في ذكرى الاحتفال بيومه العالمي،، المعلم السوداني.. نجاحات تتحدى الظروف..

في ذكرى الاحتفال بيومه العالمي،،
المعلم السوداني.. نجاحات تتحدى الظروف..
حملوا طباشيرهم وسط الركام وواصلوا العمل.. إرادة..
مدارس أغلقتها الحرب والامتحانات لم تتوقف..رسالة..
رواتب ضعيفة وأوضاع ضاغطة..رسالة المهنة..
تقرير: إسماعيل جبريل تيسو..
يحتفل المعلمون في جميع أنحاء العالم هذه الأيام، بذكرى اليوم العالمي للمعلم، الذي يأتي هذا العام حاملاً رسائل التقدير والامتنان لمن يحملون مشاعل العلم ويصنعون مستقبل الأجيال، فيما تتجاوز المناسبة في السودان حدود الاحتفاء التقليدي، لتلامس سيرة معلم ظل يؤدي رسالته وسط واحدة من أقسى الحروب التي شهدتها البلاد، ففي الوقت الذي أغلقت فيه الحرب أبواباً كثيرة أمام التعليم، وتم استهداف المدارس والمعلمين، وسقط عدد من المعلمين شهداء، اختار آلاف المعلمين السودانيين مواصلة الطريق، متحدين النزوح وضيق ذات اليد ونقص المعينات التعليمية، ومتمسكين برزنامة التقويم الأكاديمي حتى جلس التلاميذ والطلاب لامتحانات الشهادة في مراحلها المختلفة، وحققوا نتائج مبهرة أكدت أن إرادة التعليم أقوى من ظروف الحرب.
رسالة بلا حدود:
ويُصادف الخامس من أكتوبر من كل عام، مناسبة الاحتفال باليوم العالمي للمعلم، وقد اعتمدته منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة «اليونسكو» في العام 1994م، تخليداً لتوقيع توصية اليونسكو ومنظمة العمل الدولية بشأن وضع المعلمين في العام 1966م، وتتناول التوصية جملة من القضايا المرتبطة بالمعلم، من سياسات التوظيف والتدريب والتأهيل المستمر، إلى ظروف العمل والمكانة المهنية، بما يعكس حقيقة أن جودة التعليم لا يمكن فصلها عن جودة حياة المعلم واستقراره المهني والاجتماعي.
قصص صمود:
ويحمل الخامس من أكتوبر في السودان معنىً أكثر اتساعاً، إذ تبدو قصة المعلم السوداني مختلفةً ولا تخرج فصولها عن مسارات ثلاثة ما بين معلم دفع حياته ثمناً لرسالته، وآخر يقطع المسافات يومياً ليصل إلى فصله، وثالث يقف أمام تلاميذه بابتسامة تخفي وراءها غصةً مثقلة بأعباء المعيشة، لذلك فإن المعلم في السودان أحقُّ بالتوقف عنده واستعراض تجربة صموده في هذا اليوم، فهو يومٌ يطل فيه المعلم من خلف مشهد الحرب ليقول إن التعليم ليس ترفاً يمكن تأجيله حتى تنتهي الأزمات، وإنما أحد أهم الجسور التي تعبر بها المجتمعات من الحرب إلى السلام، ومن الانهيار إلى البناء والإعمار.
فكرة لا تموت:
والواقع أن المعلم السوداني كان واحداً من الفئات التي دفعت ثمناً باهظاً لحرب الخامس عشر من أبريل 2023م، حيث لم يسلم المعلمون من استهداف ميليشيا الدعم السريع، وفقدان المعلم لا يعني غياب شخص عن أسرته وطلابه فحسب، وإنما يمثل خسارة لمجتمع بأكمله، ومع ذلك، لم يتوقف المشوار، ففي مدن وقرى ومناطق النزوح، حيث واصل معلمون آخرون أداء واجبهم، وكأنهم يقولون إن الرصاصة قد تقتل معلماً، لكنها لن تقتل فكرة التعليم.
امتحانات وسط الحرب:
ربما كان من أبرز المشاهد التي تختصر صمود قطاع التعليم السوداني خلال الحرب، نجاح المعلمين في مواصلة العام الدراسي والالتزام بالتقويم الأكاديمي، وصولاً إلى امتحانات الشهادة في مراحلها المختلفة، فخلف كل طالب جلس أمام ورقة الامتحان، كان هناك معلم بذل وقتاً وجهداً، وأحياناً واجه ظروفاً استثنائية حتى يصل إلى مدرسته ويؤدي حصته، والنتائج المبهرة التي حققها الطلاب، كانت شهادة تقدير صامتة للمعلمين الذين عملوا في ظروف لم تكن طبيعية، في بلد عطلت الحرب فيه قطاعات واسعة، ظل المعلم حريصاً على ألا يتعطل المستقبل، فقد اجتهد في أن يزرع في نفوس طلابه القدرة على الاستمرار، ويمنحهم شيئاً من الأمان النفسي في بيئة مضطربة، ويؤكد لهم أن الغد لا يزال ممكناً.
مناضل مجهول:
وتضع الناشطة الاجتماعية، ورئيس جمعية الندى للتنمية، دكتورة ندى فضل الله حسن يدها على جانب مهم من حكاية المعلم السوداني، حين ترى أن الاحتفاء به يجب ألا يكون مجرد كلمات عابرة، وتقول دكتورة ندى في إفادتها للكرامة إن المعلم الذي يستحق الاحتفاء هو المعلم السوداني الأصيل في المدن والقرى والفرقان ومجتمعات الرحل، ذلك الذي يقطع المسافات الطويلة، ويصل إلى مدرسته في ظروف صعبة، ثم يدخل فصله بابتسامة يزرع بها الأمل في نفوس طلابه، رغم ما يحمله من هموم معيشية، مؤكدةً أن المعلم أثبت خلال الحرب أنه القدوة في الصبر والصمود والأصالة، إذ واجه نقص البيئة التعليمية والمعينات، فضلاً عن صعوبة الاستقرار المعيشي، ومع ذلك ظل يؤدي رسالته بإخلاص وأمانة، انطلاقاً من إيمانه بأن التعليم رسالة سامية قبل أن يكون مهنة، وترى دكتورة ندى فضل الله أن دور المعلم لم يعد أكاديمياً فقط، بل أصبح سنداً نفسياً وتربوياً للتلاميذ والطلاب الذين عاشوا آثار الحرب والنزوح والاضطراب، وتختصر رسالتها في أن الاحتفاء الحقيقي بالمعلم لا ينبغي أن يظل أسيراً للخطب والمناسبات، وإنما يجب أن يتحول إلى خطوات عملية لتحسين الأجور وبيئة العمل والمعينات التعليمية.
السؤال الأصعب:
ويطرح مختصون سؤالاً صعباً مفاده: كيف نطلب من المعلم أن يصنع أجيال المستقبل، بينما يواجه هو نفسه صعوبة في توفير احتياجات أسرته الأساسية؟ مؤكدين أنه لا يمكن أن تكون رواتب المعلمين شأناً هامشياً في أي مشروع لإصلاح التعليم، لأن المعلم الذي يعيش تحت ضغط الحاجة، ويعمل في بيئة تفتقر إلى أبسط المعينات، سيكون مطالباً بأداء مهمة عظيمة بأدوات محدودة، ولذلك فإن إنصاف المعلم السوداني ينبغي أن يتحول إلى سياسة واضحة، تبدأ بإعادة النظر في الأجور بما يتناسب مع التضخم وتكاليف المعيشة، ولا تنتهي بتحسين بيئة المدارس وتوفير الكتاب والمعينات التعليمية والتدريب المستمر، كما أن المناطق المتأثرة بالحرب والنزوح تحتاج إلى ترتيبات خاصة تضمن حماية المعلمين وتحفيزهم على الاستمرار في أداء رسالتهم، مع توفير ما يعينهم على العمل في البيئات الأكثر صعوبة، فالاستثمار في المعلم ليس عبئاً على الدولة، وإنما استثمار مباشر في مستقبلها.
خاتمة مهمة:
ومهما يكن من أمر.. ففي اليوم العالمي للمعلم، يبقى أصدق احتفاء به هو أن يتحول التقدير من كلمات إلى سياسات، ومن عبارات الامتنان إلى تحسين حقيقي في حياته، وسيظل المعلم السوداني واحداً من وجوه الصمود في زمن الحرب، فبعضهم رحل شهيداً، وبعضهم حمل جراحه ومضى، وآخرون ما زالوا يقفون كل صباح أمام السبورة، يكتبون بالطباشير ما عجزت الحرب عن محوه.






