مقالات الرأي

كيفما د غالب محمد طه .. يكتب حين يعود الضوء.. من يضمن أن يبقى؟

 

سنوات طويلة، كنت واحدًا من العاملين في المنظومة الإعلامية للهيئة السودانية للمواصفات والمقاييس. وكلما اقترب الرابع عشر من أكتوبر، كنا نستعد للاحتفال باليوم العالمي للمواصفات؛ نقرأ شعار المناسبة، ونفكر في الرسالة التي نريد إيصالها إلى الناس. كنا نحاول تقريب عالم المواصفات، بمصطلحاته الفنية ولجانه ووثائقه، من حياة المستهلك الذي لا يعنيه رقم المواصفة بقدر ما يعنيه أن يكون غذاؤه آمنًا، وما يشتريه مطابقًا لما وُعد به.

واليوم، أعود إلى المناسبة من زاوية مختلفة. لم تعد القضية كيف نشرح أهمية المواصفات للناس، وإنما كيف نستدعي ما تعلمناه منها في لحظة يواجه فيها السودان تحديًا بالغ القسوة: إعادة بناء ما دمرته الحرب.

يحمل احتفال هذا العام شعار «رؤية مشتركة لعالم أفضل»، مع التركيز على الهدف السابع من أهداف التنمية المستدامة، المتعلق بالطاقة النظيفة والميسورة التكلفة. وقد استوقفني أن الهيئة السودانية للمواصفات والمقاييس قرّبت هذه الرؤية العالمية إلى واقعنا بعبارة «رؤية مشتركة لسودان أفضل»، مصحوبة برسالة «الهيئة السودانية للمواصفات والمقاييس تحقق أهداف التنمية المستدامة».

وبين الرؤيتين، العالمية والسودانية، يبرز سؤال جدير بالتأمل: هل يكفي أن نتفق على إعادة بناء السودان، أم ينبغي أن نتفق أولًا على المعايير التي تجعل ما سنبنيه أفضل مما فقدناه؟ فكلمة «أفضل» ليست وعدًا مجردًا؛ إنها تعني أن تكون السلامة والكفاءة والعمر التشغيلي جزءًا من قرار البناء منذ بدايته.

لنأخذ الكهرباء مثالًا. قد تنجح أسرة سودانية، بعد شهور من الظلام، في شراء منظومة صغيرة للطاقة الشمسية. يعود الضوء إلى المنزل، ويتمكن الأطفال من المذاكرة ليلًا. لكن ماذا لو تعطلت المنظومة بعد أشهر؟ ومن يضمن أن الألواح والبطاريات آمنة، وأن أداءها يطابق ما أُعلن عنه، وأن الأسرة لن تضطر إلى إنفاق مدخراتها مرة أخرى؟

هنا تتجلى قيمة المواصفات وتقييم المطابقة. فالمسألة لا تتعلق بتوفير الكهرباء فحسب، وإنما بسلامة المعدات وكفاءتها وقدرتها على الاستمرار. وما ينطبق على منزل صغير ينسحب على مستشفى أو مدرسة تنتظر عودتها إلى العمل. فانقطاع الخدمة هنا قد يتجاوز الإزعاج إلى تهديد حياة إنسان أو ضياع مورد شحيح.

ولعل أحد أخطر الأخطاء خلال الإعمار هو الخلط بين الأقل سعرًا والأقل تكلفة. فالمنظومة التي تتعطل سريعًا، والمبنى الذي يحتاج إلى ترميم جديد، لا يمثلان توفيرًا حقيقيًا، وإنما خسائر مؤجلة سيدفع ثمنها مجتمع يحاول النهوض من آثار الحرب.

والمواصفات وحدها لا تضمن النجاح؛ فلا بد من فحص موثوق، ورقابة فاعلة، والتزام من الموردين والمنفذين، وصيانة تحفظ استمرارية الخدمة. وبهذا تتحول الرؤية المشتركة من شعار إلى مسؤولية يمكن قياس نتائجها ومساءلة القائمين عليها. وذلك يبدأ من شروط الشراء والتعاقد، لا بعد ظهور العيوب وتضاعف تكلفتها.

وقد أشارت الأستاذة رحبة سعيد عبد الله، المدير العام للهيئة السودانية للمواصفات والمقاييس، إلى أهمية تضافر جهود القطاعين العام والخاص، وتوظيف المواصفات الدولية وتقييم المطابقة لتحقيق أهداف التنمية المستدامة، وتعزيز قدرة المجتمعات على الصمود خلال الحرب ومرحلة الإعمار. وهي دعوة تستحق أن تجد طريقها إلى مشروعات الإعمار منذ التخطيط وحتى التشغيل والصيانة.

وقد أكون اليوم بعيدًا عن العمل في مجال المواصفات، لكن هذه المناسبات ما زالت جزءًا من تكويني المهني وثقافتي، ومن سنوات عزيزة قضيتها بين زملاء تعلمت معهم أن الجودة مسؤولية تجاه الإنسان وحياته. وأخص بالتقدير العاملين في المختبرات والرقابة وأعضاء اللجان الفنية، الذين قد تتجلى ثمار عملهم في حادث لم يقع، أو مال لم يُهدر، أو خدمة لم تتوقف.

ولعل أجمل ما نحتفل به في السنوات المقبلة ألا نكتفي بالحديث عن رؤيتنا المشتركة لسودان أفضل، وإنما أن نرى أثرها في حياة الناس، وفي خدمات آمنة تدوم، وفي موارد لا تُهدر.

فحين يعود الضوء إلى السودان، نريده أن يعود آمنًا، وأن يبقى.

 

وبالله التوفيق

زر الذهاب إلى الأعلى