المغترب السوداني.. قلبٌ يهبط إلى الوطن قبل الطائرة.. بقلم: مطر الهادي فرح
أنت… نعم أنت.
جالس الآن في جدة، أو الرياض، أو لندن، أو واشنطن، أو باريس، أو أي مدينة تقيم فيها الآن. غرفتك هادئة، وهاتفك في يدك، وفاتورة على الطاولة، ثم فجأة… يزورك ذاك الشعور القديم الذي لا يكذب. الحنين.
ليس حنيناً عابراً. هو وخزة دافئة في الصدر، ورجفة تسري في الروح. تنهض بلا تفكير، تفتح خزانتك، تسحب حقيبتك الجلدية التي حفظت رائحة الوطن، تضع فيها جلباباً أبيض، وعطراً سودانياً، وصورة أمك. تحجز تذكرة، وتصعد الطائرة، فإذا بصوت المضيفة يهمس: نستعد الآن للهبوط في مطار الخرطوم الدولي.
هنا… قلبك هو الذي يهبط إلى الوطن قبل الطائرة. ودمعتك وحدها هي جواز سفرك.
تطل من نافذة الطائرة، فترى السودان من علٍ، وطناً لا يشبه الأوطان.
*أولاً: العاصمة المثلثة.. القلب الذي لا يشيب*
تحلق فوق الخرطوم، فترى الآية التي لا تتكرر في الأرض: المقرن. النيل الأزرق يأتي هادراً من هضاب الحبشة، والنيل الأبيض يأتي هادئاً من بحيرات الجنوب، يلتقيان، يتعانقان كأخوين عادا من غربة طويلة، لينجبا نهر النيل العظيم.
ثم تهبط، فتقبّل الأرض.
الخرطوم هي الرأس، فيها القصر الجمهوري، وجامعة الخرطوم التي أسسها كتشنر عام 1902، والمتحف القومي الذي يحفظ ذاكرة مروي وحلفا منذ 1971، وشارع النيل الذي لا ينام.
أم درمان هي الروح، فيها السوق الكبير، وبيت الخليفة عبد الله التعايشي، واستاد الهلال والمريخ، وأحياء العباسية والموردة والثورة التي أنجبت الثوار.
بحري هي المصنع والساعد، فيها المنطقة الصناعية ومصفاة الجيلي ومزارع السليت والحلفايا.
ثلاث مدن… بقلب واحد.
*ثانياً: الشمال.. حيث كتب الله أول سطر*
تمضي شمالاً، إلى حيث بدأ التاريخ.
الولاية الشمالية: عاصمتها دنقلا، ومدنها حلفا ومروي وكرمة ونوري وعبري والدبة. هناك في البجراوية ستقف مشدوهاً أمام أكثر من مائتي هرم، فالسودان كله يضم نحو 220 هرماً، أكثر مما في مصر. وهناك جبل البركل، الجبل المقدس، صنفته اليونسكو تراثاً إنسانياً منذ 2003.
نهر النيل: عاصمتها الدامر، ومدنها عطبرة وبربر وشندي والمتمة. عطبرة… مدينة الحديد والنار، مدينة السكة حديد.
*ثالثاً: الشرق.. عناق الجبل والبحر*
البحر الأحمر: عاصمتها بورتسودان، لؤلؤة البحر، بجزيرة سنقنيب وسواكن المرجانية.
كسلا: عاصمتها كسلا، ومدنها حلفا الجديدة وأروما وخشم القربة. هناك جبال التاكا وتوتيل ومكرام، وهناك القاش.
القضارف: عاصمتها القضارف، ومدنها دوكة والشواك والفاو، أرض السمسم والذرة.
*رابعاً: الوسط.. بطن السودان وخبزه*
الجزيرة: عاصمتها ود مدني، ومدنها الحصاحيصا والمناقل والكاملين ورفاعة، فيها مشروع الجزيرة، 2.2 مليون فدان.
سنار: عاصمتها سنجة، ومدنها سنار والدندر، وفيها محمية الدندر.
النيل الأبيض: عاصمتها ربك، ومدنها كوستي والدويم والقطينة. والدويم مدينة العلم، فيها بخت الرضا 1934.
النيل الأزرق: عاصمتها الدمازين، ومدنها الروصيرص وباو والكرمك.
*خامساً: كردفان.. الخزينة التي يحملها السودان على كتفيه*
شمال كردفان: عاصمتها الأبيض، عروس الرمال، ومدنها أم روابة والرهد وبارا وسودري.
جنوب كردفان: عاصمتها كادوقلي، ومدنها الدلنج وتلودي وأبو جبيهة وهجليج.
غرب كردفان: عاصمتها الفولة، ومدنها المنسية التي هي أصل الحكاية: الفولة، النهود، بابنوسة، المجلد، لقاوة، السنوط، أبو زبد.
*سادساً: دارفور.. الحكاية التي شوّهتها النشرات*
شمال دارفور: عاصمتها الفاشر، فاشر السلطان.
جنوب دارفور: عاصمتها نيالا، البحير.
غرب دارفور: عاصمتها الجنينة، دار أندوكا.
شرق دارفور: عاصمتها الضعين.
وسط دارفور: عاصمتها زالنجي، ومنها تصعد إلى جبل مرة، المعجزة التي ارتفاعها عشرة آلاف قدم.
*سابعاً: الأرواح التي لا تموت*
تسمع صوت السماء أولاً، صوت الشيخ نورين محمد صديق رحمه الله، وصوت الشيخ الزين محمد أحمد، صوتان حفظا القرآن في قلوبنا قبل المصاحف.
ثم ترى الطيب صالح في كرمكول، والبروفيسور عبد الله الطيب في الدامر، ومحمد وردي في وادي حلفا، ومحمود عبد العزيز في بحري.
*ثامناً: الثقافة والفنون والتراث.. الوجه الآخر للوطن*
في الفن، تسمع أغاني الحقيبة، حقيبة الفن التي كتبها عتيق وسرور وخليل فرح في عشرينيات القرن الماضي. وتسمع الطمبور في الشمال، والنقارة والدلوكة والمردوم في كردفان ودارفور.
وفي التراث، ترى الثوب السوداني الأبيض، والجلابية والعمامة والطاقية، وترى الجرتق، طقس الزواج المقدس، والحريرة والهلال، وترى الحناء نقشاً لا تمحوه السنين، وترى القهوة والجبنة في الشرق.
وفي الأدب، ترى الدوبيت والمربعات في كردفان، والمديح النبوي في كل مسجد وزاوية، وترى المسرح القومي في أم درمان، الذي أنجب الفاضل سعيد.
*الختام.. لماذا نعود؟*
تعود إلى الخرطوم، تجلس عند المقرن مع غروب الشمس، وتفهم كل شيء.
السودان ليس مليون ميل مربع، بل مليون حلم. هو 2,505,813 كيلومتراً مربعاً من الذهب والنفط والصمغ والهرم والنيل والثوب والطمبور.
وأنت حين حزمت حقيبتك في غربتك، لم تكن مسافراً إلى السودان… كنت راجعاً إلى نفسك.
لأن السودان ليس مكاناً نعيش فيه… السودان مكان يعيش فينا.
نحن لسنا مغتربين نبحث عن وطن، نحن أوطان تمشي على قدمين في شوارع الغربة.
*مطر الهادي فرح*


