مقالات الرأي

الحق أبلج ٨٦٨ عميد شرطة م لطف الله أحمد عفيفي يكتب رجال خدموا الوطن.. فمن يخدمهم اليوم؟

 

بسم الله الرحمن الرحيم.

 

رجال خدموا الوطن.. فمن يخدمهم اليوم؟

 

السيد الفريق شرطة حقوقي بابكر سمرة

وزير الداخلية الموقر

 

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،،،

 

نتابع باهتمام تحركاتكم وطوافكم بين إدارات الشرطة وقطاعاتها المختلفة، ووقوفكم على حجم الدمار الذي خلفته الحرب، والجهود التي تبذلونها لإعادة إعمار ما دمرته المليشيا، واستعادة الشرطة لعافيتها ودورها ومقدراتها.

 

وهي جهود تستحق التقدير، لأنها تعكس اهتماما حقيقيا بإعادة بناء المؤسسة الشرطية، لا من حيث المباني والمرافق وحدها، وإنما من حيث استعادة الشرطة لمكانتها وقدرتها على أداء رسالتها الوطنية.

 

ولكن، سيادة الوزير، هناك ملف آخر لا يقل أهمية عن ملف الإعمار، وربما كان أكثر إلحاحا وأشد التصاقا بالإنسان، وهو ملف معاشيي الشرطة.

 

فهؤلاء الرجال الذين خدموا الوطن في سنوات السلم والحرب، ووقفوا في الميادين والأقسام والحراسات والمواقع المختلفة، لا ينبغي أن يصبحوا آخر من نتذكرهم عندما نتحدث عن إعادة بناء الشرطة.

 

لقد طالت الحرب معاشيي الشرطة كما طالت غيرهم.

فمنهم من فقد منزله، ومنهم من فقد ممتلكاته ومدخراته، ومنهم من نزح عن دياره، ومنهم من فقد مصدر دخله، بل إن بعضهم لا يزال يعيش مأساة الأسر والتهجير حتى اليوم.

 

لقد أخذت الحرب من كثير منهم كل شيء، ولم تترك لبعضهم إلا معاشا شهريا ضئيلا، هو بالنسبة إليه ليس راتبا إضافيا ولا دخلا جانبيا، وإنما هو كل ما تبقى له من أسباب الحياة.

 

وهنا يا سيادة الوزير تصبح قضية المعاش ليست مسألة مالية يمكن تأجيلها، ولا شأنا إداريا يعالج بزيادة محدودة من وقت إلى آخر، وإنما تصبح قضية كرامة ووفاء وعدالة.

 

فماذا يعني أن يمضي رجل الشرطة عشرات السنين في خدمة الدولة، ثم يجد نفسه بعد نهاية خدمته عاجزا عن توفير احتياجات أسرته الأساسية، أو شراء دوائه، أو دفع إيجار مسكنه، أو مواجهة تكاليف الحياة التي تضاعفت أضعافا؟

 

سيادة الوزير،

 

نحن ندرك تماما أن زيادة المعاشات ليست قرارا تملكه وزارة الداخلية وحدها، وأن وزارة المالية هي الجهة المختصة بالموارد والاعتمادات ولكننا نعتقد أن مسؤولية وزارة الداخلية تبدأ من تبني القضية والدفاع عنها بقوة أمام وزارة المالية ومجلس الوزراء، والسعي إلى وضع معالجة جذرية ومستدامة لهذا الملف.

 

المطلوب اليوم ليس منحة مؤقتة، ولا زيادة محدودة سرعان ما تلتهمها الأسعار، وإنما مراجعة شاملة وعادلة للمعاشات تتناسب مع الواقع الاقتصادي الذي فرضته الحرب، ومع الانخفاض الكبير في قيمة العملة وارتفاع أسعار الغذاء والعلاج والسكن وكل ضرورات الحياة.

 

كما نحتاج إلى وضع آلية واضحة وعادلة تضمن أن يتحرك المعاش مع المتغيرات الاقتصادية، حتى لا يظل المتقاعد ينتظر سنوات طويلة بين زيادة وأخرى، بينما تتآكل قيمة معاشه يوما بعد يوم.

 

والأهم من ذلك أن تشمل المعالجة الجميع؛ ضباطا وصف ضباط وجنودا، فكل من ارتدى زي الشرطة وأدى واجبه وخدم الوطن يستحق أن تنظر إليه مؤسسته بالقدر نفسه من الوفاء والتقدير.

 

سيادة الوزير،

 

إن إعادة إعمار مراكز الشرطة والإدارات والمرافق أمر مهم لاستعادة قوة المؤسسة، ولكن إعادة كرامة معاشي الشرطة جزء لا يتجزأ من إعادة بناء الشرطة نفسها.

 

فالشرطة ليست مباني وسيارات وسلاحا فقط، بل هي رجال خدموا فيها، ورجال يعملون فيها اليوم، وأجيال ستأتي من بعدها.

 

ورجل الشرطة الموجود في الخدمة اليوم لا ينظر فقط إلى ما تمنحه له المؤسسة وهو في موقعه، وإنما ينظر أيضا إلى ما ستفعله المؤسسة من أجله عندما تنتهي خدمته.

 

وما تقدمه الشرطة لمتقاعديها اليوم هو الرسالة التي تصل إلى كل شرطي في الخدمة عن مستقبله غدا.

 

إن الوفاء لمن سبقونا في الخدمة ليس مجاملة ولا منة، وإنما هو واجب مؤسسي وأخلاقي ووطني.

 

وسيادة الوزير، قد يكون المتقاعد قد غادر الخدمة، لكنه لم يغادر أسرة الشرطة، ولم تسقط عنه صفة الرجل الذي خدم الوطن.

 

لقد أعطى شبابه وقوته وصحته للمؤسسة، ومن حقه عليها أن يجد في خريف عمره من يقف إلى جواره.

 

لذلك نناشدكم أن تضعوا ملف معاشيي الشرطة في مقدمة أولوياتكم، وأن ترفعوه إلى وزارة المالية ومجلس الوزراء مدعوما ببيانات دقيقة ودراسة واضحة لحجم المعاناة، وأن يكون الهدف إقرار معالجة جذرية تحقق معاشا عادلا يحفظ للمتقاعد كرامته ويؤمن له الحد الأدنى من الحياة الكريمة.

 

فنحن لا نطلب امتيازا خاصا لرجال الشرطة، ولا نطالب بأكثر من حق مشروع.

 

نريد معاشا يليق بمن أفنى عمره في خدمة الوطن.

 

والشرطة التي تعيد بناء مبانيها ومقارها واداراتها، ينبغي في الوقت نفسه أن تعيد بناء جسر الوفاء بينها وبين رجالها الذين سبقوها.

 

فـمعاش الناس هو كرامة الناس. وسيادة الوزير، معاشي الشرطة أمانة في أعناقنا.

 

١٤ سبتمبر ٢٠٢٦

زر الذهاب إلى الأعلى