قطار «إفطار الطالب اليتيم».. هل تتوقف العجلات أم يتسع الطريق؟ بقلم: محمد حسين تنقو

في زمنٍ أضحت فيه اللقمةُ عزيزةً والظروف الاقتصادية قاسية على الجميع، تبرز من قلب المعاناة ملاحم إنسانية تصنع الفرق وتمنح الأمل. من هناك، من أزقة منطقة أمبدة، انطلقت قبل أكثر من 13 عاماً رحلة عطاء لا تُقاس بالدعم أو الميزانيات، بل بحجم القلوب التي حملتها. رحلةٌ قادها الرجل الخيّر محمد تنقو، الذي أسس مشروع «إفطار الطالب اليتيم» عبر منظمته «الفيروز الخيرية»، ليصبح سنداً وملاذاً لطلابٍ وجدوا في الفطور المدرسي أكثر من مجرد وجبة؛ وجبةٌ كانت تُعيد لهم كرامتهم وترسم البسمة على شفاههم كل صباح.
لم يكن المشهد عادياً؛ فقد كان هذا القطار الخيري يسير بكفاءة وإصرار، يقدم الوجبة اليومية لأكثر من 500 طالب يتيم في سنوات شبابه وازدهاره. العجيب في الأمر أن هذا المشروع العملاق بحجم أثره، ظل يعمل طيلة 13 عاماً متواصلة دون أي دعم حكومي أو تمويل من جهات خيرية رسمية أو منظمات دولية. كان الاعتماد الكلي على إرادة محمد تنقو ورفاقه في منظمة الفيروز—وجميعهم من البسطاء والخيرين من أبناء المنطقة—إلى جانب دعم محلي خالص من الأهل والأصدقاء الذين آمنوا بالفكرة وشاركوا في حمل العبء.
تتجلى أهمية هذا المشروع في كونه يمس صلب العملية التعليمية والاستقرار الاجتماعي. فالطالب اليتيم الذي يتلقى وجبته المدرسية بكرامة يكون أكثر قدرة على التحصيل والاستمرار في دراسته، مما يجعله من أهم المشاريع النموذجية التي لو وجدت رعاية واهتماماً حكومياً رسمياً لمُكِّن تعميمها وتطبيقها في كل ولايات السودان، لتصبح برنامجاً وطنياً شاملاً للتكافل والتغذية المدرسية.
ولكن، تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن؛ فقد ألقت الأزمات الاقتصادية والظروف القاهرة بثقلها على الجميع، وأصبح العبء كبيراً فوق طاقة هؤلاء الرجال الأوفياء. وللأسف، انعكست هذه الضغوطات الواقعية على قدرة المشروع، حيث تقلص عدد الطلاب المستفيدين في العام الماضي ليصبح 200 طالب فقط، بعد أن كان يغطي أكثر من نصف ألف يتيم.
اليوم، يقف محمد تنقو ورجال منظمة الفيروز أمام امتحانٍ صعب، تشتد فيه الظروف وتتزايد التحديات، مما يطرح السؤال المؤلم الذي يتردد في أروقة المدارس وعلى شفاه الأطفال: هل ستتوقف عجلات قطار إفطار الطالب اليتيم؟
إن هذا النداء ليس مجرد استعراض لقلمٍ صحفي، بل هو صرخة استغاثة لكل جودٍ وكرم، وتذكير للمؤسسات الرسمية والجهات الخيرية بأهمية التدخل السريع للحفاظ على هذا الصرح التكافلي. إن توقف هذا القطار يعني حرمان عشرات الأطفال من حقهم في اللقمة الشريفة والتعليم المستقر، بينما دعمه وتطويره يعود بالنفع على مجتمع بأكمله.
غياب الدعم الحكومي ورسالة لمن هم في موقع المسؤولية
كان حرياً بالجهات الحكومية والتنفيذية أن تتلقف هذه المبادرة بالرعاية والتطوير؛ ففي الوقت الذي رفع فيه محمد تنقو شعلة العمل الميداني ضمن حملة “ارجع وطنك” إعلاناً لأن البلد أصبحت آمنة ويتعافى من آثار الحرب، كان برنامج “إفطار الطالب اليتيم” يقف كدليل حي وملموس على عودة الحياة إلى طبيعتها. ولو كنت في موقع مسؤول حكومي، لخلقْتُ من هذه المبادرة نموذجاً وطنياً يُحتذى به، ولعملتُ فوراً على توسعة نطاقها ليصل الدعم بدلاً من 200 طالب يتيم إلى 2000 طالب أو أكثر، عبر توفير التسهيلات والتمويل اللازمين؛ إذ إن دعم مثل هذه البرامج هو الأثر الحقيقي المتين لتعزيز الاستقرار الاجتماعي.
نداء إلى رجال المال والأعمال
يبقى التساؤل المريب قائماً حول غياب رجال المال والأعمال أصحاب المصانع والشركات عن دعم هذا البرنامج الحيوي، رغم أن تكلفته لا تشكل عبئاً مالياً ضخماً على مؤسساتهم، ورغم أن الوطن في أشد الحاجة اليوم للوقوف مع أجيال القادم وتأمين مسيرتهم التعليمية. وهنا نستحضر بالرحمة والمغفرة رجل الأعمال الراحل عمر النمير، الذي كان سبّاقاً ومتبنياً لفكرة مماثلة في منطقة شرق النيل. إنها دعوة صادقة لكل أصحاب الأعمال والمصانع للنهوض بمسؤوليتهم المجتمعية والتواصل المباشر مع محمد تنقو ومنظمته لمد يد العون واستمرارية هذه المبادرة المباركة.
خاتمة
قد تكون شهادتي في محمد تنقو مجروحة، بحكم الصداقة الممتدة التي تجمعنا منذ أيام الدراسة الجامعية في بدايات الألفينات؛ فقد عرفته حينها شغوفاً بالعمل الخيري والإنساني حتى قبل أن يأخذ هذا النشاط طابعه الرسمي، وظل على عهده ثابتاً ومقداماً في خدمة مجتمعه.


