إعادة الإعمار.. حين تعود الحياة لا المباني فقط

العودة إلى المنزل لا تعني عودة الأسرة إلى الاستقرار
مدرسة مفتوحة.. وبيئة تحتاج إلى فحص قبل استقبال الأطفال
في امتداد ناصر.. الحشائش والثعابين تضع سلامة التلاميذ أمام سؤال عاجل
7.9 مليون طفل خارج المدرسة.. التعليم يحتاج إلى أكثر من فتح الأبواب
الأسرة التي فقدت دخلها تحتاج فرصة عمل قبل أن تحتاج مساعدة
المزارع لا يعود إلى أرضه وحدها.. الإنتاج يحتاج مدخلات
تحقيق: إيمان وراق
إعادة الإعمار تبدأ من سؤال قريب من حياة الناس كيف تعود الأسرة إلى حياتها؟
قد تعود الأسرة إلى منزلها ولا تجد عملا، وقد تفتح المدرسة أبوابها بينما يحتاج محيطها إلى تنظيف وفحص قبل استقبال الأطفال وقد يعود المزارع إلى أرضه من دون
وقد تعود بعض الخدمات بينما تظل قدرة الناس على الوصول إليها محدودة
وهنا تظهر المسافة بين عودة المكان وعودة الحياة
السودان يدخل مرحلة مختلفة بعد سنوات الحرب، وهي مرحلة تحتاج إلى أكثر من إصلاح ما تضرر، المطلوب هو إعادة تشغيل الحياة نفسها… التعليم والعمل والإنتاج والصحة والخدمات، ومساعدة الأسر على استعادة قدرتها على الاعتماد على نفسها.كل ذلك وأكثر يأتي في سياق التحقيق التالي:_
*حرب غيرت شكل الحياة*
أثرت الحرب على الاقتصاد والخدمات وفرص العمل وحركة الناس بصورة واسعة ووفقا للبنك الدولي، انكمش الناتج المحلي الحقيقي للسودان بنسبة 29.4 بالمئة في 2023، ثم بنسبة 14 بالمئة في 2024.هذه الأرقام لا تعني الاقتصاد وحده. خلفها أسر فقدت مصادر دخلها، وأعمال توقفت، ومزارعون واجهوا صعوبة في الوصول إلى مدخلات الإنتاج، وخدمات تراجعت قدرتها على الوصول إلى المواطنين.
ودراسة للأمم المتحدة وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي والمعهد الدولي لبحوث سياسات الغذاء استندت إلى مسح شمل 3 آلاف أسرة حضرية بين مايو ويوليو 2024، أظهرت أن نسبة الأسر التي لا تملك دخلا أو عملا ارتفعت إلى 18 بالمئة مقارنة بـ1.6 بالمئة قبل الحرب.
كما انخفض الوصول الكامل إلى الخدمات الصحية من 78 بالمئة إلى 15.5 بالمئة، وقالت 63.6 بالمئة من الأسر إن جميع أطفالها في سن الدراسة توقفوا عن التعليم، فيما أفادت أكثر من 88 بالمئة بأن طفلا واحدا على الأقل توقف عن الدراسة.
هذه ليست أرقاما تخص الحرب فقط، بل مؤشرات على حجم العمل المطلوب في مرحلة التعافي.
*المدرسة المفتوحة.. هل هي جاهزة فعلا*؟
عودة المدارس واحدة من أهم علامات عودة الحياة، لكنها تحتاج إلى النظر إلى المدرسة باعتبارها بيئة كاملة للطفل.
بحسب اليونيسف، كان نحو 7.1 مليون طفل في التعليم النظامي في سبتمبر 2025، إضافة إلى 1.8 مليون طفل في التعليم البديل أو غير النظامي، بينما ظل نحو 7.9 مليون طفل خارج المدرسة.
وفي الخرطوم وحدها، بلغ عدد المدارس العاملة في سبتمبر 2025 نحو 1830 مدرسة من أصل 3796 مدرسة كانت تعمل قبل الأزمة، مع وجود أكثر من 280 مدرسة تعرضت لأضرار بدرجات مختلفة، بحسب بيانات وزارة التربية والتعليم بالولاية.
هذه الأرقام تضع إعادة فتح المدارس في مكان مهم لكنها تطرح سؤالا آخر: ماذا يجد الطفل عندما يدخل المدرسة؟
في امتداد ناصر مثلا، تكشف بعض مدارس الأساس امتداد ناصر (أ) ورفيدة بنات عن مشكلة قد تبدو صغيرة في حسابات إعادة الإعمار، لكنها كبيرة بالنسبة للطفل. فالحشائش والأشجار الكثيفة والمتشابكة تحيط ببعض المدارس، فيما يمثل ظهور الثعابين في المنطقة مصدر قلق للأسر القريبة.
وهنا تصبح مراجعة المدارس قبل بداية العام الدراسي خطوة ضرورية.
المراجعة لا ينبغي أن تتوقف عند الجدران والفصول، بل يجب أن تشمل الساحات والأسوار والبوابات والأشجار والحشائش والمخلفات ومصادر المياه ودورات المياه والكهرباء، وكل ما يمكن أن يشكل خطرا على الأطفال.
المدرسة الآمنة هي التي جرى فحصها وتأهيل بيئتها قبل استقبال التلاميذ.
الحفاظ على الطفل يبدأ قبل أن يدخل الفصل.
*الفاقد التعليمي.. سنوات لا تعود بسهولة*
العودة إلى المدرسة لا تعني أن آثار الانقطاع انتهت ، فالطفل الذي غاب عن التعليم لفترة طويلة يحتاج إلى معالجة الفاقد التعليمي وليس فقط إلى مقعد وكتاب ومعلم.
وهنا تحتاج المدارس إلى برامج تعويضية ومسارات مرنة تساعد الأطفال الذين انقطعوا عن الدراسة على العودة مع اهتمام خاص بالأطفال الذين تحملوا ظروف النزوح أو فقدوا سنوات دراسية كاملة.
والتحدي أكبر من إعادة فتح المدارس. المطلوب هو منع سنوات الانقطاع من التحول إلى فجوة دائمة في تعليم جيل كامل.
*الأسرة تحتاج إلى دخل*
لا تستطيع الأسرة أن تبني استقرارها على المساعدات وحدها.
الدراسة الوطنية للأسر الحضرية أظهرت أن 76 بالمئة من الأسر التي شملها المسح قالت إنها لم تتلق مساعدة، وأن نسبة الأسر التي لا تملك دخلا أو عملا ارتفعت بصورة كبيرة
لذلك يجب أن تصل برامج التعافي الاقتصادي إلى الأسرة مباشرة من خلال العمل والمشروعات الصغيرة والتدريب والتمويل وفرص كسب الدخل.
عودة الموظف إلى عمله مهمة، وعودة صاحب المتجر إلى نشاطه مهمة وعودة الحرفي إلى مهنته مهمة، وعودة المرأة إلى مصدر دخلها مهمة.
كل فرصة عمل تعني أسرة أكثر قدرة على دفع تكاليف التعليم والغذاء والعلاج والسكن.
*الزراعة.. عودة المزارع تعني عودة سلسلة كاملة*
الزراعة واحدة من القطاعات التي يمكن أن تحرك أكثر من جانب في الوقت نفسه.
المزارع الذي يعود إلى الإنتاج لا يعود وحده. معه العمال والنقل والأسواق والتخزين والتجارة ومصانع التعبئة والمستهلك.
لكن الإنتاج يحتاج إلى مدخلات وتمويل وطرق وأسواق …
وتشير بيانات منظمة الأغذية والزراعة إلى أن إنتاج الحبوب في السودان خلال 2025 بلغ نحو 5.2 مليون طن، بانخفاض 22 بالمئة عن 2024 و19 بالمئة عن متوسط السنوات الخمس السابقة.
لذلك فإن دعم الزراعة في مرحلة التعافي لا ينبغي أن يقتصر على توفير البذور أو الأسمدة. المطلوب هو النظر إلى سلسلة الإنتاج كاملة، من الحقل حتى السوق.
*الصحة.. الخدمة قبل المبنى*
القطاع الصحي يحتاج إلى عودة الخدمة في أسرع وقت لكن إعادة بناء المنشأة الصحية وحدها لا تكفي.
المواطن يحتاج إلى طبيب ودواء وفحوصات وإسعاف ومياه وكهرباء وخدمة يمكن الوصول إليها بتكلفة محتملة.
البنك الدولي يشير إلى أن النظام الصحي في السودان تعرض لضغط شديد.
وهذا يجعل مرحلة التعافي الصحي بحاجة إلى حلول متدرجة: تشغيل المرافق الممكن تشغيلها، ودعم المراكز الصحية، وتوسيع الخدمات المتنقلة، وتوفير الأدوية والمستلزمات، ثم إعادة تأهيل المنشآت التي تحتاج إلى تدخل أكبر.
المعيار الحقيقي هو أن يجد المواطن الخدمة عندما يحتاج إليها.
*الشباب.. سنوات تحتاج إلى استعادة*
هناك جيل من الشباب عاش سنوات الحرب في ظروف مختلفة عن الحياة الطبيعية.
بعضهم انقطع عن الدراسة، وبعضهم فقد العمل، وبعضهم اضطر إلى تغيير مهنته أو مكان إقامته.
إعادة الإعمار تحتاج إلى رؤية هؤلاء الشباب كجزء من عملية التعافي نفسها.
التدريب المهني، وفرص العمل، والمشروعات الصغيرة، والتعليم التقني، والبرامج التي تربط التدريب باحتياجات السوق، يمكن أن تحول طاقة الشباب من الانتظار إلى الإنتاج.
وهذا ملف لا يحتمل التأجيل، لأن سنوات الشباب لا تتوقف حتى عندما تتوقف المشروعات.
*الماء والكهرباء.. التفاصيل التي تصنع الحياة*
عودة الخدمات الأساسية قد تبدو في ظاهرها مسألة فنية، لكنها في حياة الأسرة تعني الكثير.
دراسة الأسر الحضرية أظهرت أن الوصول إلى المياه عبر الشبكات انخفض من 72.5 بالمئة إلى 51.6 بالمئة، فيما أبلغت نحو 90 بالمئة من الأسر عن تراجع موثوقية الكهرباء.
هذه الخدمات ترتبط بكل شيء تقريبا: المدرسة والمستشفى والمنزل والعمل والنظافة والغذاء، وحتى قدرة الناس على البقاء في مناطقهم.
ولهذا يجب أن تكون إعادة تأهيل المياه والكهرباء والصرف الصحي جزءا أساسيا من خطط التعافي، وليست أعمالا منفصلة عن بقية القطاعات.
*من يعود أولا*؟
الحرب لم تؤثر على الناس بالطريقة نفسها.
هناك أسرة فقدت منزلها، وأخرى فقدت مصدر دخلها، وثالثة لديها أطفال انقطعوا عن الدراسة، ورابعة تعيش في منطقة تضررت فيها الخدمات، ومزارع فقد القدرة على شراء مستلزمات الإنتاج.
لذلك فإن توزيع فرص التعافي يحتاج إلى قراءة دقيقة للاحتياجات.
الحرب لا توزع الفقر بالتساوي، ولذلك لا ينبغي أن توزع فرص التعافي بالطريقة نفسها.
الأسرة الأكثر احتياجا تحتاج إلى أولوية، والمنطقة التي فقدت خدماتها الأساسية تحتاج إلى تدخل مختلف عن منطقة ما زالت خدماتها تعمل جزئيا.
وهنا تأتي أهمية البيانات المحلية ومعرفة ما تحتاجه كل منطقة، بدلا من التعامل مع السودان كله باعتباره حالة واحدة.
*هل نعيد السودان كما كان*؟
ربما لا تكون العودة إلى ما قبل الحرب هي الهدف الوحيد.
هناك خدمات يمكن أن تعود بصورة أفضل، ومدارس يمكن أن يعاد تنظيم بيئتها، وأنظمة يمكن أن تدخل فيها التقنية، ومشروعات صغيرة يمكن أن تستفيد من وسائل جديدة للعمل، وخدمات صحية يمكن أن تتوسع خارج المراكز الكبيرة.
إعادة الإعمار تمنح فرصة لمعالجة بعض المشكلات القديمة التي كانت موجودة قبل الحرب لا مجرد إعادة إنتاجها بالصورة نفسها.
المهم ألا تتحول مرحلة التعافي إلى إعادة بناء للمباني فقط، بينما تبقى أسباب ضعف الخدمات والإنتاج وفرص العمل كما هي.
*كيف نعرف أن الإعمار وصل إلى الناس*؟
نجاح إعادة الإعمار لا يظهر فقط في عدد المشروعات التي تم افتتاحها.
يظهر عندما تعود الأسرة إلى دخل مستقر، ويعود الطفل إلى مدرسة آمنة، ويعود المزارع إلى الإنتاج، ويجد المريض خدمة صحية قريبة، ويجد الشاب فرصة للعمل، وتعود المياه والكهرباء بصورة أكثر استقرارا.
هذه هي المؤشرات التي تجعل إعادة الإعمار مرتبطة بحياة الناس اليومية.
والأهم أن تكون هناك متابعة بعد افتتاح المشروعات. فالمبنى الذي يفتتح ثم يتوقف، والمدرسة التي تعود ثم تظل بيئتها غير آمنة، والمرفق الذي يعمل بلا موارد كافية، كلها تعني أن جزءا من المشكلة ما زال قائما.
*البداية من الناس*
إعادة الإعمار مشروع طويل، لكنه يمكن أن يبدأ بخطوات واضحة.
مدرسة تفحص قبل استقبال الأطفال.
أسرة تحصل على فرصة دخل.
مزارع يحصل على ما يساعده على الإنتاج.
مركز صحي يستعيد الخدمة.
حي تعود إليه المياه والكهرباء.
وشاب يجد طريقا إلى التدريب والعمل.
هذه التفاصيل تبدو صغيرة إذا نظرنا إلى كل واحدة منها وحدها، لكنها في مجموعها تعني شيئا أكبر: أن الناس بدأوا يستعيدون حياتهم.
إعادة الإعمار هي سلسلة من القرارات تبدأ من سؤال بسيط:
ما الذي يمنع هذه الأسرة من الاستقرار؟
ما الذي يمنع هذا الطفل من التعلم؟
ما الذي يمنع هذا المزارع من الإنتاج؟
وما الذي يمنع هذا الشاب من العمل؟
عندما تتحول الإجابة عن هذه الأسئلة إلى أولويات ومشروعات وخدمات، تبدأ مرحلة التعافي في الاقتراب من الناس.





