاكم الذى نريد ، فإذا عُدنا كما كُنا، سهُل بعدها أن نُحكم كما نريد ،

الاستقرار لا يُستورد في حقيبة دبلوماسية، ولا يُكتب في دستور مستعار ، فالاستقرار يبدأ عندما يستعيد المواطن ثقته في أخيه المواطن ، ويبدأ عندما نعيد نحن لأنفسنا قيمها وثوابتها وأعرافها وُمثلها ،

فلنجعل أول بند في أي حوار قادم هو: كيف لنا من أن نعود سودانيين كما كنا؟

زر الذهاب إلى الأعلى