تأثير الصراعات الأمنية والعسكرية على الاستقرار الدولي والإقليمي.

تقرير:بدرالدين عبدالرحمن
يشهد العالم حالة من السيولة الجيوسياسية والتصعيد غير المسبوق في بؤر التوتر الإقليمية والدولية.
ذلك لأن النظام الدولي يمر بمرحلة تحوّل حرجة تتراجع فيها أطر الدبلوماسية التقليدية لصالح الاعتماد المتزايد على القوة العسكرية،ما أعاد رسم خرائط التوازنات واستنزف مرتكزات السلم والأمن الدوليين.
تداعيات وأبعاد ومخاطر جمة طفت على السطح،نتيجة تزايد رقعة الصراعات المسلحة الراهنة،تداعيات طالت جوانب الاقتصاد العالمي، والأمن القومي، وسلاسل الإمداد،أثرت بشكل مباشر في إستقرار وسلامة الدول من عدة مناحي.
– تفكك قواعد الانضباط الدولي وبروز شبكات “الحروب بالوكالة”:
تتجلى إحدى أبرز سمات الصراعات الحديثة في اتساع رقعة “الحروب بالوكالة”،وتراجع هيمنة القطب الواحد لصالح نظام متعدد الأقطاب يتميز بالفوضوية الجيوسياسية.
إذ لم تعد المواجهات تقتصر على الجيوش النظامية للفاعلين التقليديين،بل أصبحت مسرحاً للتدخلات الخارجية والتنظيمات غير الحكومية المسلحة.
تحليلات متعددة مختصة بالعلاقات الدولية والصراعات الإقليمية،نشرت فى وقت سابق في وسائل إعلام مختلفة،أبانت أن الصراعات الإقليمية المعاصرة،تتجاوز حدودها الجغرافية لتصنع دوامات من التوتر المستمر،حيث يؤدي تداخل التنافسات العرقية والدينية مع التنافس الدولي إلى شلل المؤسسات الأممية وعجزها عن تطبيق أحكام القانون الدولي أو فرض قواعد اشتباك صارمة.
إن انعدام الثقة في المظلات الأمنية التقليدية، دفع العديد من القوى الإقليمية إلى تبني عقائد دفاعية هجومية تسعى لفرض الأمر الواقع من خلال التسليح المكثف.
– شريان الاقتصاد العالمي على محك التوترات البحرية والحروب التقنية:
تتأثر خطوط الملاحة الدولية وسلاسل التوريد والإمداد الحيوية بشكل مباشر جراء تفاقم النزاعات المسلحة المختلفة والمتباينة الأسباب.
ولم يعد خطر الممرات البحرية كباب المندب، والمضايق الاستراتيجية، والبحر الأسود مجرد تهديد أمني محلي،بل أضحى أزمة اقتصادية عالمية تتسبب في ارتفاع التضخم، وزيادة تكاليف التأمين والإنتاج.
ويترافق هذا التهديد مع صعود “حروب الجيل الخامس” والهجمات التقنية العابرة للحدود التي تستهدف الموانئ، وشبكات الكهرباء، والأنظمة المصرفية،مما يعقد القدرة على تحديد هوية المعتدي ويستنزف الجاهزية الاستراتيجية للدول.
– الأزمات الإنسانية وموجات اللجوء القسري:
لا تقتصر آثار النزاعات على المعارك والجيوش، بل تمتد لتخلق واقعاً إنسانياً مأساوياً يمتد آثاره للعديد من دول الجوار.
إذ تدفع الحروب الملايين للنزوح واللجوء،مما يشكل ضغطاً هائلاً على الموارد الاقتصادية والاجتماعية للدول المستضيفة.
وفي السياق،تؤكد تقارير المنظمات الإنسانية أن موجات الهجرة القسرية العابرة للحدود تصبح في كثير من الأحيان ورقة ضغط سياسي بين الدول، مما يفشِل خطط التنمية المستدامة ويغذي الخطابات المتطرفة والأزمات الداخلية في المجتمعات المستقبِلة.
– قراءة استراتيجية في مستقبل التوازنات الأمنية:
يرى تحليل صادر عن منظمة Consensus Security العالمية،أن “الصراعات الإقليمية لم تعد أزمات منفصلة ذات أبعاد محددة،بل غدت محركات رئيسية لتغيير بنية النظام الدولي ككل”.
وإن الانفاق العسكري المرتفع والسباق نحو التسلح المتقدم – لا سيما بالذكاء الاصطناعي والصواريخ الفرط صوتية – يعيدان رسم حدود الردع، ولكنهما في الوقت ذاته يرفعان من احتمالات وقوع مواجهات غير محسوبة أو أخطاء استراتيجية قد تدفع باتجاه حرب شاملة.
إلي ذلك،تؤكد جميع المؤشرات الجيوسياسية أن تحقيق الاستقرار الإقليمي والدولي لن يتأتى عبر الحلول العسكرية المنفردة أو فرض الهيمنة، بل يستلزم إعادة بناء الدبلوماسية متعددة الأطراف وتفعيل أطر القانون الدولي.
وإن ترك النزاعات دون حلول جذرية وعادلة سيبقي الأمن العالمي في حالة رهينة للأزمات المتكررة.
ممالاشك فيه،تؤثر الصراعات الأمنية والعسكرية بشكل مباشر ومدمر على الاستقرار الدولي والإقليمي،ويظهر ذلك من خلال تآكل منظومة الأمن الجماعي، لاسيما وأن الحروب تؤدي إلى إضعاف دور المؤسسات الدولية مثل الأمم المتحدة، وزيادة الاعتماد على التحالفات العسكرية الثنائية أو الإقليمية (مثل حلف الناتو).
فضلا عن انتشار السلاح والإرهاب،بسبب أن النزاعات تخلق “مناطق رمادية” غائبة السلطة،مما يوفر بيئة خصبة لنمو الجماعات والتنظيمات الإرهابية،وشبكات تهريب السلاح عبر الحدود والإتجار بالبشر والمخدرات.إضافة إلي إن الصراعات تتسبب في إغلاق الممرات المائية الحيوية والمجالات الجوية،مما يرفع التكاليف ذات الصلة عالمياً.
فى غضون ذلك،تؤدي الحروب في المناطق الغنية بالموارد (مثل الشرق الأوسط أو شرق أوروبا) إلى قفزات حادة في أسعار النفط،الغاز، والقمح، مما يرفع معدلات التضخم العالمي،ويزيد من هروب الاستثمارات،وبالتالى يتراجع الاستثمار الأجنبي المباشر في الأقاليم المضطربة، وتتحول ميزانيات الدول من التنمية والتعليم والصحة إلى التسليح والدفاع.
يبقي الانهيار الصحي والتعليمي،أحد أبرز الافرازات السالبة للصراعات الدولية والإقليمية،لاسيما وأنها تدمر البنية التحتية المدنية،مما يتسبب في تفشي الأوبئة، وانقطاع جيل كامل عن التعليم، وزيادة معدلات الفقر والبطالة.


