فريق شرطة حقوقي دكتور الطيب عبدالجليل حسين يكتب البصمة الوراثية بين الحقيقة البيولوجية والحقيقة القانونية (6)

(قراءة نقدية تحليلية في حكم محكمة استئناف المنصورة (مصر) رقم 9829 لسنة 75 بتاريخ 24 مايو 2026م أحوال شخصية)
تناولت المقالات ضمن سلسلتها (5) حجية البصمة الوراثية (DNA) في إثبات النسب، ولا سيما في حالات الاغتصاب، من خلال التمييز بين الحقيقة البيولوجية التي يكشفها الفحص الجيني، والحقيقة القانونية أو الشرعية التي يحددها سبب إنشاء النسب، والآثار المترتبة عليه. وتنطلق من المقارنة بين ثلاثة نماذج: المصري، والإماراتي، والأوروبي والغربي. ويبرز النموذج المصري، من خلال حكم محكمة استئناف المنصورة في قضية طفلة الدقهلية، باعتباره اتجاهاً استثنائياً جمع بين الحكم الجنائي البات بثبوت الاغتصاب، والدليل الجيني المثبت للأبوة البيولوجية، والرأي الشرعي لهيئة كبار العلماء بالأزهر، وانتهى إلى إثبات نسب طفلة الاغتصاب إلى والدها البيولوجي رغم غياب عقد الزواج. أما النموذج الإماراتي فيميز بين الأبوة البيولوجية والنسب الشرعي أو القانوني؛ فلا يجعل الـDNA سبباً منشئاً للنسب بذاته، وإنما يراه دليلاً علمياً قوياً في حدود الأسباب التي يقررها القانون، مع إلحاقه بالقيافة من حيث الوظيفة الاستدلالية. بينما تميل النظم الأوروبية والغربية إلى الاعتداد بالحقيقة البيولوجية وحق الإنسان في معرفة أصله، دون قيام مفهوم الفراش الشرعي بالدور ذاته.
وتخلص المقالة إلى أن قوة الـ DNA العلمية لا تعني بالضرورة وحدة أثره القانوني؛ فالدليل قد يكشف الأبوة البيولوجية بدرجة عالية من القوة، لكن النظام الشرعي أو القانوني هو الذي يحدد ما إذا كانت هذه الحقيقة تنشئ النسب أو تترتب عليها آثاره. ومن ثم فإن المقارنة بين النموذج المصري والإماراتي تكشف أن جوهر الخلاف ليس في حجية العلم، وإنما في الانتقال من الحقيقة البيولوجية إلى الحقيقة القانونية، والحدود التي يرسمها كل نظام لهذا الانتقال، مع بقاء حماية الطفل وهويته ومصلحته الفضلى محوراً مهماً في تطوير نظرية الإثبات المعاصر.
وفي مساحة هذه المقالة، نحاول بحث آثار السوابق القضائية الإماراتية والمصرية في تطور التشريع في الدول التي تتبنى أحكام الشريعة الإسلامية في مسائل النسب، ولا سيما من حيث الاعتراف بالبصمة الوراثية (DNA) وتحديد حدود حجيتها وأثرها في إثبات النسب ونفيه. كما نتناول، في الاتجاه المقابل، أثر التشريعات والمعايير الدولية ذات الصلة بحقوق الطفل والهوية والأصل البيولوجي في تشكيل هذه السوابق القضائية وتطوير تشريعات الأحوال الشخصية للمسلمين، بما يكشف عن التفاعل بين المرجعية الشرعية، والتطور العلمي، والاجتهاد القضائي، والالتزامات القانونية الدولية في إعادة صياغة مفهوم النسب وحجية الدليل الجيني في القانون المعاصر.
(أولاً) تأثر السوابق القضائية بالشريعة والقانون الدولي الخاص في حجية DNA وإثبات النسب:
———————————
تكشف المقارنة بين السابقة الإماراتية والسابقة المصرية في مجال النسب والبصمة الوراثية عن أن الاعتراف بالهندسة الوراثية لم يأتِ بمعزل عن المرجعية الشرعية أو عن البنية القانونية المنظمة للأحوال الشخصية، وإنما نشأ في منطقة تفاعل بين التطور العلمي، وأحكام الشريعة الإسلامية، والاجتهاد القضائي، والتشريع الوضعي، والقواعد ذات الصلة بالعلاقات الخاصة الدولية. ومن ثم، فإن السؤال لا ينحصر في مدى اعتراف القضاء بالـ DNA كوسيلة إثبات، وإنما يمتد إلى تحديد الموقع الذي تشغله الحقيقة الجينية داخل النظام القانوني: (هل تكشف عن حقيقة بيولوجية فحسب؟، أم يمكن أن تكون أساساً لإثبات النسب؟، أم ترتقي في حالات معينة إلى سبب منشئ له؟).
وتظهر المرجعية الإسلامية بوضوح في السابقة الإماراتية؛ إذ لم تتعامل المحكمة العليا الإتحادية الأماراتية مع البصمة الوراثية باعتبارها حقيقة علمية منفصلة عن النظام الفقهي للنسب، وإنما وضعتها داخل البناء الشرعي الذي يميز بين سبب النسب ووسيلة إثباته. فالنسب، في هذا التصور، ليس مجرد علاقة بيولوجية، وإنما مركز شرعي وقانوني تترتب عليه آثار متعددة، ولذلك لا يكفي إثبات أن رجلاً هو الأب البيولوجي للطفل لكي ينشأ النسب القانوني تلقائياً. ويظل البحث منصباً على السبب الذي أنشأ النسب، كالفراش أو الزواج الصحيح أو الوطء بشبهة، ثم تأتي وسائل الإثبات، ومنها الإقرار والبينة والقيافة والفحص الجيني، للكشف عن الحقيقة أو ترجيحها في الحدود التي يسمح بها النظام القانوني.
ومن هذه الزاوية، تبدو السابقة الإماراتية أقرب إلى استيعاب التطور العلمي داخل البنية الفقهية القائمة بدلاً من إعادة بناء مفهوم النسب على أساس بيولوجي محض. فالبصمة الوراثية لا تُرفض بسبب حداثتها، ولا تُقبل باعتبارها سلطة مستقلة عن أحكام النسب، وإنما يُبحث عن موضعها في منظومة الأدلة. وهذا يفسر إمكان النظر إلى الـ DNA، من الناحية الوظيفية، بوصفه امتداداً متطوراً لفكرة القيافة؛ فكلاهما يستهدف الكشف عن الأصل البيولوجي من خلال علامة أو قرينة، مع اختلاف جوهري في طبيعة المعرفة التي تنتجها الأداة الحديثة. غير أن هذا التقارب في الوظيفة الإثباتية لا يحول الـDNA إلى سبب مستقل لإنشاء النسب، ما لم يقرر التشريع أو الاجتهاد القضائي ذلك صراحة.
وفي السياق، طرحت تساؤلات عديده عن القيافة مفهومها ومعناها ودلالاتها، فالقيافة في تحديد النسب: في اصطلاح الفقهاء هي الاستدلال بالعلامات والسمات الظاهرة، ولا سيما الشبه في الخِلقة والهيئة والأعضاء والآثار، على إلحاق شخص بآخر في النسب عند الاشتباه، وقد عُرفت خصوصاً في صورة القائف الذي يتتبع الشبه بين الأشخاص ويستدل به على القرابة. وتتجاوز دلالتها مجرد ملاحظة التشابه؛ فهي تمثل في تاريخ الإثبات نموذجاً مبكراً للاستدلال العلمي القائم على قرينة حسية للوصول إلى واقعة خفية، هي رابطة النسب. ولذلك يمكن النظر إليها، من منظور علم الإثبات المعاصر، بوصفها مرحلة من مراحل الانتقال من العلامة الظاهرة إلى القرينة الاستدلالية، ثم إلى الدليل العلمي الحديث.
ومن هذه الزاوية، فإن العلاقة بين القيافة والبصمة الوراثية ليست علاقة تطابق في الحجية أو الوسيلة، وإنما علاقة تطور في أداة الكشف عن الأصل البيولوجي؛ فالقيافة تستدل على النسب من الشبه الخارجي، بينما تستند البصمة الوراثية إلى الخصائص الجينية. ولهذا يمكن صياغة الدلالة النظرية بأن القيافة أصلٌ استدلالي يقوم على كشف الخفي من خلال العلامة الظاهرة، بينما تمثل البصمة الوراثية تطوراً علمياً لهذا المنهج، إذ انتقلت من الاستدلال بالشبه إلى الكشف المباشر عن الأنماط الجينية ذات الصلة بالقرابة. إلا أن هذا التقارب المنهجي لا يعني أن الـ DNA يأخذ حكم القيافة الفقهي تلقائياً؛ إذ تظل حجية كل منهما وآثارها في إثبات النسب خاضعة للنظام الشرعي والقانوني الذي يحكم الواقعة، وهو تمييز مهم بين الحقيقة البيولوجية والحقيقة القانونية للنسب.
وبناء عليه في ذات السياق، السابقة المصرية تقدم اتجاهاً أكثر تركيباً؛ إذ حافظت على مركزية المرجعية الشرعية، لكنها تعاملت مع حالة استثنائية هي الطفل الناتج عن الاغتصاب. وهنا لا تقتصر وظيفة البصمة الوراثية على تحديد الأب البيولوجي، وإنما تدخل ضمن منظومة متكاملة تضم ثبوت واقعة الاغتصاب قضائياً، والنتيجة الجينية، والاجتهاد الفقهي الذي يحدد الأثر الذي يمكن ترتيبه على هذه الحقيقة. ومن ثم تبدو السابقة المصرية محاولة للتمييز بين حالة الاغتصاب، حيث تكون الأم مجنيّاً عليها والطفل بريئاً من الجريمة، وبين حالة العلاقة الجنسية الرضائية غير المشروعة (الزنا)، دون أن يعني ذلك إلغاء قاعدة (الولد للفراش) أو تحويل الـDNA إلى سبب عام ومستقل لإنشاء النسب.
وتكمن أهمية هذا الاختلاف في أن القضاء المصري، وفق هذا الاتجاه، لم يضع العلم في مواجهة الشريعة، وإنما استخدم التطور العلمي للوصول إلى حقيقة لم تكن وسائل الإثبات التقليدية قادرة على تحديدها بهذه الدرجة من الدقة، ثم بحث في الأساس الشرعي الذي يسمح بترتيب الأثر القانوني عليها. وبذلك تصبح البصمة الوراثية حلقة في سلسلة إثباتية تبدأ بالواقعة الجنائية، وتمر بإثبات الأبوة البيولوجية، وتنتهي بتحديد المركز القانوني للطفل. وهذه البنية تؤكد أن الدليل العلمي لا يعمل في فراغ معياري؛ فالعلم يكشف العلاقة الجينية، بينما تحدد الشريعة والقانون ما إذا كانت هذه العلاقة تنتج نسباً وما الآثار التي تترتب عليه.
وعلى هذا الأساس، فإن السابقة المصرية لا ينبغي قراءتها باعتبارها انتصاراً للحقيقة البيولوجية على الحقيقة الشرعية، كما لا ينبغي قراءة السابقة الإماراتية باعتبارها رفضاً للحقيقة العلمية. فالسابقتان تشتركان في الاعتراف بالقيمة العلمية العالية للهندسة الوراثية، لكنهما تختلفان في المرحلة التي يسمح فيها النظام القانوني بالانتقال من الحقيقة البيولوجية إلى الحقيقة القانونية. ففي السابقة الإماراتية ظل هذا الانتقال مقيداً بقيام السبب الشرعي أو القانوني المنشئ للنسب، بينما فتحت السابقة المصرية، في الحالة الاستثنائية لطفل الاغتصاب، مجالاً لترتيب أثر النسب استناداً إلى اجتماع الدليل الجيني مع ثبوت الجريمة والأساس الفقهي الذي اعتمدته المحكمة.
وتتصل هذه المسألة كذلك بالإقرار بوصفه أحد طرق إثبات النسب. فالإقرار في الفقه والقانون ليس مجرد اعتراف بحقيقة بيولوجية، وإنما تصرف قانوني أو وسيلة إثبات تترتب عليها آثار بحسب شروطها ومحلها. ومن ثم يمكن التمييز بين الإقرار بالأبوة البيولوجية وبين الإقرار بالنسب القانوني؛ فقد يقر شخص بأنه الأب البيولوجي، لكن ترتيب النسب وآثاره يظل خاضعاً للشروط التي يقررها القانون. وفي المقابل، قد تكشف البصمة الوراثية حقيقة بيولوجية لم يقر بها صاحبها، فتثير المسألة ذاتها: هل يكفي الكشف العلمي عن الأبوة لإنتاج المركز القانوني، أم لا بد من سبب قانوني آخر؟ وهذا يبرز مرة أخرى الفرق بين وسائل إثبات الحقيقة وبين الأسباب المنشئة للمركز القانوني.
ولا تقف آثار هذه السوابق عند حدود القضاء، بل يمكن أن تمتد إلى التشريع في الدول التي تستمد أحكام الأحوال الشخصية من الشريعة الإسلامية. فالتطور العلمي يفرض على المشرع إعادة النظر في موقع الأدلة الجينية داخل منظومة الإثبات، بينما تفرض المرجعية الشرعية عدم التعامل مع النتيجة البيولوجية بوصفها مرادفة تلقائياً للنسب. ومن هنا يمكن أن ينشأ اتجاه تشريعي يحدد على نحو أكثر دقة حالات اللجوء إلى الفحص الجيني، وشروطه الفنية، وحجيته في الإثبات والإقرار والنفي، وعلاقته بالفراش واللعان والقيافة، والآثار التي تترتب على ثبوت الأبوة البيولوجية دون توافر سبب النسب التقليدي.
أما القانون الدولي الخاص فتظهر أهميته عندما تتجاوز علاقة النسب الإطار الوطني، كأن يكون أحد أطرافها أجنبياً، أو يكون الزواج قد أبرم في دولة، أو يكون الطفل مولوداً في دولة أخرى، أو تكون هناك أحكام قضائية متعارضة صادرة من دول مختلفة. ففي هذه الحالات لا يثور فقط سؤال: (من هو الأب البيولوجي؟)، وإنما يثور قبله أو بعده سؤال آخر هو: أي قانون يحكم النسب وآثاره؟ وأي قانون يحدد شروط الاعتراف به؟ وأي محكمة تملك الاختصاص، هل الوطنية أم المحكمة الأجنبية؟ وهل يمكن الاعتراف بحكم أجنبي أثبت النسب إذا كان الأساس الذي بني عليه الحكم يتعارض مع النظام العام في دولة الاعتراف؟
وهنا تظهر خصوصية مسائل النسب في القانون الدولي الخاص؛ لأنها من أكثر مسائل الأحوال الشخصية اتصالاً بالنظام العام والهوية القانونية للطفل. فقد تقبل دولة معينة نتيجة الفحص الجيني بوصفها أساساً لإثبات الأبوة، بينما تقيد دولة أخرى أثرها بقيام الزواج أو الفراش أو سبب قانوني آخر. ولا يعني اختلاف القانون الواجب التطبيق اختلاف الحقيقة البيولوجية؛ فالحقيقة الجينية واحدة في ذاتها، لكن الأثر القانوني لهذه الحقيقة قد يتغير بتغير القانون الذي يحكم العلاقة. وهذه هي الصورة الدولية الأكثر وضوحاً للتمييز بين الحقيقة البيولوجية والحقيقة القانونية.
ومن ثم فإن الاعتراف بحكم أجنبي في مسألة النسب لا ينبغي أن يقوم على مجرد صدوره من محكمة أجنبية، وإنما يخضع لقواعد الاختصاص والاعتراف بالأحكام الأجنبية والنظام العام، فضلاً عن مدى توافق النتيجة مع القواعد الآمرة في الدولة المطلوب الاعتراف فيها بالحكم. وفي الدول ذات المرجعية الإسلامية قد يدخل ضمن النظام العام ما يتصل بالقواعد الأساسية للنسب ومصادره وآثاره، الأمر الذي يجعل انتقال الحكم من دولة إلى أخرى أكثر تعقيداً من مجرد الاعتراف بحجية تقرير فني للـ DNA.
وفي هذا السياق، يمكن أن يؤدي القانون الدولي الخاص دوراً مزدوجاً: فهو من جهة يحدد القانون الواجب التطبيق على النسب عندما تتعدد الروابط القانونية للدعوى، ومن جهة أخرى يضع قواعد الاعتراف بالأحكام والمراكز القانونية الأجنبية. ولذلك فإن التطور العلمي في مجال البصمة الوراثية لا يلغي تنازع القوانين، وإنما قد يجعله أكثر دقة؛ إذ يمكن أن تتفق الدول على القيمة العلمية للفحص الجيني، ثم تختلف في الأثر القانوني الذي تمنحه للنتيجة نفسها.
كما أن هذا التطور يتقاطع مع منظومة أوسع من قواعد حماية الطفل والحق في الهوية ومعرفة الأصل، وهي مبادئ ظهرت في الاتفاقيات الدولية المعاصرة وفي الاجتهاد القضائي المقارن. إلا أن هذه المبادئ لا تؤدي بالضرورة إلى توحيد مفهوم النسب بين الأنظمة القانونية؛ وإنما تضغط باتجاه تعزيز حماية الطفل ومنع التمييز وتوفير وسائل فعالة لمعرفة الأصل البيولوجي، مع بقاء كيفية تحويل هذه المعرفة إلى مركز قانوني خاضعة للقانون الوطني وقواعد النظام العام.
ومن هنا يمكن القول إن تأثير الشريعة والقانون الدولي الخاص في السابقة الإماراتية والمصرية يسير في اتجاهين متداخلين: الشريعة تحدد الإطار الموضوعي لمفهوم النسب وأسبابه وآثاره، بينما يحدد القانون الدولي الخاص كيفية التعامل مع النسب عندما تتعدد القوانين والروابط والأحكام القضائية عبر الحدود. أما الـ DNA فيوفر طبقة معرفية جديدة قادرة على كشف الأصل البيولوجي بدرجة غير مسبوقة، لكنه لا يحسم بمفرده المسألة المعيارية المتعلقة بالأثر القانوني لهذه الحقيقة.
وتكشف المقارنة في نهايتها عن تحول مهم في فلسفة الإثبات: (لم يعد السؤال المعاصر هو ما إذا كان القضاء يقبل الهندسة الوراثية أم يرفضها؟، وإنما كيف يدمج المعرفة الجينية داخل النظام الشرعي والقانوني دون الخلط بين الحقيقة العلمية والحقيقة القضائية. فالبصمة الوراثية تستطيع أن تجيب، بدرجة عالية من القوة العلمية، عن سؤال (من الأب البيولوجي؟)، بينما تظل الإجابة عن سؤال (من هو الأب قانوناً أو شرعاً؟) مرتبطة بالسبب المنشئ للنسب وبالقانون الواجب التطبيق وبالنظام العام والآثار التي يرتبها كل نظام).
وبذلك تمثل السابقة الإماراتية والسابقة المصرية مرحلتين مهمتين في تطور العلاقة بين الشريعة والهندسة الوراثية والقضاء: الأولى تؤكد أن الحقيقة الجينية لا تنشئ النسب بذاتها إذا غاب السبب الشرعي أو القانوني المنشئ له، والثانية تكشف إمكانية تطوير استثناء قضائي وفقهي في حالة الاغتصاب المثبت قضائياً حمايةً لهوية الطفل ومصلحته. وبين الاتجاهين تبرز الحاجة إلى تشريع أكثر تحديداً ينظم موقع الـ DNA في منظومة النسب، ويوازن بين حجية الحقيقة العلمية، واستقرار المراكز القانونية، وأحكام الشريعة، ومصلحة الطفل، وقواعد القانون الدولي الخاص.
ومن منظور علم الإثبات المعاصر، فإن القيمة الأعمق لهذه السوابق لا تكمن في ترجيح نموذج على آخر، وإنما في الكشف عن أن إنتاج الحقيقة القضائية أصبح عملية متعددة المستويات: الحقيقة البيولوجية يكشفها العلم، والحقيقة الواقعية تثبتها منظومة الأدلة، والحقيقة الشرعية يحدد إطارها الفقهي، والحقيقة القانونية يقرر أثرها التشريع والقضاء، بينما يتدخل القانون الدولي الخاص لتحديد القانون المختص والحدود التي يمكن أن تعبر فيها هذه الحقيقة من نظام قانوني إلى آخر.
(ثانياً) الـ DNA وإثبات النسب في ضوء اتفاقية الطفل وسيداو:
———————————-
مع مراعاة أن اتفاقية حقوق الطفل Convention on the Rights of the Child واتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة (سيداو) Convention on the Elimination of All Forms of Discrimination against Women –CEDAW ، لا تفرضان بذاتهما نظاماً موحداً لإثبات النسب أو ترتيب آثاره، فإنهما تضعان إطاراً دولياً لحماية الحقوق التي تتصل بهذه المسألة، ولا سيما حق الطفل في الهوية ومعرفة والديه، ومصلحته الفضلى، وعدم التمييز، وحماية الأسرة، وحماية المرأة من آثار العنف والتمييز. ومن ثم، فإن حجية البصمة الوراثية في إثبات النسب لا تظل مسألة تقنية أو إثباتية محضة، وإنما تتقاطع مع منظومة أوسع من الحقوق التي يتعين على التشريع والقضاء الوطني مراعاتها.
وتكتسب البصمة الوراثية (DNA) أهمية خاصة في هذا السياق؛ باعتبارها وسيلة علمية قادرة، بدرجة عالية من الدقة، على الكشف عن العلاقة البيولوجية بين الطفل والرجل المدعى أبوته. ومن ثم، يمكن أن تؤدي دوراً مهماً في حماية حق الطفل في معرفة أصله البيولوجي وهويته الأسرية، وهو ما يتصل بما تقرره المادة (7) من اتفاقية حقوق الطفل من حق الطفل، قدر الإمكان، في معرفة والديه وتلقي رعايتهما، وبما تقرره المادة (8) من حقه في الحفاظ على هويته، بما في ذلك اسمه وصلاته الأسرية.
إلا أن الاعتراف بأهمية الحقيقة البيولوجية لا يعني، بالضرورة، أن ثبوت الأبوة الجينية يؤدي تلقائياً إلى ثبوت النسب القانوني بكل آثاره في جميع النظم القانونية. فالاتفاقية تحمي هوية الطفل وحقوقه، لكنها لا تضع نظاماً تفصيلياً موحداً لأسباب النسب وشروطه وآثاره. ولذلك تظل للدولة مساحة لتنظيم النسب وفق نظامها القانوني، شريطة أن يتم ذلك في إطار احترام الحقوق التي تكفلها الاتفاقية، وألا تتحول ظروف ميلاد الطفل إلى أساس للحرمان أو التمييز.
وتظهر أهمية هذا التمييز بصورة أوضح في حالات الحمل الناتج عن الاغتصاب؛ إذ تتداخل فيها الحقيقة البيولوجية مع حماية الطفل وحماية الأم الضحية. فالطفل لا يتحمل أي مسؤولية عن الجريمة التي أدت إلى وجوده، ومن ثم لا ينبغي أن تتحول واقعة الاغتصاب إلى سبب لانتقاص حقوقه أو وصمه أو حرمانه من الحماية القانونية. وفي الوقت ذاته، ينبغي أن تراعي المعالجة القانونية مركز المرأة بوصفها ضحية لجريمة جنسية، وألا تؤدي آليات إثبات النسب إلى إعادة إنتاج الضرر الواقع عليها أو تحميلها وحدها تبعات الجريمة.
وفي هذا الإطار، تبرز المادة (3) من اتفاقية حقوق الطفل التي تجعل المصلحة الفضلى للطفل اعتباراً أساسياً في الإجراءات والتدابير المتعلقة به، إلى جانب مبدأ عدم التمييز الذي تقرره المادة(2) . وتفرض هذه المبادئ على التشريع والقضاء النظر إلى آثار إثبات النسب أو نفيه من زاوية الحقوق التي تترتب على الطفل، لا من زاوية الحقيقة البيولوجية المجردة وحدها. فالسؤال لا يقف عند حدود: (هل تثبت البصمة الوراثية الأبوة؟ وإنما يمتد إلى: ما الأثر القانوني والحقوقي المترتب على ثبوتها؟).
أما سيداو فتضيف إلى المسألة بُعداً يتعلق بحماية المرأة والمساواة في الحقوق والمسؤوليات الأسرية، ولا سيما في مواجهة الآثار التي قد تترتب على العنف أو التمييز ضد المرأة. وتكتسب هذه الحماية أهمية خاصة في حالات الاغتصاب، حيث قد تتعرض الضحية لضغوط وآثار اجتماعية وقانونية ممتدة بسبب جريمة لم تكن طرفاً مختاراً فيها. ومن ثم، ينبغي ألا يؤدي تنظيم النسب أو استخدام الدليل الجيني إلى تحميل المرأة وحدها الآثار المترتبة على الجريمة، أو إلى تكريس صور من التمييز بسبب حملها أو بسبب ظروف ميلاد الطفل نتيجة الاغتصاب.
وعلى هذا الأساس، فإن العلاقة بين DNA والنسب والاتفاقيات الدولية تقوم على تمييز ضروري بين ثلاث دوائر متداخلة:(الأول) الحقيقة البيولوجية التي يمكن للدليل الجيني أن يكشف عنها، (2) الحقيقة القانونية للنسب التي تحددها قواعد النظام الوطني، (3) الحماية الحقوقية التي تفرض مراعاة مصلحة الطفل وحقه في الهوية وعدم التمييز، إلى جانب حماية المرأة من العنف والتمييز. ولا يلزم من ثبوت الحقيقة البيولوجية، في كل نظام، تطابقها آلياً مع الحقيقة القانونية؛ كما لا يجوز أن يؤدي اختلاف النظام القانوني في تنظيم النسب إلى إهدار الحقوق الأساسية للطفل.
ومن هذه الزاوية، يمكن قراءة السوابق القضائية الإماراتية والمصرية محل المقالات بوصفها تكشف عن صورتين مختلفتين للعلاقة بين الدليل الجيني والنسب القانوني. فالسابقة الإماراتية تبرز حدود الانتقال من ثبوت الأبوة البيولوجية إلى إنشاء النسب القانوني عندما لا تتوافر الرابطة التي يشترطها النظام القانوني للنسب؛ بينما تكشف السابقة المصرية، في نموذج الاغتصاب محل حجاجيات المقالات، عن أهمية الجمع بين الدليل الجيني والحماية الجنائية واعتبارات مصلحة الطفل. ولا تعني هذه المقارنة أن الاتفاقيات الدولية فرضت أياً من النتيجتين، وإنما تكشف عن كيفية تفاعل القضاء الوطني مع الحقيقة البيولوجية في ضوء قواعد النسب الوطنية والالتزامات الحقوقية الدولية.
وبذلك لا تكون اتفاقية حقوق الطفل وسيداو بديلاً عن الشريعة الإسلامية أو القانون الوطني في تحديد أسباب النسب وآثاره، وإنما تمثلان إطاراً حقوقياً يتعين أن يؤخذ في الاعتبار عند بناء القواعد المنظمة لحجية الدليل الجيني وآثار ثبوت الأبوة البيولوجية. ويظل التحدي أمام التشريعات ذات المرجعية الإسلامية هو تحقيق قدر من التوازن بين ثوابت نظام النسب الشرعي، والتطور العلمي في مجال البصمة الوراثية، والالتزامات الدولية المتعلقة بحقوق الطفل والمرأة، دون الخلط بين إثبات الأصل البيولوجي وبين إنشاء المركز القانوني للنسب.
ومن ثم، فإن الإشكالية المعاصرة لا تنحصر في السؤال عما إذا كان DNA قادراً على إثبات الأبوة البيولوجية، وإنما تتجاوز ذلك إلى تحديد الأثر الذي ينبغي أن تمنحه القاعدة القانونية لهذه الحقيقة، في ضوء حق الطفل في الهوية ومعرفة والديه، ومصلحته الفضلى، ومبدأ عدم التمييز، وحقوق المرأة وحمايتها من العنف. وهنا تتجلى القيمة الحقيقية للبصمة الوراثية في علم الإثبات المعاصر: فهي قد تكشف الحقيقة البيولوجية بدرجة لم تكن متاحة لوسائل الإثبات التقليدية، لكن تحويل هذه الحقيقة العلمية إلى أثر قانوني يظل رهناً بالقواعد التي تحكم النسب وبمنظومة الحقوق التي تحيط به. وهو ما يطرح الأثر المحتمل للنموذج المصري على تشريعات الدول المتبنية للشريعة الإسلامية، ونواصل، للحديث بقية.
فريق شرطة (حقوقي)
د. الطيب عبدالجليل حسين محمود
المحامي استشاري القانون والموثق
16 سبتمبر 2026م


