فريق شرطة حقوقي دكتور الطيب عبدالجليل حسين يكتب البصمة الوراثية وإثبات نسب الطفل الناتج عن جريمة اغتصاب:(قراءة في الحالة السودانية على ضوء النموذج المصري (قضية فتاة الدقهلية) والنموذج الإماراتي (جريمة الزنا) والاتفاقيات الدولية ذات الصلة(2)

تقدم حالة فتاة مدينة الثورات – أم درمان نموذجاً سودانياً تتقاطع فيه الحقيقة البيولوجية مع الحقيقة القانونية في مسألة إثبات النسب بالبصمة الوراثية، وتبدو، من حيث بنيتها الواقعية، أقرب إلى النموذج المصري المتمثل في قضية (فتاة الدقهلية – المنصورة) في مصر، مع اختلاف جوهري في المرحلة الإجرائية التي توجد فيها كل حالة. ففي حين ارتبط النموذج المصري بواقعة اغتصاب انتهت إلى ثبوت الأبوة البيولوجية بالفحص الجيني وصدور أحكام قضائية بشأنها، لا تزال الحالة السودانية في مراحلها الأولية أمام الشرطة والنيابة العامة والمحكمة، حيث تدور حول واقعة واحدة اتخذت وصفين قانونيين مختلفين: (الاغتصاب والزنا الرضائي)؛ الأمر الذي يجعلها مجالاً مهماً لتناول كيفية انتقال الواقعة من الادعاء إلى التحقيق، ومن التحقيق إلى الدليل العلمي، ومن الدليل البيولوجي إلى الأثر القانوني.
وتكتسب الحالة السودانية أهميتها من أن المسألة لا تقف عند حدود إجراء فحص الـ DNA لإثبات الأبوة البيولوجية للطفل المولود، وإنما تثير، في الوقت ذاته، جملة من الأسئلة القانونية والإجرائية والموضوعية المتصلة بتحريك الدعوى الجنائية، وتحديد الوصف القانوني للواقعة، وسلامة إجراءات التحري والتحقيق، وحجية الدليل الجيني، ومدى إمكان ترتيب أثر قانوني على النتيجة البيولوجية التي يكشف عنها الفحص.
ومن هذه الزاوية، لا يكون السؤال المركزي هو ما إذا كان الفحص الجيني قادراً على كشف الأب البيولوجي فحسب؛ فهذه مسألة تدخل في نطاق الحقيقة العلمية التي يستطيع الاختبار الجيني الوصول إليها، وإنما يمتد السؤال إلى ما بعد ذلك: (ماذا تفعل المنظومة القانونية بهذه الحقيقة؟ وهل تظل النتيجة الجينية مجرد إثبات للحقيقة البيولوجية؟، أم يمكن أن تصبح، في ظل الوقائع الثابتة والإطار التشريعي والفقهي الحاكم، أساساً لترتيب آثار قانونية تتعلق بالنسب والهوية والرعاية والنفقة وغيرها؟).
وهنا يظهر بوضوح التمييز الذي تقوم عليه هذه السلسلة للمقالات بين الحقيقة البيولوجية والحقيقة القانونية؛ فالأولى تتعلق بما إذا كان الطفل يرتبط جينياً برجل أو امرأة بعينهما، بينما تتعلق الثانية بالشروط التي يضعها القانون أو الفقه لترتيب الأثر القانوني على هذه العلاقة البيولوجية. ولذلك فإن إثبات الأبوة البيولوجية لا يعني بالضرورة، وبمجرده، إثبات النسب القانوني، كما أن عدم ترتيب النسب القانوني في نظام معين لا يمحو الحقيقة البيولوجية التي كشف عنها الدليل العلمي.
وتتضاعف أهمية هذا التمييز في الحالة السودانية، لأن الفحص الجيني للطفل لا يأتي في فراغ إجرائي، وإنما يأتي ضمن واقعة يُدعى أنها بدأت باعتداء جنسي (إغتصاب)، ثم اتخذت أثناء مراحل التحري مساراً قانونياً مختلفاً (زنا رضائي)، الأمر الذي يجعل سلامة التكييف الجنائي (الشرطة، النيابة العامة، القضاء) ومسار الدعوى وحفظ الأدلة الأصلية جزءاً من منظومة إثبات الحقيقة ذاتها. فقبل السؤال عن الأثر القانوني لنتيجة الـ DNA، يثور السؤال السابق منطقياً: (ما الواقعة التي يجري التحقيق فيها؟ وما وصفها القانوني الصحيح؟ وما الأدلة التي تكشف عناصرها؟ وكيف ينبغي أن تتكامل النتيجة الجينية مع أقوال المجني عليها (إغتصاب أو زنا رضائي)، والقرائن المادية، والتقارير الطبية، والزمان والمكان وسائر عناصر الإثبات؟).
ومن ثم، فإن هذه الحالة تتيح اختباراً عملياً لمنهج علم الإثبات المعاصر الذي لا ينظر إلى الدليل العلمي باعتباره عنصراً منفصلاً عن بقية الأدلة، وإنما باعتباره حلقة داخل سلسلة تبدأ من الواقعة، ثم الملاحظة، فالمعلومة، فالقرينة، فالفرضية، ثم التحقيق وإنتاج الدليل، وصولاً إلى تكامل الأدلة وبناء الحقيقة القضائية. وفي هذا السياق، تمثل البصمة الوراثية أداة علمية متقدمة لكشف جانب محدد من الحقيقة البيولوجية، بينما يظل تحديد الوصف الجنائي للواقعة وترتيب آثار النسب مسألتين قانونيتين تحتاجان إلى أدلة وقواعد مستقلة.
كما تكشف الحالة عن بُعد آخر لا يقل أهمية، يتعلق بالمركز القانوني للطفل الناتج عن الواقعة. فالطفل ليس طرفاً في الفعل الذي أدى إلى ولادته، ولا ينبغي أن يتحول الجدل حول العلاقة الجنسية بين البالغين إلى وسيلة لتحميله آثاراً سلبية لم يكن طرفاً فيها. ومن هنا يصبح البحث في الأبوة البيولوجية جزءاً من بحث أوسع في حماية هوية الطفل ومصلحته الفضلى، مع التمييز بين ثبوت الأصل البيولوجي وبين الآثار الشرعية والقانونية المختلفة التي قد تترتب عليه.
وعليه، فإن الحالة السودانية لا تقدم مجرد واقعة جديدة لاختبار حجية الـ DNA، وإنما تقدم مختبراً قانونياً وواقعياً لدراسة العلاقة بين الدليل العلمي والتكييف الجنائي والنسب والحماية القانونية للطفل. وهي، في الوقت ذاته، تسمح بمقارنة أكثر دقة مع النموذجين المصري والإماراتي: فالنموذج المصري يثير مسألة الأثر الذي يمكن أن يترتب على ثبوت الأبوة البيولوجية في سياق واقعة اغتصاب ثابتة، بينما يكشف النموذج الإماراتي بوضوح أكبر عن الفاصل بين الحقيقة البيولوجية والحقيقة القانونية أو الشرعية عندما لا يتحقق السبب المنشئ للنسب؛ أما الحالة السودانية فتقف في مرحلة سابقة على هذه النتيجة، حيث لا يزال السؤال مطروحاً حول كيفية بناء الحقيقة ابتداءً؟، ثم كيفية تحويل الحقيقة العلمية إلى حقيقة قضائية؟، وأخيراً ما الأثر القانوني الذي يمكن أن يرتبه القانون عليها؟.
ومن هنا تنطلق حجاجية المقالة في هذه الحالة من ثلاث دوائر مترابطة: (الأولى) دائرة الحقيقة الواقعية والتكييف الجنائي، (الثاني) دائرة الحقيقة البيولوجية التي يكشف عنها الفحص الجيني، (الثالث) دائرة الحقيقة القانونية وما يمكن أن يرتبه القانون على النتيجة العلمية. وبين هذه الدوائر تتحدد قيمة البصمة الوراثية؛ فهي لا تنشئ الواقعة، ولا تعيد تعريف الجريمة، ولا تنشئ النسب بذاتها، وإنما تكشف، في حدود مجالها العلمي، حقيقة بيولوجية يمكن أن تدخل في منظومة أوسع من الأدلة والآثار القانونية.
وبذلك تصبح حالة فتاة مدينة الثورات – أم درمان امتداداً عملياً للسؤال المركزي في هذه السلسلة:(متى تتحول الحقيقة البيولوجية التي يكشفها الجين الوراثي إلى حقيقة قضائية؟ ومتى تكون هذه الحقيقة القضائية قابلة لأن تنتج أثراً قانونياً في النسب، دون أن تختلط حجية الدليل العلمي بشروط إنشاء المركز القانوني؟).
وللإجابة عن هذه التساؤلات، نتناول الحالة محل المقالة، بوصفها النموذج السوداني، من خلال عدد من المحاور المترابطة، التي تتناول في فقرات متتابعة جوانبها الواقعية والإجرائية والموضوعية، وصولاً إلى بحث حجية الدليل الجيني ومدى أثره في إثبات الأبوة البيولوجية وما يمكن أن يترتب عليها من آثار قانونية.
وتوضيحاً للعديد من الاستفسارات والتساؤلات التي أثارتها سلسلة المقالات (1- 8) حول البصمة الوراثية وإثبات نسب المولود، فإن واقعة قضية فتاة الثورات – الحارة (X)، التي أتولى فيها الترافع عن الفتاة الضحية، قد طرحت أمامي بصورة عملية، منذ نشأتها في عام 2022م، مسألة الإثبات الجيني لنسب المولود، وأثارت في ذهني هذه المسألة بوصفها إشكالية علمية وقانونية تستحق البحث والتأمل، وشكّلت الدافع إلى هذه المحاولة المتصلة للإسهام في تصحيح مسارات التشريع والقانون والقضاء في هذا المجال.
كما كشفت هذه الواقعة عن إشكالية أخرى تتصل بالفهم الفني والعلمي لفحص البصمة الوراثية (DNA)، ولا سيما التصور القائل بإمكان التعامل مع نتيجة الفحص على نحو يخالف مدلولها العلمي، خصوصاً في القضايا والوقائع ذات الصلة بالأفعال أو العلاقات الجنسية الواقعة خارج الإطار القانوني أو الشرعي، بدعوى الستر أو الوقاية أو حماية الأسرة، سواء أظهرت النتيجة تطابقاً جينياً مع أحد الأبوين البيولوجيين أو عدم تطابقه. ومن هنا تبرز ضرورة التمييز بين الحقيقة العلمية التي يكشف عنها الفحص الجيني وبين الآثار القانونية أو الشرعية التي قد تترتب عليها؛ إذ إن اعتبارات الستر أو حماية الأسرة لا ينبغي أن تؤدي إلى تغيير مدلول النتيجة العلمية أو تحريف دلالتها، وإنما ينصرف البحث إلى تقدير حجيتها وحدود آثارها القانونية والشرعية وفقاً للقانون وقواعد الإثبات، وبما يراعي في الوقت ذاته حماية الأسرة ومصلحة الطفل.
(أولاً) التكييف الجنائي والموجِه الأمني وحجية الدليل الجيني في بناء الحقيقة القضائية:
——————————–
تثير الواقعة محل البحث مسألة جوهرية تتصل بالعلاقة بين الحقيقة الواقعية والتكييف القانوني والمسار الإجرائي للدعوى الجنائية؛ ذلك أن الواقعة الواحدة لا ينبغي أن تتحول، من غير أساس قانوني وإجرائي واضح، إلى حقيقتين إجرائيتين متباينتين، إحداهما اغتصاب والأخرى زنا رضائي.
فبحسب قيود الشرطة والنيابة والمستندات والأقوال محل البحث، بدأت الحالة السودانية بشكوى قُيدت بوصفها واقعة اغتصاب، تحت رقم واستمارة جنائية محددين، ثم جرى، أثناء مرحلة التحري، تحويلها إلى بلاغ زنا رضائي برقم واستمارات مختلفة، وأُحيلت الدعوى إلى المحكمة على هذا الأساس. ثم أُعيدت الأوراق إلى النيابة بناءً على طلب مقدم من محامي الشاكية، بعد أن كشف أمر الإحالة بالتهمة الصادر من النيابة عن تعامل إجرائي مع الواقعة من زاويتين متغايرتين: وصف الاغتصاب بالنسبة إلى الشاكية، ووصف الزنا الرضائي بالنسبة إلى المتهم الثاني، وهي الشاكية نفسها. واستجابت المحكمة لطلب المحامي بإعادة الأوراق إلى النيابة، لتعود الواقعة إلى مرحلة التحقيق، حيث تقدم المحامي أمام النيابة العامة بطلب إجراء فحص البصمة الوراثية (DNA) للأم والطفل والرجل المشتبه في أبوته، وقد تم قيد طلب الفحص لدى إدارة الأدلة الجنائية، ولا يزال الإجراء في مرحلة الفحص.
ويكشف هذا التسلسل الإجرائي عن إشكالية تتجاوز مجرد تغيير الوصف القانوني؛ إذ تثير مسألة وحدة الواقعة وتعدد أوصافها، وسلامة انتقالها من وصف جنائي إلى آخر، ومدى احتفاظ الدعوى بعناصر الشكوى الأصلية وأدلتها ومحاضرها وأقوال أطرافها، وقابليتها لإعادة الفحص والتحقق القضائي في ضوء ما قد يستجد من أدلة. وتكتسب هذه المسألة أهمية خاصة في الحالة محل البحث والنقاش، لأن العودة إلى مرحلة التحقيق قد فتحت المجال أمام طلب إجراء الفحص الجيني للأم والطفل والرجل المشتبه في أبوته، بما يجعل الدليل العلمي جزءاً من إعادة بناء الواقعة، لا مجرد وسيلة لاحقة لإثبات النسب.
ومن هنا تتصل الإشكالية الإجرائية مباشرة بموضوع الحالة السودانية قيد النظر والنقاش؛ فإذا كان فحص DNA قادراً على كشف الحقيقة البيولوجية المتعلقة بأبوة الطفل، فإن ذلك لا ينهي المسألة، بل ينقلها إلى مستوى آخر من البحث: (كيف تُدمج الحقيقة العلمية التي يكشفها الدليل الجيني في منظومة الإثبات الجنائي؟ وما حدود حجيتها في إعادة بناء الواقعة؟ ومتى يمكن أن تنتقل من مجرد إثبات الأبوة البيولوجية إلى إنتاج أثر قانوني في النسب؟). وبذلك يظل التمييز قائماً بين ثبوت الحقيقة البيولوجية من جهة، وبين إنشاء المركز القانوني للنسب وآثاره من جهة أخرى؛ إذ لا ينبغي أن تختلط حجية الدليل العلمي في الكشف عن الأصل البيولوجي بالشروط القانونية أو الشرعية اللازمة لترتيب آثار النسب.
ولا تنحصر المسألة، من ثم، في مجرد اختلاف في التكييف القانوني من النيابة العامة، وإنما تمتد إلى سلامة المسار الذي انتقلت به الواقعة من وصف إلى آخر، ومدى بقاء عناصر الشكوى الأصلية ومحاضرها وأقوال أطرافها وأدلتها محفوظة وقابلة للفحص القضائي. فالتكييف الجنائي ينبغي أن يكون نتيجة لما يكشفه التحقيق من وقائع وأدلة، لا إطاراً سابقاً يُفرض على التحقيق ثم يعاد بناء الوقائع لتتوافق معه.
(1) التكييف الجنائي لواقعة الاغتصاب إلى زنا رضائي:
——————————–
الأصل أن الواقعة المادية تسبق التكييف القانوني؛ إذ ينصب التحقيق، في مرحلته الأولى، على التحقق مما وقع فعلاً وجمع الأدلة المتعلقة به، ثم يأتي التكييف القانوني لتحديد الوصف الجنائي الذي تنطبق عناصره على الوقائع الثابتة. ومن ثم، فإن تغيير الوصف القانوني للواقعة أثناء التحقيق، من الاغتصاب إلى الزنا الرضائي مثلاً، لا يكون في ذاته أمراً غير مشروع متى استند إلى ما تكشف عنه التحقيقات والأدلة، وتم في إطار السلطة القانونية المختصة.
إلا أن التغيير الجوهري في الوصف القانوني يكتسب أهمية خاصة عندما يترتب عليه الانتقال من مركز قانوني إلى آخر، كأن تتحول الشاكية من مركز المجني عليها إلى مركز المتهمة، أو أن يؤدي التغيير إلى استبعاد عناصر واقعة جنائية خطيرة واستبدالها بعناصر جريمة أخرى تختلف عنها في طبيعتها وآثارها. ففي مثل هذه الحالة، لا يكفي مجرد تغيير رقم البلاغ أو الاستمارة أو الوصف المثبت في الأوراق، وإنما يقتضي الأمر فحص مصدر التغيير وأسبابه والأساس القانوني الذي استند إليه، ومداه، ومدى اتساقه مع الوقائع والأدلة القائمة، وما قد يترتب عليه من آثار في حقوق أطراف الدعوى وسلامة إجراءات التحقيق.
وعليه، فإن السؤال المنهجي لا ينبغي أن يكون فقط: (ما هو الوصف الذي انتهت إليه الأوراق؟ وإنما: ما الواقعة التي جرى التحقيق فيها أصلاً؟، وما الذي كشفه التحقيق عنها؟، وكيف انتقل التكييف من وصف إلى آخر؟). وبذلك يظل التكييف تابعاً للوقائع الثابتة، لا وسيلة لإعادة تشكيلها.
(2) الأمر الموجه الأمني الإداري:
——————————–
قد تملك السلطات المختصة، في ظروف الاضطراب والحرب والنزاعات الاجتماعية، اعتبارات تتعلق بالأمن العام وحماية الضحايا والشهود ومنع الانتقام أو الوصم الاجتماعي أو إثارة التوتر الاجتماعي. وقد تضع الدولة، في هذا السياق، موجهات لتنظيم التعامل الإعلامي أو الإداري مع بعض الجرائم الخطيرة الماسة بأمن المجتمع. وهذه الاعتبارات يمكن أن تكون مشروعة من حيث الغاية، متى استندت إلى القانون واحترمت الحقوق والحريات الأساسية.
إلا أن إدارة أمن الجريمة شيء، والوصف القانوني للواقعة شيء آخر. فإذا وجدت موجهات عامة تقضي بعدم تسجيل بعض الوقائع الجنسية تحت وصفها القانوني الموضوعي، أو بإدراجها ابتداءً في وصف آخر لدواعٍ أمنية أو اجتماعية، فإن هذه الموجهات تصبح بحاجة إلى فحص دقيق من حيث مصدرها القانوني، وطبيعتها، ونطاق تطبيقها، وآثارها على حقوق الضحايا والمتهمين وسلامة التحقيق. وتزداد أهمية هذا الفحص في الوقائع التي يكون أطرافها من صغار السن أو ممن لم يكتمل بلوغهم السن القانونية للمسؤولية الجنائية؛ إذ لا يستقيم تحديد الوصف أو ترتيب المسؤولية الجنائية بمعزل عن سن كل مشتبه فيه وقت وقوع الفعل، ومدى بلوغه السن المعتبرة قانوناً لتحمل المسؤولية الجنائية، وما يترتب على ذلك من أحكام خاصة تتعلق بالمساءلة والإجراءات والحماية.
ومن ثم، فإن الاعتبار الأمني أو الاجتماعي، مهما كانت دواعيه، لا ينبغي أن يحجب التحقق أولاً من السن القانونية، وصفة كل طرف في الواقعة، والعناصر المكونة للجريمة، والقواعد الخاصة بالأحداث؛ لأن هذه المسائل قد تؤثر بصورة مباشرة في التكييف الجنائي وفي نطاق المسؤولية، ولا يجوز أن تُحسم ابتداءً بموجب وصف إداري أو أمني لا يستند إلى أساس قانوني واضح.
فالقاعدة التي ينبغي التمسك بها هي أن إدارة أمن الجريمة لا تعني إعادة توصيف الجريمة. ويجوز للسلطة المختصة أن تنظم طريقة التعامل مع الواقعة حمايةً للأمن الاجتماعي، لكنها لا تملك، بمجرد توجيه إداري أو أمني، أن تستبدل الوصف الذي تفرضه عناصر الجريمة بوصف آخر لا يتفق معها. وبعبارة أكثر دقة: يجوز أن تنظّم السلطة طريقة التعامل مع الجريمة، ولا يجوز أن تعيد تعريف الجريمة خارج القانون.
(3) سلطة النيابة الجنائية العامة:
——————————–
تزداد أهمية هذه المسألة، ولا سيما فيما يتعلق بالموجه الأمني الذي قد يقيد تدوين بعض وقائع الاغتصاب أو يعيد إدراجها ابتداءً تحت وصف الزنا الرضائي، عندما تتصل الواقعة بجرائم جسيمة كالاغتصاب أو النهب أو القتل الجماعي، أو بأفعال قد تدخل، متى توافرت عناصرها القانونية، في نطاق الجرائم الدولية الخطيرة. ولا شك أن للدولة، في مثل هذه الظروف، أن تضع سياسات وتدابير أمنية تستهدف منع الفوضى والثأر والتحريض، وحماية الضحايا والشهود، وصون النظام العام؛ إلا أن الوظيفة الأمنية تظل متميزة عن الوظيفة القانونية في تكييف الوقائع، ولا ينبغي أن تتحول التدابير الأمنية إلى سلطة مسبقة في تحديد الوصف القانوني للواقعة أو في حجب تكييف قد تكشف عنه الوقائع والأدلة أثناء التحقيق.
ومن ثم، فإن أي موجه عام بعدم تسجيل واقعة معينة بوصفها القانوني الموضوعي، ينبغي أن يخضع لثلاثة أسئلة مترابطة: (الأول) ما مصدره القانوني؟ (الثاني) ما طبيعته، أهو تنظيم إجرائي أم تدخل في جوهر التكييف الجنائي؟ (الثالث) ما أثره في حق الضحية في الوصول إلى العدالة وفي حق المتهم في محاكمة عادلة؟
أما إذا كانت هناك شبهة تدخل فردي (المتحري أو المحقق) أدت إلى تحويل واقعة اغتصاب إلى زنا رضائي، فلا ينبغي تقرير ذلك ابتداءً بوصفه حقيقة ثابتة، وإنما يتعين تحديد من اتخذ القرار؟، ومتى اتخذه؟، وما أسبابه؟، وما سنده القانوني؟، وما إذا كانت الشكوى الأصلية ومحاضرها وأدلتها قد ظلت محفوظة في ملف الدعوى وقابلة للمراجعة القضائية؟.
(4) الرقابة القضائية:
——————————–
تتمتع النيابة العامة في النظم الجنائية بسلطات واسعة في تلقي البلاغات والتحقيق فيها وتحديد الاتهام وإحالته إلى القضاء، إلا أن اتساع هذه السلطات يقابله واجب أصيل في البحث عن الحقيقة والتحقق من جميع الوقائع ذات الصلة، وليس مجرد بناء ملف اتهام. ومن ثم، فإن الجمع بين سلطتي التحقيق والاتهام لا يعني بذاته فساد النظام الإجرائي، ولا يتعارض بالضرورة مع المعايير الدولية للمحاكمة العادلة، وإنما تبرز المشروعية الإجرائية من خلال الضمانات القضائية والرقابية الفعالة التي تحول دون أن يصبح القرار الاتهامي نتيجة لتحيز سابق، أو توجيه خارجي، أو إغفال متعمد أو غير مبرر لوقائع أو أدلة يمكن أن تؤثر في التكييف القانوني للواقعة أو سلامة الاتهام.
ومن هذه الزاوية، تبرز أهمية الرقابة القضائية على قرارات النيابة العامة، ولا سيما عندما تكون الواقعة قابلة لأكثر من تكييف قانوني، أو عندما يطرأ تغيير جوهري على وصفها أثناء سير التحقيق. فالمحكمة لا ينبغي أن تكون مجرد متلقٍ للوصف الذي تقدمه سلطة الاتهام، وإنما تملك، في حدود اختصاصها والقانون، فحص الوقائع والأدلة والتحقق من مدى انطباق النص الجنائي عليها، دون أن يحول الوصف الذي انتهت إليه سلطة التحقيق دون ممارسة المحكمة لوظيفتها القضائية في التكييف.
وتتأكد أهمية هذه الرقابة بصفة خاصة عندما يكون التغيير في الوصف القانوني مؤثراً في المركز القانوني للضحية أو المتهم، أو عندما تكون الأدلة التي جُمعت في ظل الوصف الأول قد أصبحت موضع شك أو لم تعد منسجمة مع الوصف الجديد. ففي مثل هذه الحالات، لا يكون تغيير الوصف مجرد مسألة اصطلاحية، وإنما قد يمتد أثره إلى نطاق التحقيق، وطبيعة الأدلة المطلوبة، وضمانات الأطراف، والحقوق الإجرائية المقررة لهم. ومن ثم، فإن المحافظة على وحدة السجل الإجرائي للواقعة، وتوثيق أسباب أي تغيير في تكييفها، وإتاحة الرقابة القضائية عليه، تمثل ضمانات أساسية للحيلولة دون أن يؤدي التغيير الإجرائي في الوصف إلى حجب وقائع أو أدلة ذات صلة، ولضمان الوصول إلى حقيقة قضائية سليمة.
(5) الضمانات الأوروبية والمعايير الدولية:
———————————
في المقارنة الأوروبية للمعايرة الاجرائية لسلطتي الاتهام والتحقيق، لا يصح القول إن المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان قررت، بصورة عامة، عدم مشروعية الأنظمة التي تجمع بين وظائف التحقيق والاتهام؛ فالعبرة في قضائها تنصرف إلى طبيعة الوظيفة التي تمارسها الجهة المعنية، ومدى استقلالها وحيادها، والضمانات المحيطة بقراراتها، ولا سيما عندما يتعلق الأمر بالحرمان من الحقوق والحرية. وفي هذا السياق، ترتبط المادة 5/(3) من الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان بضرورة عرض الشخص المحروم من حقوقه وحريته على قاضٍ أو موظف قضائي يتمتع بالاستقلال والحياد اللازمين، بما يكفل رقابة قضائية حقيقية على مشروعية الحرمان من الحرية.
وقد أكدت المحكمة الأوروبية هذا الاتجاه في عدد من أحكامها، من بينها Medvedyev and Others v. France وقضية Moulin v. France، حيث تناولت مدى استقلال الجهة القائمة بوظيفة الرقابة على الحرمان من الحقوق والحرية عن سلطات التحقيق والاتهام. وتكشف هذه السوابق عن مبدأ إجرائي مهم، مؤداه، أن وجود سلطة اتهام قوية لا يغني عن ضرورة وجود رقابة قضائية مستقلة وفعالة على الإجراءات التي تمس الحقوق والحريات الأساسية.
ولا تقتصر هذه الضمانات على السياق الأوروبي؛ إذ تشكل المحاكمة العادلة والمنصفة (Fair and Impartial Trial) مبدأً أصيلاً في القانون الدولي لحقوق الإنسان، كرسته، من بين مصادر أخرى، المادة 14 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية 1966م، بما تتضمنه من ضمانات تتصل باستقلال المحكمة وحيادها، وحق المتهم في أن تُسمع قضيته علناً أمام محكمة مختصة ومستقلة ومحايدة منشأة بحكم القانون، وافتراض البراءة، وحقه في الوقت والتسهيلات الكافية لإعداد دفاعه، ومناقشة الأدلة، والاستعانة بمحامٍ، ومواجهة ما يقدم ضده من بينات وفقاً للقانون.
وفي الجانب الآخر، لا تنصرف المحاكمة العادلة إلى حماية المتهم وحده؛ إذ ترتبط سيادة القانون وفعالية العدالة الجنائية كذلك بواجب الدولة في التحقيق الجدي والفعال في الادعاءات المتعلقة بالجرائم الخطيرة، وتمكين الضحايا من الوصول إلى العدالة، وضمان فحص الأدلة ذات الصلة دون تحيز أو افتراض مسبق للنتيجة. ولذلك فإن سلامة الإجراءات تتطلب أن يكون التحقيق قابلاً للمراجعة، وأن تُحفظ الأدلة والوقائع ذات الصلة، وألا يؤدي التكييف الأولي للواقعة إلى استبعاد أدلة يمكن أن تكون حاسمة في تحديد حقيقتها.
ومن هذه الزاوية، فإن المعايير الدولية للمحاكمة العادلة تلتقي مع الإشكالية المطروحة في الحالة السودانية عند نقطة جوهرية، هي الفصل بين وظيفة التحقيق في كشف الواقعة ووظيفة القضاء في تقدير الأدلة وتحديد الأثر القانوني لها. فإذا تغير الوصف الجنائي أثناء مراحل الدعوى، فإن ذلك لا يمنع، من حيث المبدأ، من إعادة التكييف متى استند إلى القانون وما تكشف عنه الأدلة، لكنه يقتضي المحافظة على سلامة السجل الإجرائي للواقعة وإتاحة الفرصة للأطراف لمناقشة الأدلة والدفوع المترتبة على الوصف الجديد.
وعليه، فإن القيمة المقارنة للمعايير الأوروبية والدولية لا تتمثل في فرض نموذج مؤسسي واحد يفصل بالضرورة بين وظيفتي التحقيق والاتهام، وإنما في إرساء ضمانات تكفل الاستقلال والحياد والرقابة القضائية الفعالة والمساواة الإجرائية وحق الدفاع وسلامة إجراءات الإثبات. وبذلك، يتحقق التوازن بين فاعلية التحقيق الجنائي من جهة، وضمانات المحاكمة العادلة والمنصفة من جهة أخرى، بحيث تظل الحقيقة القضائية حصيلة وقائع وأدلة قابلة للفحص والمناقشة أمام قضاء مستقل ومحايد، لا نتيجة لتوجيه إداري أو أمني سابق يفرض على النيابة العامة تكييفاً معيناً للواقعة أو يحول دون إعادة النظر فيه في ضوء ما يكشف عنه التحقيق من حقائق وأدلة.
(6) الحجية العلمية للـ DNA:
———————————
تكتسب البصمة الوراثية في هذه القضية (الحالة السودانية – فتاة السبعين) أهمية خاصة، ولكن ينبغي تحديد وظيفتها العلمية والقانونية بدقة. فالفحص الجيني بواسطة الأدلة الجنائية (الشرطة) يستطيع أن يكشف الحقيقة البيولوجية المتعلقة بالأبوة أو الأمومة، ويمكن أن يشكل عنصراً علمياً بالغ الأهمية في إعادة بناء الوقائع، لكنه لا يستطيع وحده إثبات واقعة الاغتصاب، أو نفي الرضا، أو إثبات الإكراه والتهديد.
ومن ثم، فإن انتباهة المحامي (محامي الفتاة الضحية) وطلبه إجراء فحص البصمة الوراثية (DNA) للأم والطفل والرجل المشتبه في أبوته تمثلان خطوة موضوعية يمكن أن تسهم في الكشف عن الأب البيولوجي للطفل وربط الحقيقة البيولوجية بالوقائع التي تدعيها الشكوى، إلا أن قيمة هذا الفحص لا تكتمل بمجرد ظهور نتيجت


