كيفما… د. غالب محمد طه يكتب أين يقرأ أطفالنا العربية اليوم؟

منذ إعلان نتيجة الشهادة السودانية الأخيرة، دار نقاش واسع حول مستوى الطلاب في اللغة العربية. تابعت بعض ما قيل، لكن سؤالًا آخر ظل يشغلني: أين يقرأ أطفالنا العربية اليوم خارج المدرسة؟
فالعلاقة باللغة لا تبدأ في حصة اللغة العربية ولا تنتهي عند ورقة الامتحان. هناك سنوات طويلة يتشكل فيها لسان الطفل وعلاقته بالكلمة من أشياء قد لا نفكر فيها حين نناقش نتائج الشهادة: قصة يقرؤها، مجلة ينتظرها، شخصية يحبها، واليوم شاشة ولعبة ومنصة يقضي معها جزءًا من يومه.
لهذا جاء توقيت قراءتي لكتاب د. نسرين عمر عبد الكريم «صحافة الطفل العربي في عصر الذكاء الاصطناعي: دراسة في المفهوم والتطبيق» لافتًا بالنسبة إليّ. كنت أتابع نقاشًا سودانيًا عن العربية في المدرسة، وفي الوقت نفسه أقرأ كتابًا أعادني إلى مكان آخر كانت العربية تصل منه إلى الطفل من دون امتحان.
إلى مجلة «الصبيان» التي عرفتها أجيال سودانية، ثم «سمسمة»، وإلى مجلات عربية كانت تصل إلى البيوت والمكتبات مثل «ماجد» و«ميكي». وإلى تجربة سودانية أخرى لها حضور خاص في ذاكرتي: «أحباب المواصفات».
وليست «أحباب المواصفات» هنا مجرد مجلة أعرفها. فهي، إلى جانب «سمسمة»، من التجارب السودانية التي تناولها الجانب التطبيقي في الكتاب، قبل أن توسع المؤلفة دائرة النظر إلى التحول الرقمي وما يفرضه الذكاء الاصطناعي على صحافة الطفل.
والطفل الذي كان يفتح واحدة من تلك المجلات لم يكن يفعل ذلك لأنه يريد تحسين مستواه في العربية. كان يريد قصة، أو ينتظر شخصية أحبها، أو يتوقف عند رسمة ومسابقة.
لكنه، من حيث لا يقصد، كان يقرأ العربية.
«أحباب المواصفات» تقدم مثالًا قريبًا. فقد خرجت المجلة من مؤسسة يبدو مجال عملها بعيدًا عن عالم الصغار: التقييس والجودة وحماية المستهلك. مفاهيم يمكن أن تتحول بسهولة إلى مادة جافة حتى للكبار، لكنها وجدت طريقها إلى الطفل بالقصة والرسم والشخصية والنشاط.
وما يعنيني في التجربة هو الفكرة التي تقف وراءها: يستطيع إعلام الطفل أن يأخذ موضوعًا لا يبدو جذابًا للصغير، ثم يجد له الطريق المناسب إلى عالمه.
أن يجعل المهم جذابًا، بدل أن يستبدل المهم بما هو جذاب.
لكن البيئة التي عاشت فيها تلك المجلات تغيرت. الطفل لم ينتظرنا حتى نقرر ماذا نفعل.
ذهب إلى الشاشة.
ولا أرى أن المشكلة في الشاشة نفسها، ولا من الإنصاف أن نحمل الألعاب الإلكترونية والمنصات وحدها مسؤولية تراجع القراءة. هذه البيئات نجحت في صناعة عالم يدخله الطفل بنفسه، ويختار داخله، ويلعب ويشارك ويعود، ويتعرف إلى شخصياته وقواعده وتفاصيله.
والكتاب لا يدعونا إلى البكاء على المجلة الورقية أو محاولة استعادة «الصبيان» و«سمسمة» كما عرفناهما. فالمسألة أعمق من استبدال الورق بشاشة. الطفل نفسه تغيرت علاقته بالمحتوى؛ لم يعد ينتظر ما يضعه المحرر أمامه، بل يختار ويعلق ويشارك، ويمكن أن يكون جزءًا من صناعة المحتوى أيضًا.
ثم جاء الذكاء الاصطناعي ليوسع هذه المساحة.
يمكن أن تصبح القصة أكثر تفاعلًا، وأن يراعي المحتوى عمر الطفل ومستواه اللغوي، وأن تتحول الشخصية التي كان ينتظرها في العدد القادم إلى شخصية يتفاعل معها، بل وأن يشارك هو في اختيار مسار الحكاية.
لكن هذه الإمكانات تأتي معها أسئلة لم تكن مطروحة بالطريقة نفسها في مجلة الأمس. كان المحرر يختار للطفل، أما اليوم فقد دخلت الخوارزمية إلى الغرفة. تستطيع أن تعرف ما يحبه، ثم تقدم له المزيد منه.
وهذه القدرة، على ما فيها من إغراء، تضع مسؤولية أكبر على من يصنع المحتوى. فإعلام الطفل لا ينبغي أن يكتفي بإعطائه ما يحبه؛ من وظائفه أيضًا أن يفتح أمامه أبوابًا لم يكن يعرفها.
ولا يتعامل الكتاب مع التكنولوجيا باعتبارها حلًا سحريًا. يناقش الخصوصية وبيانات الأطفال والإعلانات الموجهة إليهم والبيئات الرقمية الآمنة، ويطرح مفهوم «الصحفي التربوي الشامل». فالكتابة للطفل اليوم لم تعد تحتاج إلى صحفي يجيد الكتابة فقط، بل إلى من يفهم التربية ونفسية الطفل والبيئة الرقمية وطبيعة المحتوى التفاعلي.
وهذا ما يجعل الكتاب، في تقديري، جديرًا بأن يُقرأ خارج أقسام الإعلام والجامعات.
وفي السودان يأخذ الأمر معنى آخر. هناك أطفال عاشوا الحرب والنزوح، وانقطعت صلة بعضهم بالمدرسة، وتوزعت أسر كثيرة بين مدن وبلدان مختلفة. وحين نتحدث عن إعادة البناء، فمن السهل أن تذهب العين إلى المدرسة والكتاب والمنهج والامتحان. لكن الطفل يتشكل أيضًا مما يقرؤه ويشاهده ويلعبه، ومن الشخصيات والقصص التي تسكن ذاكرته.
لذلك لا أعتقد أن الحل أن نقول له: أغلق الجهاز وعد إلى المجلة.
الأهم هو ماذا سنضع نحن داخل هذا الجهاز.
وإذا كنا قلقين على علاقة أبنائنا باللغة العربية، فلا ينبغي أن نسأل المدرسة وحدها. فاللغة لا تعيش في كتاب اللغة فقط. تعيش في القصة التي يحبها الطفل، وفي الشخصية التي ينتظرها، وفي المعلومة التي يعثر عليها مصادفة، وفي اللعبة التي يعود إليها، وفي العالم الذي يقضي داخله جزءًا من يومه.
أطفالنا في ذلك العالم بالفعل.
والسؤال الذي يتركه الكتاب أمامنا ليس كيف نعيدهم منه.
متى نذهب نحن إليهم؟


