مقالات الرأي

كيفما د. غالب محمد طه يكتب.. حين احتاج المبصرون إلى كفيف

 

استوقفتني إشادة والي الخرطوم، الأستاذ أحمد عثمان حمزة، بمبادرة «الكفيف يُبصر مع المواصفات»، خلال زيارته لمعرض المواصفات الثقافي ضمن فعاليات ملتقى الخرطوم الأول للأشخاص ذوي الإعاقة. لكن ما خطر ببالي لحظتها لم يكن كلمات الإشادة بقدر ما كان حكاية قديمة سمعتها قبل سنوات، وظلت عالقة في ذاكرتي حتى اليوم.

حكى لي الشخص الذي تولى إدخال نسخ من كتاب «الكفيف يُبصر مع المواصفات» إلى السودان عبر أحد المعابر البرية، أن موظفي الجمارك أوقفوا الكتاب بعدما تعذر عليهم معرفة محتواه. كانت صفحاته مكتوبة بطريقة برايل، ولم يكن بينهم من يستطيع قراءتها. وساورتهم الشكوك في أنه قد يحمل رسائل سياسية ضد الدولة، فتوقف السماح بدخوله إلى حين التحقق مما كُتب فيه.

وكان الحل أن يستعينوا بشخص كفيف.

قرأ الرجل الكتاب، وأخبرهم بأنه لا يحمل شيئًا مما أثار مخاوفهم، وإنما يضم إرشادات ومعلومات توعوية للمستهلكين، أصدرتها الهيئة السودانية للمواصفات والمقاييس. وهكذا سُمح للكتاب بالدخول، بعدما استعان المبصرون بشخص كفيف ليخبرهم بما عجزوا عن قراءته.

لا أعرف لماذا بقيت هذه الحكاية في ذاكرتي كل تلك السنوات. ربما لأنها جعلتني أفكر في الطريقة التي ننظر بها إلى قدرات الآخرين، وكيف أننا قد نعرف الكثير عما لا يستطيعون فعله، ولا نعرف إلا القليل عما يستطيعون تقديمه.

تعود بداية هذه التجربة إلى عهد المدير العام الأسبق للهيئة السودانية للمواصفات والمقاييس، الدكتور عوض محمد أحمد سكراب، حين صدر الجزء الأول من سلسلة «الأمل والنور» بعنوان «الكفيف يُبصر مع المواصفات». وكانت الفكرة أن تصل إرشادات التوعية الاستهلاكية والمعلومات المتعلقة بالمواصفات والمقاييس إلى أشخاص لا يستطيعون قراءة المطبوعات المعتادة. وقد يبدو إصدار كتاب بطريقة برايل أمرًا بسيطًا، لكنه يعني الكثير لمن يحتاج إلى هذه المعلومات ولا يجدها في صورة يستطيع قراءتها.

عرفت خلال سنوات عملي في الإعلام والاتصال أن المؤسسات قد تبذل جهدًا كبيرًا في إعداد رسائلها التوعوية، وتختار لها الكلمات والصور والوسائل التي تراها مناسبة، ثم تنشغل بقياس ما نشرته وعدد من وصل إليهم. لكننا لا نتوقف دائمًا عند الذين لم تصلهم الرسالة، أو وصلت إليهم بطريقة لا يستطيعون الاستفادة منها. ومن هنا أجد أن قيمة «الكفيف يُبصر مع المواصفات» تتجاوز إصدار كتاب، إلى سؤال يستحق أن نطرحه كلما أردنا توعية الناس: كيف نطالب المستهلك بأن يعرف حقوقه، ويتحقق من سلامة ما يشتريه، إذا لم نُتح له المعلومات بطريقة يستطيع قراءتها؟

وقد أسعدني أن المبادرة لم تتوقف عند بدايتها الأولى، فقد استمرت في عهد المدير العام للهيئة، الأستاذة رحبة سعيد عبدالله، وشهدت إصدار الجزء الثاني من الكتاب. وأرى أن في هذه الاستمرارية ما يستحق التقدير؛ فليس مطلوبًا من كل إدارة أن تبدأ من الصفر، بل أن تحافظ أيضًا على ما سبقها من أعمال نافعة وتعمل على تطويرها.

ولم يقتصر الأمر على إصدارات برايل، فقد أنتجت الهيئة العديد من المواد التوعوية المصورة المترجمة إلى لغة الإشارة، لتصل رسائلها إلى الأشخاص الصم وضعاف السمع. وهي جهود تذكرنا بأن الناس لا يتلقون المعلومات بالطريقة نفسها، وأن علينا أن نفكر فيمن نخاطبهم قبل أن نختار الوسيلة التي نخاطبهم بها.

وفي الملتقى نفسه، قدم الدكتور هيثم حسن عبدالسلام ورقة علمية حول «إمكانية الوصول الآمن للأشخاص ذوي الإعاقة»، أعادت القضية إلى جانب آخر لا يقل أهمية، هو إعادة إعمار السودان. فقد دمرت الحرب الكثير من المرافق والخدمات، وأصبحنا أمام فرصة لإعادة التفكير في الطريقة التي نبني بها مدارسنا ومستشفياتنا ومبانينا العامة. وما جدوى أن نعيد بناء مرفق جميل، ثم نكتشف أن شخصًا يستخدم كرسيًا متحركًا لا يستطيع دخوله، أو أن كفيفًا لا يجد ما يعينه على التحرك فيه بأمان؟ إن بعض العوائق التي نحتاج إلى إزالتها لم تصنعها الحرب، بل كانت موجودة قبلها، ولا ينبغي أن نعيد بناءها بأيدينا.

ولعل أجمل ما يمكن أن نخرج به من إشادة والي الخرطوم بهذه المبادرة أن تجد تجربتها صداها في بقية مؤسسات الدولة، ونحن نتطلع إلى إعادة إعمار السودان. فليس المطلوب أن تصدر كل مؤسسة كتابًا بطريقة برايل، وإنما أن تنظر في خدماتها ومعلوماتها ومرافقها، وتسأل نفسها إن كانت متاحة حقًا لجميع المواطنين، بمن فيهم الأشخاص ذوو الإعاقة. لدينا اليوم فرصة لأن نبني سودانًا أكثر مراعاة لاحتياجات أبنائه، وأن نتجاوز أخطاء الماضي بدل أن نعيد إنتاجها. وأتمنى أن يجد الأشخاص ذوو الإعاقة مكانهم في خطط الإعمار منذ البداية، لا أن نتذكر احتياجاتهم بعد اكتمال البناء. فهم ليسوا مجرد مستفيدين من هذه الخطط، بل مواطنون ينبغي أن يكون لهم صوت في وضعها وتنفيذها.

وأعود إلى ذلك الكتاب الذي توقف عند أحد المعابر قبل سنوات. فما بقي معي من الحكاية لم يكن قرار السماح بدخوله، وإنما ذلك الشخص الكفيف الذي استعانوا به، فقرأ الكتاب وأوضح لهم ما فيه، ثم مضت الأمور في طريقها.

أما أنا، فكلما تذكرت ذلك الموقف، وجدت نفسي أتساءل: كم من إنسان حولنا نعرف ما لا يستطيع فعله، ولا نعرف بعد ما يستطيع أن يقدمه؟

وبالله التوفيق.

زر الذهاب إلى الأعلى