مقالات الرأي

الحق أبلج ٩١١ عميد شرطة م لطف الله أحمد عفيفي  *الزحمة فيها الرحمة

بسم الله الرحمن الرحيم.

 

يبدو أن علينا من اليوم أن نعتذر لرئيس مجلس الوزراء البروفيسور كامل إدريس، فقد ظلمناه كثيرا حين نظرنا إلى طوابير البنزين باعتبارها أزمة!

 

الرجل قال لا توجد أزمة وقود، والحكومة أكدت توفر المشتقات البترولية، بل إن رئيس الوزراء نفسه وجه بزيادة إمداد المحطات والإسراع في تزويد المواطنين بالوقود لتفادي التكدس والازدحام.

 

إذن المشكلة ليست في الوقود!

 

المشكلة فينا نحن المواطنين!

 

نحن الذين قررنا فجأة أن نقف مئات السيارات أمام محطات البنزين، لا لأننا نبحث عن الوقود، وإنما لأننا نبحث عن الصحبة والونس وتقوية النسيج الاجتماعي!

 

نحن شعب محب للتواصل الاجتماعي، ويبدو أننا اكتشفنا أخيرا أن أفضل مكان للتعارف وتبادل الأحاديث هو صف البنزين!

 

سيارة أمام سيارة، وناس أمام ناس، والساعات تمضي، والمواطن واقف… لكن لا توجد أزمة!

 

يا جماعة الخير، لا تقولوا أزمة وقود، قولوا “برنامج مجتمعي لتعزيز العلاقات بين المواطنين”!

 

ولا تقولوا صفوف بنزين، قولوا “ملتقى جماهيري مفتوح”!

 

ولا تقولوا المواطن ينتظر بالساعات، قولوا “المواطن يمارس الصبر الاستراتيجي

 

هكذا نكون قد حللنا المشكلة إعلاميا، وبقي أن يحلها الوقود فعليا!

 

أنا بعذر كامل إدريس والله بعذرو.

 

ربما الرجل يرى الصورة من زاوية مختلفة، وربما تصل إليه التقارير بصورة تختلف تماما عن الصورة التي يعيشها المواطن في الشارع.

 

لكن المواطن لا يعيش في التقارير.

 

المواطن يعيش في الطلمبة.

 

المواطن لا يتعامل مع البيانات الرسمية فقط، وإنما يتعامل مع السيارة التي تحتاج بنزين، ومع الصف الذي أمامه، ومع الساعات التي تضيع من يومه.

 

والمفارقة الأغرب أن الحكومة نفسها عندما أعلنت رسميا عدم وجود أزمة، كانت في الوقت ذاته تتحدث عن التكدس والازدحام، وتوجه بزيادة الإمدادات والإسراع في تزويد المحطات بالوقود.

 

وهنا نسأل بكل احترام:

 

إذا لم تكن هناك أزمة، فلماذا كل هذا التكدس؟

 

وإذا كان الوقود متوفرا بالصورة الطبيعية، فلماذا تحتاج المحطات إلى مزيد من الإمدادات؟

 

وإذا كان كل شيء يسير بصورة طبيعية، فلماذا يقف المواطن في طابور طويل حتى يحصل على حقه الطبيعي في الوقود؟

 

المشكلة ليست في أن تقول الحكومة إن الوقود متوفر.

 

المشكلة عندما يصبح المواطن أمام الطلمبة ويرى بعينيه ما يناقض ما يسمعه بأذنيه.

 

السياسة ليست فقط أن تطمئن المواطن بالكلمات، وإنما أن تجعله يرى الاطمئنان في حياته اليومية.

 

ونحن لا نريد أن نحمل رئيس الوزراء وحده مسؤولية كل مشكلة في السودان، فالحرب دمرت قطاعات واسعة من البنية التحتية، وقطاع النفط نفسه تعرض لخسائر كبيرة، والحكومة تواجه تحديات اقتصادية حقيقية. كما أن وزارة الطاقة قالت إن بعض الصفوف ارتبطت بعوامل منها بطء التطبيقات البنكية وتأخر بعض الإجراءات المتعلقة بالأسعار.

 

لكن يا سعادة رئيس الوزراء…

 

المواطن الذي يقف أمام محطة الوقود لا يستطيع أن يرى كل هذه التفاصيل.

 

هو يرى الصف فقط.

 

ويرى سيارته.

 

ويرى عداد الوقود.

 

ويرى يومه الذي يضيع.

 

ولذلك فإن أفضل لغة يمكن أن تخاطب بها الناس هي لغة الواقع.

 

قولوا لهم: نعم، هناك اختناقات.

 

نعم، هناك تكدس.

 

نعم، هناك مشكلة في الإمداد أو التوزيع أو الدفع أو التسعير.

 

ثم قولوا لهم ماذا ستفعل الحكومة لحلها.

 

أما أن نقول “لا توجد أزمة” بينما المواطن يقف في صف طويل للحصول على البنزين، فهذه معادلة تحتاج إلى تفسير أكثر من حاجتها إلى تصريح!

وأخيرا…

شكرا كامل إدريس!

شكرا لأنك علمتنا أن صفوف البنزين ليست أزمة.

شكرا لأنك اكتشفت لنا أن مئات السيارات يمكن أن تتجمع أمام الطلمبات من غير أن يكون هناك نقص.

شكرا لأنك أعطيتنا تفسيرا جديدا للصفوف:

إنها ليست أزمة وقود…

إنها فرصة لتقوية النسيج الاجتماعي!

يا أخوانا…

نحن قاعدين في السودان ولا في بلد تانية؟

وإذا كان كل هذا الذي نراه أمام محطات البنزين ليس أزمة، فمتى تكون الأزمة إذن؟

ربما عندما تتوقف السيارات عن الوقوف!

وعندها فقط سنكتشف أن الأزمة انتهت…

لأن السيارات نفسها لن تجد وقودا لتصل إلى الطلمبة.

١ أكتوبر ٢٠٢٦

زر الذهاب إلى الأعلى