جالية جدة على الأبواب.. من عتمة الانقسام إلى فجر التوافق والإعمار .. بقلم: مطر الهادي فرح
ليست الجالية جداراً يُبنى، ولا لافتةً تُرفع، ولا ختماً يُوضع على ورق. الجالية فكرة، والفكرة إن ماتت مات معها كل شيء، وإن حييت أحيت كل شيء.
لأعوامٍ خلت، عاش السودانيون في جدة بلا بيتٍ جامع. جسدٌ بلا رأس، وقلوبٌ متفرقة، حتى كدنا ننسى أننا أبناء وطنٍ واحد. كانت حقبةً قاحلة، خيّم فيها الصمت وتوارى الصوت الجامع.
ثم انبثق الضوء، ولم يكن مصادفة، بل كان قراراً وإرادة.
*أولاً: إرادة الدولة وحكمة الدبلوماسي*
وراء هذا الفجر تقف إرادة دولة، وحكمة دبلوماسي من طراز رفيع، هو سعادة السفير الدكتور كمال علي عثمان، القنصل العام لجمهورية السودان بجدة.
لم يتعامل مع ملف الجالية كإجراءٍ إداري عابر، بل كقضية وطن وأمانة تاريخ. فكانت رسالته التاريخية هي المبدأ: هذه اللجنة لم تُشكّل لاستيفاء شكلٍ إداري، وإنما إيماناً بأن المشروع لا يكتمل إلا حين يكون أبناء الجالية أنفسهم شركاء في التخطيط والرأي.
تلك هي الدبلوماسية في أبهى صورها: دولة تتحمل مسؤولياتها وتمُد يدها لأبنائها ليكونوا شركاء في البناء.
*ثانياً: طريق لم يكن مفروشاً بالورود*
لم يكن طريق اللجنة مفروشاً بالورود. واجهت الكثير من العقبات والمتاريس، وحمل القائمون على أمرها في سبيل هدفهم الكثير من الأذى، من تشكيك وتثبيط ومحاولات لجرّ العمل إلى مربع الانقسام.
لكنهم مضوا، يعملون بجدٍ وصمت، مؤمنين أن الهدف الأسمى وهو قيام جالية تجمع الشتات، يستحق كل هذا العناء. فكان صبرهم هو سلاحهم، وعملهم هو ردهم.
*ثالثاً: لجنة التوافق والإعمار.. تكامل الأدوار*
في قلب هذا التحول وُلدت لجنة تسيير الجالية تحت اسمٍ يليق بالمرحلة: لجنة التوافق والإعمار. جاءت لا لتقصي أحداً، بل لتجمع الجميع تحت سقف الوطن.
وقد قيض الله لها رجالاً ونساءً آمنوا بالفكرة قبل اللقب، فتوزعت بينهم الأدوار في لوحةٍ متناغمة:
*القيادة والرؤية:* الدكتور أحمد الأموي، رئيس اللجنة، الذي وضع البوصلة منذ اليوم الأول: جاليةٌ تجمع ولا تفرّق، تخدم الجميع دون إقصاء، ذات طابع مدني أصيل.
*الحكمة والاتزان:* نائبه الزعيم تبن حسين عثمان، صمام الأمان، بحكمته الهادئة يجسر الهوة ويقرّب وجهات النظر.
*السند والعمود الفقري:* الأمين العام الأستاذ أحمد عبد الرحيم أحمد، الرجل الذي يعمل في الظل ليضيء الطريق للآخرين، حضوره سند ومتابعته ضمانة.
*الإعلام الحاضر:* الإعلامي مطر الهادي فرح، أمين أمانة الإعلام، صوت اللجنة وصورتها، ينقل الحقيقة بمهنية ويوثق الحراك حتى غدا الإعلام شريكاً أصيلاً في صناعة التوافق.
*المرأة الحاضرة:* الأستاذة علوية إبراهيم، التي أثبتت أن المرأة السودانية في قلب العمل العام، صوتاً واعياً وحضوراً فاعلاً يمثل الأسرة السودانية كلها.
*الحركة والتنسيق:* الأستاذ أنور عبد الله مدني، أمين الاتصال والتنسيق، دينمو الحركة الذي جعل من التواصل جسراً يربط كل بيت سوداني في جدة.
*الشباب والتنظيم:* الشاب محمد نور، مقرر اللجنة، شعلة النشاط وروح المستقبل، بتنظيمه الدقيق أثبت أن هذه الجالية هي جالية الغد.
*الميدان والكيانات:* الأستاذ عبد العظيم يوسف، أمين الكيانات، رجل الميدان الأول الذي حمل الملف الشائك على كتفيه وحول شتات الكيانات إلى صفٍ واحد.
*وتكتمل المنظومة ببقية الأمانات التي كانت لكلٍ منها بصمة:*
الدكتور أبو القاسم محمد نور، أمين العمل الطوعي، الذي جسد روح التكافل.
والأستاذ بشير مكي، أمين الأمانة الاجتماعية، الذي كان قريباً من هموم الناس وقضاياهم.
والأستاذ أبو بكر الصلوعابي، أمين أمانة الثقافة، الذي أعاد للثقافة دورها كجامعٍ للوجدان.
والشيخ شريف حاكم، أمين أمانة التوعية ومحاربة الظواهر السالبة، صوت الحكمة الذي يضيء طريق الوعي.
والأستاذ إدريس حماد، أمين أمانة المال، الرجل الأمين الذي حفظ الأمانة بمسؤولية وتجرد.
هكذا اكتمل العقد: قيادةٌ وحكمةٌ وسندٌ وإعلامٌ ومرأةٌ واتصالٌ وشبابٌ وميدانٌ وعملٌ طوعي واجتماعي وثقافي وتوعوي ومالي، منظومةٌ متكاملة تعمل كقلب رجلٍ واحد.
*رابعاً: الديمقراطية حين تمشي على قدمين*
ما يجري في جدة ليس تشكيلاً صورياً. إنه درسٌ بليغٌ في الممارسة الديمقراطية.
اختارت اللجنة الطريق الأصعب: طريق الشفافية. طرحت النظام الأساسي للنقاش، وعرضته على أهل القانون، وفتحت أبوابها لكل الطيف السوداني.
وكانت الاستجابة استثنائية. حراكٌ لم تشهده جدة منذ سنوات: جمعياتٌ عمومية في وضح النهار، وانتخاباتٌ بنزاهة، ونقاشاتٌ تعلو فيها لغة الوطن فوق كل لغة.
*خامساً: اللمسات الأخيرة*
اليوم، بعد صبرٍ طويل وجهدٍ مضنٍ، لم يتبقَ إلا اللمسات الأخيرة.
جالية جدة السليمة المعافاة أصبحت قاب قوسين أو أدنى. جمعيتها العمومية المرتقبة ليست مجرد اجتماع، بل هي إعلانٌ بنهاية حقبة الشتات وبداية عهد التوافق والإعمار.
شكراً لكل سوداني صبر ولم يفقد الأمل. وشكراً لكل الكيانات التي آمنت بأن السودان هو الجامع. وشكراً للجنة بكل أركانها التي أثبتت أن الإرادة الصادقة إذا اقترنت بالعمل المتجرد صنعت المستحيل.
لقد كان ليلاً طويلاً، وقد آن له أن ينجلي.
*مطر الهادي فرح*


