فريق شرطة حقوقي دكتور الطيب عبدالجليل حسين يكتب البصمة الوراثية بين الحقيقة البيولوجية والحقيقة القانونية (7)

(أثر السابقة الأماراتية والمصرية على التشريع في الدول المتبنية أحكام الشريعة الإسلامية)
تتناول سلسلة المقالات لهذه المقالة حجية البصمة الوراثية (DNA) في إثبات النسب من خلال التمييز بين الحقيقة البيولوجية التي يكشفها الفحص الجيني، والحقيقة القانونية أو الشرعية التي يحددها سبب إنشاء النسب وآثاره. ومن خلال المقارنة بين السابقة المصرية الخاصة بطفلة الدقهلية، والسابقة الإماراتية، وبعض الاتجاهات القانونية الغربية، يتضح أن وحدة القيمة العلمية للدليل الجيني لا تستلزم بالضرورة وحدة أثره القانوني، وأن اختلاف النظم في تنظيم النسب ينعكس على حدود حجية الـ DNA ووظيفته القانونية.
وتكتسب السابقة المصرية الخاصة بطفلة الدقهلية أهمية خاصة؛ لا باعتبارها إقراراً عاماً بأن الـ DNA ينشئ النسب مستقلاً، وإنما لخصوصية اجتماع ثبوت واقعة الاغتصاب بحكم جنائي، وثبوت الأبوة البيولوجية بالفحص الجيني، والأساس الفقهي الذي استند إليه القضاء في ترتيب أثر النسب رغم غياب عقد الزواج. ومن ثم، تكشف هذه السابقة عن إمكانية توظيف الدليل الجيني داخل منظومة إثباتية متكاملة في حالة استثنائية، دون أن يلزم من ذلك تحويل البصمة الوراثية إلى سبب مستقل وعام لإنشاء النسب.
وفي المقابل، تكشف السابقة الإماراتية عن تمييز أوضح بين الأبوة البيولوجية والنسب الشرعي أو القانوني في حالة ولد الزنا؛ فالبصمة الوراثية تستطيع الكشف عن الحقيقة الجينية وإثبات العلاقة البيولوجية بدرجة علمية عالية، لكنها لا تنشئ بذاتها النسب الشرعي أو القانوني متى تخلف السبب المنشئ له. ومن هذه الزاوية، يمكن النظر إلى الـ DNA بوصفه تطوراً علمياً بالغ الدقة في الوظيفة الاستدلالية التي عُرفت في القيافة، مع بقاء الفارق قائماً بين الوسيلة العلمية الحديثة وبين السبب الشرعي أو القانوني المنشئ للنسب.
وتكشف المقارنة بين النموذجين أن الإشكال الحقيقي لا يتعلق بقبول العلم أو رفضه، وإنما بكيفية الانتقال من الحقيقة البيولوجية إلى الحقيقة القانونية؛ فالعلم يجيب عن سؤال الأبوة البيولوجية، بينما يحدد الفقه والتشريع والقضاء ما إذا كانت هذه الأبوة تنتج نسباً قانونياً أو شرعياً، وما يترتب عليها من آثار. ومن ثم، يلزم التمييز بين سبب النسب ووسيلة إثباته، وبين إثبات الأبوة البيولوجية وثبوت النسب القانوني.
ويمتد هذا التمييز إلى مسائل القانون الدولي الخاص عندما تتعدد الروابط القانونية في واقعة النسب، فتثور مسائل القانون الواجب التطبيق، والاختصاص القضائي، والاعتراف بالأحكام الأجنبية، وحدود النظام العام. فقد تتفق النظم القانونية في القيمة العلمية لنتيجة الفحص الجيني، بينما تختلف في الأثر القانوني الذي ترتبه عليها، وهو ما يؤكد أن وحدة الحقيقة البيولوجية لا تستلزم بالضرورة وحدة الحكم القانوني.
كما تتصل المسألة في سياقاتها بإطار حقوق الإنسان، ولا سيما اتفاقية حقوق الطفل واتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة (CEDAW)، اللتين لا تفرضان نظاماً موحداً للنسب، وإنما تثيران اعتبارات تتعلق بحق الطفل في الهوية ومعرفة والديه، ومصلحته الفضلى، وعدم التمييز، وحماية المرأة من العنف والتمييز. وتزداد أهمية هذه الاعتبارات في حالات الاغتصاب، حيث يكون الطفل غير مسؤول عن الجريمة، وتكون الأم ضحية لها.
ومن ثم، فإن تنظيم النسب في العصر الحديث يتحرك ضمن مستويات مترابطة تبدأ من الحقيقة البيولوجية التي يكشفها العلم، وتمر بـالحقيقة الواقعية التي تثبتها منظومة الأدلة، ثم الحقيقة الشرعية التي يؤطرها الفقه، وتنتهي إلى الحقيقة القانونية التي يرتب التشريع والقضاء آثارها، مع تدخل قواعد القانون الدولي الخاص متى تجاوزت العلاقة حدود النظام الوطني.
وعلى هذا الأساس، لا تتمثل القيمة العلمية والقانونية للسابقتين المصرية والإماراتية في ترجيح إحداهما على الأخرى، وإنما في كشف الحاجة إلى تطوير تنظيم تشريعي وفقهي أكثر دقة للبصمة الوراثية، يحدد مجال استخدامها وحجيتها وآثارها، ويوازن بين التطور العلمي وقواعد النسب الشرعي واستقرار المراكز القانونية وحقوق الطفل وحماية المرأة، مع مراعاة قواعد القانون الدولي الخاص.
وخلاصة ذلك أن الـDNA يستطيع أن يجيب، بقوة علمية عالية، عن سؤال: من هو الأب البيولوجي؟ لكنه لا يجيب وحده عن سؤال: من هو الأب شرعاً أو قانوناً؟ فالفصل بين السؤالين هو الذي يسمح باستيعاب التطور العلمي دون الخلط بين الدليل على الحقيقة البيولوجية والسبب المنشئ للنسب، إذ يظل الانتقال من الأولى إلى الثانية محكوماً بسبب النسب، والقانون الواجب التطبيق، والقواعد الشرعية، والنظام العام، والآثار القانونية المترتبة على ثبوت النسب.
(أولاً) الأثر المحتمل للنموذج المصري على تشريعات الدول المتبنية للشريعة الإسلامية:
——————————-
تكمن الأهمية التشريعية المحتملة للنموذج المصري في أنه يفتح مجالاً لإعادة النظر في العلاقة بين الحقيقة البيولوجية، والنسب الشرعي، والمركز القانوني للطفل في الحالات التي لا يقوم فيها عقد زواج أو فراش معتبر، متى ثبت أن الحمل قد نتج عن اغتصاب، وثبتت الأبوة البيولوجية بدليل علمي موثوق. ولا يعني ذلك أن النموذج المصري قد ألغى قاعدة (الولد للفراش) أو جعل مجرد العلاقة البيولوجية سبباً منشئاً للنسب، وإنما تكمن خصوصيته في إمكان التمييز بين العلاقة الجنسية الرضائية المحرمة والاعتداء الجنسي القسري، وما قد يترتب على هذا التمييز من اختلاف في المعالجة القانونية لمركز الطفل؛ إذ إن الطفل لم يكن طرفاً في الجريمة، ولم يكن له اختيار في سبب وجوده، ولا يجوز أن يتحول فعل الجاني إلى سبب لإهدار حقوقه أو الانتقاص من حمايته القانونية.
ويتصل هذا التصور بمبدأ أصيل في الشريعة الإسلامية، هو عدم مؤاخذة الإنسان بجريرة غيره، وهو أصل قرآني صريح في قوله تعالى: (وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى)، بما يؤكد استقلال مسؤولية الطفل عن فعل والديه، وصيانة كرامته وعدم تحميله تبعة علاقة لم يكن له فيها إرادة ولا اختيار. ومن هذه الزاوية، فإن البحث في المركز القانوني للطفل لا ينبغي أن ينطلق من العقوبة الأخلاقية لفعل الأبوين، وإنما من تحديد الآثار التي يمكن أن تترتب على الحقيقة البيولوجية الثابتة، في إطار يحمي الطفل ويصون حقوقه دون إخلال بالقواعد المنظمة للنسب.
كما يمكن استحضار قوله تعالى: (وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ… ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِندَ اللَّهِ)، سورة الأحزاب، الآيات 4-5)، لا باعتبار الآيتين نصاً مباشراً في إثبات الأبوة الجينية أو حكماً خاصاً بولد الزنا، وإنما باعتبارهما تؤسسان ــ في سياقهما ــ لمبدأ رفض النسب المصطنع وعدم إلحاق الإنسان بغير أبيه على سبيل الادعاء، وردّه إلى أبيه متى كان الأب معلوماً على الوجه الذي يعتد به شرعاً. ومن ثم، فإن الاستفادة من هذا الأصل في النقاش المعاصر لا تعني تحويل النص القرءاني إلى دليل مباشر على إنشاء النسب بالـ DNA، وإنما إبراز قابلية التراث الفقهي للتعامل مع مسألة معرفة الأصل وتمييز الحقيقة عن الادعاء.
وعلى هذا الأساس، تبرز في الفقه الإسلامي أهمية التمييز بين الحقيقة البيولوجية والنسب الشرعي وآثاره؛ فقد تثبت الوسيلة العلمية أن رجلاً معيناً هو الأب البيولوجي للطفل، دون أن يعني ذلك بالضرورة أن جميع الآثار المترتبة على النسب الشرعي تنشأ تلقائياً من هذه الحقيقة. ولذلك فإن مجال الاجتهاد المعاصر لا ينحصر في سؤال: هل تثبت البصمة الوراثية الأبوة البيولوجية؟ فهذا أمر يتعلق بالمعرفة العلمية وحجية الدليل، وإنما يمتد إلى سؤال آخر أكثر دقة: ما الأثر الذي يجوز للتشريع والفقه أن يرتبه على هذه الحقيقة البيولوجية في حالة لا يوجد فيها فراش قائم، ولا سيما إذا كان الحمل قد نتج عن اغتصاب ثابت قضائياً؟
وبذلك يمكن أن تكون الحماية القانونية للطفل أوسع من مجرد إثبات النسب أو نفيه؛ فقد تتعلق بإثبات الهوية والأصل البيولوجي والرعاية والنفقة وسائر الحقوق التي يمكن أن ينظمها المشرع على نحو مستقل، دون افتراض أن ثبوت الأبوة البيولوجية يؤدي بالضرورة إلى ترتيب جميع الآثار الشرعية والمالية للنسب دفعة واحدة. وهنا تتجلى أهمية التمييز بين إثبات الحقيقة البيولوجية وإنشاء المركز القانوني؛ فالأول مجال الدليل العلمي، أما الثاني فهو مجال الفقه والتشريع والقضاء، وفقاً للسبب الذي يعترف به القانون للنسب والآثار التي يرتبها عليه.
ومن هذه الزاوية، يلتقي التطور الفقهي مع التطور الحديث في حقوق الإنسان، اتفاقية حقوق الطفل (Convention on the Rights of the Child – CRC) واتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة (Convention on the Elimination of All Forms of Discrimination against Women – CEDAW). . فهاتان الاتفاقيتان لا تنشئان بذاتهما نظاماً موحداً للنسب، ولا تجعلان البصمة الوراثية سبباً مستقلاً للنسب في جميع الدول، وإنما تؤكدان جملة من المبادئ المتعلقة بحماية الطفل، والمصلحة الفضلى له، والهوية، ومعرفة الوالدين بالقدر الممكن، وعدم التمييز، وحماية المرأة من العنف. وهي مبادئ تتقاطع في جوانب منها مع أصول شرعية سابقة، وإن اختلفت مصادر الإلزام والصياغة القانونية لكل منظومة.
وتظهر أهمية هذا التقاطع بصورة أوضح في حالة الاغتصاب؛ فالمرأة هنا ليست طرفاً في علاقة رضائية محرمة، وإنما ضحية اعتداء قسري، كما أن الطفل الناتج عنه بريء من الفعل الذي أدى إلى ولادته. ومن ثم، فإن حماية الطفل في هذه الحالة يمكن أن تشكل مجالاً لاجتهاد تشريعي وفقهي يميز بين طفل العلاقة المحرمة الرضائية (ولد الزنا) وطفل الاعتداء الجنسي القسري الثابت (ولد الإغتصاب)، دون أن يعني ذلك إنشاء قاعدة عامة لنسب كل مولود خارج الزواج. فمركز الطفل ينبغي أن يبحث مستقلاً عن المسؤولية الجنائية لوالديه، وألا تنتقل إليه الآثار السلبية للجريمة التي لم يرتكبها.
وفي هذا الإطار، تكشف البصمة الوراثية عن الحقيقة البيولوجية، لكنها لا تحسم وحدها الحقيقة القانونية؛ إذ يظل تحديد الأثر الذي تمنحه القاعدة القانونية لهذه الحقيقة مسألة مستقلة. ولذلك يمكن بناء التسلسل على النحو الآتي: الحقيقة البيولوجية ← الدليل الجيني ← ثبوت الأبوة البيولوجية ← التكييف الشرعي والقانوني ← ثبوت النسب عند توافر سببه ← ترتيب الآثار القانونية والمالية. وهذه التفرقة تمنع اختزال النسب في البيولوجيا وحدها، كما تمنع في المقابل تجاهل الحقيقة العلمية الثابتة.
ومن هنا تبرز إمكانية التمييز بين الاعتراف بالأصل والهوية البيولوجية وبين جميع الآثار المترتبة على النسب؛ فالإرث مثلاً له أسبابه وشروطه المستقلة، كما أن الوصية والهبة والنفقة والرعاية والحماية والهوية ليست حكماً واحداً ولا أثراً واحداً. ولذلك يمكن أن يكون السؤال التشريعي المعاصر ليس فقط: هل تثبت الأبوة بالـ DNA؟ وإنما أيضاً: ما الآثار التي ينبغي أن يرتبها القانون على هذه الحقيقة، وبأي أساس شرعي وقانوني؟
وتختلف هذه الإشكالية عن النموذج الإماراتي الذي تناولته المقالات؛ إذ تعلقت الواقعة هناك بعلاقة رضائية مؤثمة (زنا) مع وجود زواج قائم للمرأة من رجل آخر، فتعامل القضاء مع قواعد النسب القائمة ولم يجعل ثبوت الأبوة البيولوجية وحده منشئاً للنسب. أما النموذج المصري، في صورته محل المقالات، فيتعلق بحالة اغتصاب ثابتة، الأمر الذي يغير طبيعة الواقعة ويجعل محور البحث هو حماية الطفل الناتج عن الجريمة ومدى إمكان ترتيب أثر استثنائي على الأبوة البيولوجية الثابتة دون تحويل ذلك إلى قاعدة عامة في حالات الزنا بوجه عام (وخاصة الأم البيولوجية المتزوجة وغير المتزوجة).
وعليه، فإن الأثر المحتمل للنموذج المصري على تشريعات الدول المتبنية للشريعة الإسلامية لا يتمثل بالضرورة في نقل الحكم المصري أو إلغاء قاعدة الفراش، وإنما في فتح مساحة جديدة للاجتهاد التشريعي والقضائي تفرق بين الزنا الرضائي والاغتصاب، وبين الحقيقة البيولوجية والنسب الشرعي، وبين ثبوت النسب وترتيب آثاره المختلفة. وقد تتجه بعض التشريعات إلى معالجة هذه الحالات من خلال إثبات الهوية والأصل والرعاية والحماية، مع إبقاء الآثار المالية خاضعة لقواعدها الشرعية الخاصة بالإرث والميراث والهبة والوصية، بينما قد تتجه تشريعات أخرى إلى بناء حكم خاص لحالات الاغتصاب المثبت.
وبذلك يمكن فهم السابقة المصرية عند نقطة التقاء ثلاثة مسارات: (الأول) الأصول الشرعية في حماية الطفل وصيانة النسب وعدم تحميل الإنسان وزر غيره، (الثاني) التطور الدولي في حماية حقوق الطفل والمرأة والهوية، (الثالث) التطور العلمي في إثبات الأبوة بالـDNA . ولا يعني هذا التطابق بين الشريعة والاتفاقيات الدولية، وإنما يكشف عن مساحة من التقاطع في حماية الإنسان والطفل. ومن ثم فإن القيمة الأعمق للنموذج المصري تتمثل في انتقال النقاش من ثنائية (إثبات النسب أو إنكار الحقيقة البيولوجية) إلى سؤال أكثر دقة: كيف يمكن تحويل الحقيقة البيولوجية الثابتة إلى حماية قانونية للطفل، دون اختزال النسب في البيولوجيا وحدها، ودون تحميل الطفل تبعة الجريمة، ودون إهدار القواعد الشرعية الخاصة بأسباب النسب وآثاره؟
(ثانياً) البصمة الوراثية ونسب ابن الزنا: بين السابقة الإماراتية والنموذج المصري:
———————————-
تثير المقارنة بين السابقة الإماراتية والنموذج المصري سؤالاً معاصراً دقيقاً حول مدى إمكان إثبات نسب ولد الزنا إلى أبيه البيولوجي وأمه البيولوجية غير المتزوجة بواسطة الجين الوراثي (DNA)، ولا سيما في التشريعات التي تستند إلى أحكام الشريعة الإسلامية. ولا يتعلق هذا السؤال بمجرد مدى حجية البصمة الوراثية في الكشف عن الحقيقة البيولوجية، وإنما يتجاوزها إلى مسألة أكثر عمقاً تتمثل في تحديد القيمة القانونية والشرعية لهذه الحقيقة، ومدى إمكان انتقالها من دائرة الإثبات البيولوجي إلى دائرة النسب وآثاره القانونية.
والأصل في هذا التمييز أن البصمة الوراثية، متى استوفيت شروط الفحص العلمي وسلامة العينات وسلسلة الحيازة ودقة المنهج وإمكان التحقق من النتيجة، تستطيع أن تكشف بدرجة عالية من القوة عن العلاقة البيولوجية بين الطفل ووالديه؛ فهي قد تثبت أن امرأة معينة هي الأم البيولوجية للطفل، وأن رجلاً معيناً هو الأب البيولوجي له. ومن ثم فإن ثبوت الأمومة والأبوة البيولوجيتين بالـDNA يمثل حقيقة علمية مستقلة عن الوصف القانوني للعلاقة بين الأبوين. إلا أن ثبوت هذه الحقيقة لا يعني، في ذاته وبصورة آلية، إنشاء النسب الشرعي أو ترتيب جميع آثاره؛ لأن النسب في النظم التي تستند إلى أحكام الشريعة لا يقوم على الحقيقة البيولوجية وحدها، وإنما يرتبط بسبب شرعي أو قانوني معتبر لإنشائه وآثاره.
وتظهر أهمية هذه القاعدة بصفة خاصة عند التمييز بين حالة الأم المتزوجة وحالة الأم غير المتزوجة. ففي حالة وجود الفراش، يدخل الزواج الصحيح أو ما يقوم مقامه في بناء النسب، ولذلك لا تكون النتيجة الجينية وحدها كافية بالضرورة لإزاحة الآثار التي رتبها النظام الشرعي على الفراش. أما في حالة الأم البيولوجية غير المتزوجة، فلا يكون هناك ــ من حيث الأصل ــ أبٌ صاحب فراش ينازع الأب البيولوجي في المركز الأبوي، الأمر الذي يثير مسألة مختلفة وأكثر دقة: فإذا أثبت الـ DNA أن رجلاً معيناً هو الأب البيولوجي للطفل، فهل تظل هذه الحقيقة محصورة في نطاق الكشف البيولوجي، أم يجوز للمشرع أو للاجتهاد الفقهي أن يرتب عليها أثراً في النسب القانوني أو بعض آثاره؟
وهنا تبرز القيمة المقارنة للسابقة الإماراتية؛ إذ تكشف، في الحالة محل حجاجية المقالات، عن اتجاه واضح في الفصل بين الحقيقة البيولوجية والسبب الشرعي المنشئ للنسب. فقد تعامل القضاء الأماراتي مع نتيجة البصمة الوراثية باعتبارها ذات قيمة في تحديد العلاقة البيولوجية، ولكنه لم يجعلها وحدها منشئة للنسب، في ظل عدم قيام الرابطة الشرعية المعتبرة ووجود زواج قائم للأم من رجل آخر. ومن ثم فإن دلالة السابقة الأماراتية لا تكمن في إنكار القيمة العلمية للـ DNA، وإنما في تأكيد أن الحقيقة البيولوجية لا تتحول بالضرورة، بمجرد ثبوتها، إلى نسب شرعي إذا كان النظام القانوني يشترط سبباً آخر لإنشاء النسب.
إلا أن هذه النتيجة ينبغي ألا تُسحب بصورة آلية إلى حالة مختلفة هي حالة ولد الزنا من أم بيولوجية غير متزوجة؛ لأن عنصر الفراش الذي كان حاضراً في الحالة الإماراتية لا يكون قائماً بالصورة ذاتها في هذه الحالة. ولذلك فإن السؤال هنا ينتقل من البحث في تعارض الحقيقة الجينية مع نسب قائم إلى البحث في الأثر الذي يمكن أن يمنحه التشريع للحقيقة البيولوجية عندما لا يوجد أب صاحب فراش ينافس الأب البيولوجي في المركز القانوني.
ومن هذه الزاوية تكتسب الحالة المصرية محل البحث أهمية خاصة؛ فهي تكشف عن إمكانية الاتجاه إلى معالجة قانونية أكثر ارتباطاً بالحقيقة البيولوجية في ظروف استثنائية، ولا سيما عندما تكون الأم غير متزوجة، وتثبت الأبوة البيولوجية بدرجة علمية قوية، وتقترن الواقعة بعناصر أخرى ذات دلالة، كما في حالات الاغتصاب الثابت قضائياً. ولا ينبغي مع ذلك أن يُفهم النموذج المصري على أنه يقرر قاعدة عامة، مؤداها، أن كل ولد زنا يثبت نسبه إلى أبيه الجيني بمجرد إجراء فحص DNA؛ وإنما تكمن أهميته المقارنة في أنه يفتح مجالاً للتساؤل حول إمكان منح الحقيقة البيولوجية أثراً قانونياً في حالات لا يوجد فيها فراش قائم، وبما يحقق حماية الطفل ويمنع أن يتحول وصف الجريمة التي ارتكبها الأبوان إلى سبب لإهدار حقوق الطفل ومركزه القانوني.
وبذلك تكشف المقارنة الإماراتية–المصرية عن أن المسألة لا تدور حول سؤال ثنائي من قبيل: (هل الـ DNA يثبت النسب أم لا يثبته؟)، وإنما عن سلسلة قانونية أكثر تركيباً تبدأ من الحقيقة البيولوجية ثم تنتقل إلى الحقيقة القانونية أو الشرعية، ثم إلى الآثار التي يمكن ترتيبها على هذه الحقيقة. فقد يثبت العلم أن الرجل أب بيولوجي للطفل، ولكن يبقى السؤال القانوني: هل تعتبر هذه الأبوة سبباً منشئاً للنسب؟ وإذا لم تكن كذلك، فهل يمكن ترتيب بعض الآثار القانونية عليها، كالهوية، والرعاية، والنفقة، والاسم، أو غيرها من ميراث وهبه ووصية لولد الزنا، دون أن يعني ذلك بالضرورة مساواتها بجميع آثار النسب الشرعي، ولا سيما الإرث؟
ومن هنا ينبغي أيضاً التمييز بين إثبات الأب البيولوجي والأم البيولوجية وبين ترتيب آثار النسب. فالأمومة البيولوجية يمكن أن تكشف عنها البصمة الوراثية كما تكشف الأبوة البيولوجية، إلا أن ثبوت أن امرأة معينة هي الأم البيولوجية لا يحسم وحده جميع المسائل القانونية المتصلة بالحضانة أو الولاية أو الاسم أو غيرها؛ كما أن ثبوت الأبوة البيولوجية لا يؤدي بالضرورة إلى ترتيب جميع آثار النسب دفعة واحدة. ومن ثم، يمكن أن تتعدد الآثار القانونية للحقيقة البيولوجية، بحيث يحدد المشرع لكل أثر سببه وشروطه ونطاقه، بدلاً من افتراض أن إثبات الأصل البيولوجي يؤدي تلقائياً إلى جميع النتائج القانونية المترتبة على النسب.
ويكتسب هذا التصور بعداً حقوقياً معاصراً في ضوء اتفاقية حقوق الطفل واتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة (CEDAW) . فهذه الاتفاقيات لا تقرر بذاتها أن نتيجة DNA تنشئ النسب، ولا تفرض على الدول نظاماً موحداً للأبوة أو البنوة، لكنها تؤكد مبادئ حماية الطفل وهويته ومصلحته الفضلى وعدم التمييز، كما تؤكد حماية المرأة من العنف والتمييز. ولذلك يمكن الاستفادة من هذه المبادئ باعتبارها إطاراً حقوقياً في تقييم الآثار القانونية التي يمكن أن تترتب على ثبوت الحقيقة البيولوجية، دون القول بأن القانون الدولي قد ألغى القواعد الوطنية أو الأحكام الشرعية الخاصة بالنسب.
وفي السياق الإسلامي، يمكن الاستفادة من قوله تعالى: (وَادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِندَ اللَّهِ)، سورة الأحزاب، الآية 5) باعتباره أصلاً في رفض النسب المصطنع ورد الإنسان إلى أصله وعدم إلحاقه بغير أبيه على سبيل التبني أو الادعاء، مع ضرورة التنبيه إلى أن الآية لا تتناول بصورة مباشرة مسألة ولد الزنا أو البصمة الوراثية، فلا يصح جعلها دليلاً مباشراً على إنشاء النسب بالـ DNA . كما أن قوله تعالى: (وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ يؤسس لمبدأ جوهري، مؤداه، أن الطفل لا يتحمل تبعة فعل والديه، وأن البحث في مركزه القانوني ينبغي أن ينطلق من حمايته وعدم تحميله وزر العلاقة التي نشأ عنها ميلاده.
ومن ثم فإن موضع الاجتهاد المعاصر لا ينبغي أن يكون في إنكار الحقيقة العلمية التي يكشفها الـ DNA، متى ثبتت وفق الأصول العلمية، وإنما في تحديد الأثر الشرعي والقانوني الذي يمكن أن تمنحه القاعدة لهذه الحقيقة. فإذا كانت الأم البيولوجية غير متزوجة، وكان الأب البيولوجي معلوماً بثبوت جيني قوي، فإن السؤال الفقهي والتشريعي يصبح: هل يمكن اعتبار هذه الأبوة البيولوجية أساساً لإلحاق النسب الأبوي، أم يظل النسب منفصلاً عنها؟ وإذا لم يُعتبر الـ DNA منشئاً للنسب في ذاته، فهل يمكن أن تترتب على الحقيقة البيولوجية بعض الآثار القانونية المستقلة التي تحقق مصلحة الطفل وتحمي هويته وحقوقه، دون أن تمتد بالضرورة إلى جميع آثار النسب الشرعي من إرث وخلافه؟
وهذه الأسئلة تجعل الحالة محل البحث مختلفة عن حالة الأم المتزوجة؛ ففي حالة الأم غير المتزوجة لا يثور بذات القوة تعارض بين الأب البيولوجي وأب الفراش، ولذلك يمكن أن تكون المسألة أوسع مجالاً للاجتهاد الفقهي والتشريع الوطني. أما في حالة الأم المتزوجة، فإن وجود الفراش يضيف سبباً شرعياً مستقلاً للنسب، ويجعل العلاقة بين الحقيقة الجينية والنسب القانوني أكثر تعقيداً، كما تكشف عنه السابقة الإماراتية. ولذلك لا يصح تعميم النتيجة المستخلصة من حالة الفراش على حالة الأم غير المتزوجة دون فحص اختلاف السبب والظروف والآثار.
وعليه، فإن المقارنة بين السابقة الإماراتية والنموذج المصري لا تنتهي إلى تقرير قاعدة عامة قاطعة بأن ولد الزنا ينسب إلى أبيه البيولوجي بالـ DNA، كما لا تقتضي القول باستحالة ذلك على سبيل القطع؛ وإنما تكشف عن مساحة تشريعية وفقهية قابلة للاجتهاد، تختلف باختلاف وجود الفراش أو انتفائه، وطبيعة الواقعة، ودرجة ثبوت الأبوة البيولوجية، والمصلحة التي يراد حمايتها، والآثار المراد ترتيبها على ثبوت الأصل البيولوجي.
ومن ثم يمكن بناء المسألة على التسلسل الآتي:(الـ DNA يثبت الحقيقة البيولوجية → الحقيقة البيولوجية تكشف الأب والأم البيولوجيين → التحقق من وجود سبب شرعي أو قانوني للنسب → تحديد ما إذا كانت الأبوة البيولوجية تُنشئ النسب أو يقتصر أثرها على إثبات الأصل → تحديد الآثار القانونية المترتبة على المركز الذي يقرره القانون).
وبذلك فإن النتيجة الأكثر دقة هي أن الجين الوراثي قد يحسم الحقيقة البيولوجية، ولكنه لا يحسم وحده الحكم القانوني أو الشرعي. فإذا كانت الأم غير متزوجة وثبت أن رجلاً معيناً هو الأب البيولوجي، فإن ثبوت هذه الحقيقة لا ينبغي أن يُهدر أو يُنكر لمجرد أن وصف العلاقة بين الأبوين هو الزنا؛ وفي الوقت نفسه لا ينبغي أن يُقال إن الـ DNA أنشأ النسب تلقائياً، لأن إنشاء النسب وآثاره مسألة تتوقف على القاعدة الشرعية أو التشريعية التي يقررها النظام القانوني.
وعليه، فإن إثبات نسب ولد الزنا إلى أبيه البيولوجي وأمه البيولوجية غير المتزوجة يمكن أن يكون محلاً لاجتهاد فقهي وتشريع وطني يوازن بين حجية الحقيقة البيولوجية، وأصول النسب في الشريعة، ومصلحة الطفل، وحمايته من آثار فعل لم يكن له فيه اختيار. وقد يتجه التشريع إلى إلحاق النسب في حدود معينة، أو إلى ترتيب بعض الآثار القانونية على الأبوة البيولوجية دون مساواتها بجميع آثار النسب، أو إلى تنظيم المسألة بصورة تفصيلية تميز بين الهوية والرعاية والنفقة والاسم والميراث وسائر الآثار. وهذه الخيارات لا يحسمها العلم الجيني وحده، وإنما تتحدد من خلال التفاعل بين الدليل العلمي والقاعدة الشرعية والتشريع والمصلحة الفضلى للطفل.
وهنا تتجسد بصورة واضحة فلسفة علم الإثبات المعاصر؛ فالدليل الجيني لا يعمل باعتباره حكماً قانونياً، وإنما باعتباره أداة علمية لإنتاج المعرفة المتعلقة بالواقعة. فهو ينقلنا من الواقعة إلى الحقيقة البيولوجية .


