مقالات الرأي

قلق الحراك السياسي بين الـمحرض ( urge) وعلم الالة ( ergonomics ) بقلم : كابتن محمد حسن الطاهر

 

التاريخ : أكتوبر. 2026. 7

 

الحراك السياسي قد يكون حركة أقدام في الشارع لكن أصله حركة قلق في الصدر حيث لا يتحرك الإنسان السياسي لأنه مطمئن، بل لأنه قلق والقلق هنا ليس مرضاً، بل هو وقود محرك للخروج من الوحل من أجل البقاء وتحقيق الطموح

ان كل حراك سياسي في التاريخ له باعثان لا ثالث لهما:

*1. باعث دفع من الخلف (Push):* وهو الخوف من فقدان الموجود. الخوف على الخبز، على الكرامة، على الهوية ( قلق البقاء)

 

*2. باعث جذب من الأمام (Pull):* وهو الشوق إلى المفقود. الشوق إلى الحرية، إلى العدالة، إلى الدولة التي تشبه حلمنا ( قلق الطموح)

 

السياسة السودانية اليوم تعيش القلقين معاً قلق من :

– يخاف أن يفقد وطنه،

– يحلم أن يجد وطنه.

ومن بين هذين القلقين يولد الحراك ومن هنا نجد أن:

– الحراك بلا قلق هو استعراض.

– والقلق بلا حراك هو اكتئاب.

وهنا بيت القصيد فالقلق ليس قيمة واحدة بل هو سيف ذو حدين. علينا أن نحلله علميا :

 

*أ. القلق الإيجابي (المُحَرِّك):*

وهو القلق الذي يجعلك تستيقظ باكراً، تقرأ، تنظم، تفكر في البديل.

هو قلق أم موسى حين ألقت بابنها في اليم، قلقها لم يشلها، بل جعلها تتصرف.

هذا القلق ينتج السؤال ماذا نفعل؟

وهذا هو القلق المنتج الذي نحتاجه.

 

*ب. القلق السلبي (المُحْرِق):*

وهو القلق الذي يجعلك تصرخ، تشتم، تكسر، تخوِّن كل من حولك.

هو قلق يجعلك تدور حول نفسك. لا ينتج سؤالاً بل ينتج صراخاً:

– من السبب؟

– من الخائن؟

 

أزمة الفكر السياسي السوداني أنه حوّل كل قلقه من النوع الأول إلى النوع الثاني.

أصبحنا خبراء في تشخيص المرض، وعاجزين عن وصف الدواء. قلقنا أصبح محرقاً ومتبطا لا محركاً ولذلك فقدنا القاعدة الذهبية :

– القلق الموزون يحركك،

– والقلق الزائد يحرقك ويحرق من معك.

 

ومن هنا يتولد السؤال :

– من أين يأتي هذا القلق؟

 

في علم النفس، القلق حالة نفسية. لكن في علم البيولوجيا، القلق هو *Urge* – دفعة، حافز غريزي، نداء داخلي لا إرادي.

 

الـ Urge هو تلك الغدة التي تضخ الأدرينالين قبل أن يفكر العقل :

– عندما ترى وطنك يغرق، لا تفكر أولاً، بل تشعر بدفعة بيولوجية تقول لك: تحرك! افعل شيئاً!

المشكلة أن الـ Urge بلا عقل يصبح هياجاً.

 

كثير من قراراتنا السياسية اتخذت بحالة Urge بيولوجية صرفة:

– غضب، انتقام، خوف لحظي.

فكان القرار كمن يطلق النار وهو يرتجف، لا يصيب الهدف بل يقتل صديقه.

 

من هنا نجد أن بين الـ Urge والعقل، يجب أن تكون هناك غرفة تبريد تجعل بين الدفعة البيولوجية والقرار السياسي، مسافة زمنية فلا يتصرف صانع القرار برد فعل غريزي بل يتبع Checklist.

 

ان الحراك الناجح هو الذي يحترم الـ Urge كوقود، لكنه لا يسلم له المقود.

 

لقد دخلنا الان عصراً جديداً عصر الذكاء الاصطناعي حيث نجد انه :

– في السابق كان الصراع بين الإنسان والإنسان.

– اليوم الصراع بين الإنسان وقلقه وهو يجلس أمام آلة أذكى منه.

–

هنا يأتي مصطلح *Ergonomics*.

وهو في الأصل علم تصميم الأدوات لتناسب مثلا

– جسم الإنسان حيث يصنع الكرسي المناسب لظهرك

لكنه في السياسة والذكاء الاصطناعي هو الإجابة على السؤال :

*كيف نصمم فكرنا السياسي ليناسب قدراتنا الإنسانية ولا يدمرها؟*

الذكاء الاصطناعي ينتج لنا

– ألف خبر في الدقيقة،

– ألف شائعة،

– ألف تحليل.

هذا يخلق قلقاً صناعياً هائلاً. إذا تعاملنا معه بعقلية الـ Urge القديمة، سنحترق. سنصبح مجرد ردود أفعال على ما ينتجه الروبوت.

 

ومن هنا نجد أن السلوك المنتج في عصر الذكاء الاصطناعي هو سلوك Ergonomic:

لا تستهلك كل الأخبار،

– صمم لنفسك فلتراً.

لا تتفاعل مع كل استفزاز،

– صمم لنفسك زمناً للصمت.

– لا تجعل الآلة تحدد قلقك، بل اجعل قلقك الحقيقي (الخبز، الكرامة، الوطن) هو من يحدد استخدامك للآلة.

السياسي هو الذي يستخدم الذكاء الاصطناعي كمساعد وليس كفاعل بديل يلغي عقله ومن هنا بالضبط يصبح الحراك السياسي تفاعل بين

Urge و Ergonomics و Ergo Sum

 

مما يجعلنا نصل إلى معادلة جامعة

 

الفيلسوف ديكارت قال: *

– “أنا أفكر، إذن أنا موجود – Cogito, Ergo Sum”*

 

نحن اليوم نقول في السياسة السودانية:

أنا قلق بدافع بيولوجي،

– إذن أنا أتحرك

وأنا أصمم قلقا منتجاً،

– إذن أنا أبقى

 

مستقبل الحراك السياسي لن يكون لمن يملك أعلى صوت، ولا لمن يملك أكثر سلاح.

مستقبل الحراك سيكون لمن نجح في هذه المعادلة الثلاثية:

 

1. يحترم الـ *Urge*: يعترف أن :

– القلق وقود مشروع،

– الخوف على الوطن غريزة شريفة.

2. يتقن الـ *Ergonomics*:

– يصمم هذا القلق ليصبح مؤسسة، وخطة، ووصفاً وظيفياً، وغرفة تبريد،

– بدلاً من أن يكون صراخاً وبذلك يصل إلى المرحلة الجامعة

3. يصل إلى الـ *Ergo Sum*:

حيث يثبت وجوده ليس بالضجيج، بل بالإنجاز.

أنا موجود لأني

– بنيت ولم اهدم

– جبرت الضرر ولم أكسر الخاطر.

 

الخلاصة:

الحراك السياسي القادم في السودان :

– إما أن يكون قلقاً بيولوجياً عشوائياً (Urge) فيحرق نفسه ويحرقنا معه، فيصبح مجرد صراخ

– وإما أن يكون قلقاً مصمماً بذكاء (Ergonomics) فيحول الخوف إلى خطة، والغضب إلى مؤسسة، والحلم إلى دولة.

 

ومن هناك فقط، نستطيع أن نقول: نحن نفكر بقلق مصمم، إذن نحن موجودون.

زر الذهاب إلى الأعلى