مقالات الرأي

كيفما  د. غالب محمد طه  يكتب ماذا وراء الأبواب المغلقة؟

 

سألت صديقي صباح اليوم عن سعر الريال السعودي مقابل الجنيه.

 

قال: 1850 جنيهًا.

 

ثم أضاف: هل تعلم أنه وصل قبل يومين إلى 2100؟

 

هالني الرقم. ولسنا في حاجة إلى سعر الريال لنعرف أن الحياة أصبحت صعبة في السودان. فالناس تعرف ذلك من السوق، ومن الدواء، ومن مصروف البيت، ومن أشياء كثيرة كانت عادية ثم أصبحت تحتاج إلى حساب.

 

أعادني الرقم إلى حديث دار بالأمس بيني وبين بعض الأصدقاء عن الأسعار وحال الناس. جاء الحديث عن الأسر التي وجدت في تحويلات أبنائها وأقاربها من الخارج سندًا يعينها على شيء من أعباء هذه الأيام.

 

قلت وسط الحديث:

 

لكن ليس لكل أسرة ابن مغترب.

 

انتهى الحديث، وبقيت الجملة.

 

فحين يرتفع سعر الريال، قد ينظر من ينتظر تحويلًا من الخارج إلى الرقم من جهة ما سيحصل عليه بالجنيه. لكن هناك بيتًا آخر لا ينتظر تحويلًا أصلًا. لا يدخل إليه ريال واحد، ومع ذلك يعيش تحت أثر الاقتصاد نفسه والأسعار نفسها.

 

وهذا البيت هو الذي أخذني بعيدًا عن حديث سعر الصرف.

 

في السودان أسر كثيرة ظلت سنوات طويلة مستورة الحال. لم تكن غنية، لكنها كانت تدبر أمرها. دخل يكفي بالكاد، وأولويات ترتب، وأشياء تؤجل إلى الشهر القادم، والحياة تمضي.

 

ثم جاءت الحرب، وفقد كثيرون أعمالهم ومصادر دخلهم، ونزحت أسر، وتبدلت أحوال كانت مستقرة لسنوات. ومع الغلاء أصبحت مساحة التدبير أضيق.

 

بعض الأسر نعرف ما أصابها. نعرف أنها نزحت أو فقدت مصدر دخلها، وربما نعرف من يعولها ومن يساعدها.

 

لكن ماذا عن الأسر التي لا نعرف عنها شيئًا؟

 

هنا تبدو لي كلمة سودانية عادية جدًا أكثر أهمية مما كنت أظن.

 

تسأل عن أهل البيت فيقال لك:

 

«مستورين.. الحمد لله.»

 

ونمضي.

 

فالستر عند السودانيين ليس المال وحده. فيه كرامة، وفيه تعفف، وفيه رغبة قديمة في أن يحتفظ الإنسان بهمومه داخل بيته. ولهذا ربما كانت بعض البيوت مستورة بمعنيين: مستورة الكرامة، ومستورة الحاجة عن أعين الناس.

 

وللدولة ومؤسساتها مسؤوليتها عن أحوال الناس، لكن ليست كل حاجة ظاهرة حتى ننتظر أن تصل أخبارها إلى جهة ما. أحيانًا يعرف القريب والجار والصديق ما لا يعرفه غيرهم، وتصل المساعدة من غير سؤال يحرج، ولا يد تمتد، ولا كرامة تُمس.

 

ولا أدعو إلى اقتحام خصوصيات البيوت، ولا إلى تحويل الناس إلى حالات تنتظر الصدقة. المسألة أبسط من ذلك: ألا تجعلنا عبارة «الحمد لله» مطمئنين دائمًا إلى أن كل شيء بخير.

 

قد يهبط سعر الريال والدولار غدًا، ونتمنى ذلك.

 

لكن هبوط سعر الصرف، إن حدث، لن يعيد في يوم واحد وظيفة فُقدت، أو دخلًا انقطع، أو مدخرات أكلتها سنوات الحرب والغلاء.

 

وقد نعرف غدًا سعر الريال بدقة، بينما نظل لا نعرف ما تخفيه كلمة بسيطة يقولها لنا بعض أقرب الناس:

 

«مستورين.. الحمد لله.»

زر الذهاب إلى الأعلى