مقالات الرأي

موطئ قلم د. أسامة محمد عبدالرحيم .. يكتب نداء قبل فوات الأوان

 

إلى الفريق أول ركن عبدالفتاح البرهان… رئيس مجلس السيادة والقائد العام للقوات المسلحة

 

ثمة لحظة في حياة الدول تصبح فيها الأزمات الداخلية أشد خطراً من التهديدات القادمة عبر حدودها، يحدث ذلك حين تتراكم معاناة المواطنين وتتراجع قدرتهم على الاحتمال، ويصبح الصبر الذي استندت إليه الدولة طوال سنوات المحنة مورداً مهدداً بالنفاد. ويبدو أن السودان يقترب من هذه اللحظة، بعد حرب استنزفت الأرواح والموارد، واقتصاد أنهكته الاختلالات، وحكومة لم تستطع حتى الآن تقديم أداء يوازي حجم التحديات أو يمنح المواطنين الثقة بوجود طريق واضح للخروج من الأزمة.

 

سيادة الفريق أول البرهان، لقد تحمل السودانيون خلال هذه الحرب ما يفوق طاقة الشعوب على الاحتمال. فقدوا أبناءهم ومنازلهم وأعمالهم ومدخراتهم، وواجهوا النزوح والتشرد وانهيار الخدمات، وقدموا تضحيات جسيمة دفاعاً عن بقاء دولتهم ومؤسساتها. وكانوا، كلما اشتدت عليهم وطأة الحياة، يجدون في ظروف الحرب تفسيراً لما يعانونه، وفي صمود القوات المسلحة أملاً يعينهم على الصبر. غير أن استمرار الحرب لا يمنح الجهاز التنفيذي إعفاءً مفتوحاً من مسؤولياته، كما أن تضحيات المواطنين لا ينبغي أن تتحول إلى رصيد تستهلكه الحكومات لتعويض قصورها.

 

لقد جاءت حكومة الأمل برئاسة الدكتور كامل إدريس محمولة على توقعات كبيرة، وفي ظرف استثنائي كان يقتضي اختيار الكفاءات القادرة على إدارة الأزمات واتخاذ القرارات وتنفيذها. لكن حصيلة أدائها حتى الآن تثير أسئلة جدية حول كفاءة الجهاز التنفيذي، وانسجام سياساته، وقدرته على تحويل الوعود إلى نتائج ملموسة. وتتضاعف هذه الأسئلة في ظل غياب مؤشرات أداء واضحة ومنتظمة تتيح للمواطن تقييم ما أنجزته الحكومة، وما تعثرت في إنجازه، وأسباب ذلك التعثر. ومع إدراك حجم الدمار الذي خلفته الحرب، فإن محدودية الموارد تفرض على الحكومة كفاءة أعلى في إدارتها، ومحاسبة أشد على أوجه القصور. فالمواطن الذي انتظر تحسناً في معاشه وخدماته يجد نفسه أمام أزمات تتوالد، وقرارات تتبدل، ووزارات تبدو أقرب إلى إدارة تداعيات الأزمة منها إلى معالجة أسبابها.

 

وجاءت توجيهاتكم الأخيرة باستدعاء وزيري المالية والتجارة، وإلغاء قرارات حظر استيراد عدد من السلع، وإعفاء سلع غذائية أساسية من الرسوم الجمركية، لتثير تساؤلات جدية حول سلامة آليات اتخاذ القرار الاقتصادي ومستوى التنسيق بين مؤسسات الدولة. ورغم ما تحمله هذه التوجيهات من استجابة مطلوبة لتخفيف الأعباء المعيشية، فإنها تفتح باب التساؤل حول كيفية تقدير الآثار الاقتصادية والاجتماعية للقرارات قبل صدورها، ومدى خضوعها للمراجعة المؤسسية. والأهم أن رفع الحظر والإعفاء الجمركي، رغم أهميتهما، لن يحققا الغاية المرجوة ما لم ينعكسا على الأسعار وتوافر السلع، في ظل اضطراب سعر الصرف وارتفاع تكاليف النقل وضعف الإنتاج. فالمطلوب يتجاوز تصحيح القرارات بعد صدورها إلى بناء منظومة اقتصادية قادرة على اتخاذ القرار الصحيح ابتداءً، ومتابعة أثره على حياة المواطنين.

 

الوقود يضغط على حركة النقل والإنتاج، والكهرباء تعطل المصانع والورش والمستشفيات، والمياه تنقطع عن أحياء أنهكها النزوح والدمار، والخبز وسائر الضروريات تثقل ميزانيات الأسر، بينما تتآكل القوة الشرائية للجنيه أمام العملات الأجنبية، وتتسع الفجوة بين الدخول وتكاليف المعيشة. وفي التعليم تتراكم خسائر الأجيال التي انقطعت عن الدراسة، وفي الصحة والعلاج يجد المواطن نفسه أمام خدمات محدودة وتكاليف تتجاوز قدرته. إنها أزمات مترابطة، يكشف استمرارها عن اختلال أعمق في أولويات الإدارة الاقتصادية والخدمية.

 

والأشد خطورة أن الاقتصاد السوداني يواجه معادلة تستنزف ما تبقى من قدرته على التعافي؛ إنتاج يتراجع، واعتماد على الواردات يتسع، وموارد محدودة تتوزع بين احتياجات الحرب ومتطلبات الحياة، بينما تتسرب عائدات وطنية مهمة خارج القنوات الرسمية. ويقف الذهب مثالاً صارخاً لهذه المفارقة، فبلد يمتلك ثروة معدنية معتبرة يعاني شح العملات الأجنبية، بينما يفتح التهريب منافذ لاستنزاف مورد كان يمكن أن يشكل ركيزة لاستقرار النقد وتمويل التعافي. وهنا يصبح السؤال عن قدرة الدولة على ضبط مواردها أكثر إلحاحاً من السؤال عن حجم تلك الموارد.

 

تحدث هذه الاختلالات بينما لا تزال الحرب مفتوحة على جبهات متعددة. دارفور تعيش مأساة ممتدة، وكردفان تشهد مواجهات تؤثر في أمن البلاد وخطوط إمدادها، والنيل الأزرق يواجه تهديدات تتداخل فيها الحسابات الداخلية والإقليمية. وفي الوقت نفسه، أظهرت هجمات المسيّرات على الخرطوم ومواقع بعيدة عن خطوط الاشتباك المباشر أن نطاق التهديد الأمني بات يتجاوز جغرافيا الجبهات التقليدية، وأن حماية العمق الوطني أصبحت جزءاً أصيلاً من معادلة إدارة الحرب.

 

وعلى المستوى الخارجي، يواجه السودان ضغوطاً سياسية ودبلوماسية متزايدة، إلى جانب اتهامات بتقديم بعض الأطراف الإقليمية دعماً عسكرياً للمليشيا. وتكشف هذه البيئة عن صراع تتداخل فيه المصالح الإقليمية والدولية مع موازين القوة الداخلية، بما يجعل تماسك الجبهة الوطنية عنصراً حاسماً في قدرة الدولة على الصمود والتفاوض وحماية سيادتها.

 

إن السودان، وهو يواجه هذه التحديات المتشابكة، يحتاج بصورةٍ عاجلةٍ إلى تقوية جبهته الداخلية بإسناد المواطن وتعزيز قدرته على الصمود. فالمواطن الذي تثقله أعباء المعيشة، وتستنزفه الأزمات اليومية، وتضيق أمامه سبل الحياة، يصعب أن يُطلب منه تحمل المزيد من تداعيات الحرب أو الضغوط الخارجية دون أن يجد من دولته ما يعينه على ذلك. وكلما استطاعت الدولة تخفيف الأعباء المعيشية، وتأمين الخدمات الأساسية، وحماية مصادر الدخل والإنتاج، ازدادت قدرة المجتمع على مواجهة ما قد تفرضه تطورات الحرب أو التحولات الإقليمية والدولية من تحديات إضافية. إن إسناد المواطن في هذه المرحلة استثمار مباشر في قوة الدولة ومناعتها الاستراتيجية، لأن الجبهة الداخلية المتماسكة تمنح القيادة مساحة أوسع للمناورة السياسية والعسكرية، وتحول دون أن تصبح معاناة الناس ثغرة ينفذ منها الخصوم للضغط على القرار الوطني.

 

وتكمن الخطورة في أن استمرار تدهور الأوضاع المعيشية قد يحوّل معاناة المواطنين إلى أزمة ثقة سياسية، تتراجع معها قدرة المؤسسات على حشد الطاقات الوطنية، وتتسع فرص الاستقطاب واستثمار الإحباط الشعبي. وعندئذ تصبح الأزمة الداخلية عبئاً إضافياً على دولة تواجه حرباً وضغوطاً خارجية متزايدة.

 

سيادة الفريق أول البرهان، إن مسؤولية القيادة في هذه المرحلة تتجاوز حماية الدولة من التهديدات العسكرية إلى ضمان كفاءة مؤسساتها المدنية. وحين تتكرر الأزمات وتتراجع قدرة الحكومة على معالجتها، فإن مسؤولية التقييم والتصحيح تنتقل إلى مستوى القيادة العليا، التي يقع عليها واجب التدخل في الوقت المناسب، قبل أن تتحول الاختلالات الإدارية إلى أزمات تهدد تماسك الدولة.

 

إن المطلوب اليوم مراجعة جادة وشجاعة لأداء حكومة الأمل، تبدأ بتقييم الوزراء وفق نتائج أعمالهم وقدرتهم على إدارة الملفات المسندة إليهم، وتنتهي بإعادة تشكيل الجهاز التنفيذي حيث تقتضي الضرورة، بعيداً عن المجاملات والمحاصصات وحسابات الترضية. غير أن تغيير الأشخاص وحده لن يعالج أزمة تتصل أيضاً بتداخل الصلاحيات وضعف التنسيق وغياب المحاسبة. فالمرحلة تحتاج إلى قرار سياسي يعيد ترتيب أولويات الحكم، وحكومة كفاءات تمتلك برنامج طوارئ اقتصادياً وخدمياً واضحاً، يحدد المسؤوليات والموارد والجداول الزمنية، ويخضع للتقييم على أساس الإنجاز.

 

وتقتضي هذه المراجعة ضبط الإيرادات العامة، وإحكام الرقابة على الذهب والصادرات، ومحاربة التهريب والفساد، وتحفيز الإنتاج الزراعي والصناعي، وترشيد الإنفاق الحكومي، وتوجيه الموارد نحو الكهرباء والمياه والصحة والتعليم، مع توفير حماية اجتماعية للفئات الأكثر تضرراً. كما تتطلب تنسيقاً فعلياً بين المؤسسات الاقتصادية والأمنية والتنفيذية، حتى تتحول إدارة الموارد إلى جزء من استراتيجية الصمود الوطني.

 

ومن أكثر السيناريوهات إثارة للقلق خلال المرحلة المقبلة أن تحقق الدولة تقدماً عسكرياً في بعض الجبهات، بينما تتراجع قدرتها على إدارة الحياة في المناطق الآمنة. فاستعادة الأرض تفرض مسؤولية استعادة وظائف الدولة فوقها، وأي فراغ خدمي أو اقتصادي يطيل معاناة المواطنين ويؤخر عودة النازحين ويضعف فرص التعافي والاستقرار. وقد يصبح التأخر في الإصلاح نفسه خطراً استراتيجياً، حين تتراكم الأزمات إلى درجة تفوق قدرة القرارات المتأخرة على احتوائها.

 

سيادة الفريق أول البرهان، لقد صبر السودانيون لأنهم أدركوا خطورة المعركة التي تخوضها بلادهم، وقدموا من التضحيات ما يمنحهم الحق في مطالبة دولتهم بأداء يليق بصمودهم. لكن الصبر الشعبي، مهما امتد، لا ينبغي أن يُعامل باعتباره مورداً بلا نهاية. وما تحتاجه البلاد اليوم قرار يعيد الثقة إلى المواطن، ويضع الكفاءة فوق المجاملة، والإنجاز فوق الوعود، والمصلحة الوطنية فوق كل اعتبار.

 

إن أخطر ما قد تواجهه الدولة أن تنتصر في معركة السلاح، بينما تكون قد استنزفت في الطريق قدرة مجتمعها على النهوض. فالجبهة الداخلية هي العمق الذي تستند إليه كل الجبهات، وحين يضعف هذا العمق تصبح كلفة الصمود أكبر، وتضيق خيارات الدولة أمام خصومها. لقد كان صمود المواطن أحد أهم أسباب بقاء الدولة خلال الحرب، لكن بقاء الدولة لا يجوز أن يظل معتمداً على صبر المواطن وحده.

 

والتاريخ قد يغفر للقيادات قرارات اتخذتها في ظروف بالغة الصعوبة، لكنه لا يتسامح كثيراً مع الفرص التي ضاعت بعدما أصبحت ضرورة الإصلاح واضحة للجميع.

 

ذلك هو النداء… قبل فوات الأوان.

 

الخميس، 22 أكتوبر 2026م

زر الذهاب إلى الأعلى