موطئ قلم د. أسامة محمد عبدالرحيم يكتب .. السودان ومبادرات السلام… اتفاق على المبادئ وخلاف على المصالح

اثنتان وعشرون دولة، وخمس منظمات دولية وإقليمية، وستة اجتماعات تشاورية، وحرب تقترب من إكمال عامها الرابع دون أن تلوح في الأفق تسوية تنهي مأساة السودانيين. تلك هي المفارقة التي يضعها اجتماع جنيف الأخير أمام المجتمع الدولي، وتثير سؤالاً يتجاوز أهمية الاجتماع وما صدر عنه من مواقف: هل تكمن أزمة السلام في السودان في نقص المبادرات، أم في غياب الإرادة القادرة على تحويلها إلى مسار واحد تتكامل فيه الضغوط والضمانات وأدوات التنفيذ؟
انعقد الاجتماع التشاوري السادس في جنيف وسط حراك دبلوماسي متزايد، شاركت فيه قوى دولية وإقليمية تتباين مصالحها وحساباتها تجاه السودان. وقد حمل بيانه تأكيدات بشأن وحدة البلاد وسيادتها، والحفاظ على مؤسسات الدولة، ورفض هياكل الحكم الموازية، ووقف التدخلات الخارجية التي تغذي الحرب بالمرتزقة والسلاح والتمويل. غير أن هذه المبادئ سبق أن تكررت في بيانات ومؤتمرات عديدة، بينما ظلت آليات تنفيذها دون مستوى التحديات. ومن هنا فإن أهمية جنيف تتوقف على قدرة المشاركين على تجاوز تجديد الالتزامات المعلنة إلى إجراءات عملية تعالج أسباب استمرار الحرب.
ولعل أكثر ما يستحق التوقف عنده أن الاجتماع جمع دولاً تختلف مواقعها من الحرب، وتتفاوت طبيعة علاقاتها بأطرافها، ومع ذلك انتهى إلى إدانة التدخلات الخارجية والدعوة إلى وقف تدفق السلاح والمرتزقة. والأكثر إثارة للتساؤل أن بعض الدول المشاركة تواجه اتهامات بالتأثير في مسار الصراع عبر علاقاتها بالأطراف المتحاربة أو ارتباطها بشبكات الإمداد والدعم. وهنا تتجاوز المعضلة اختلاف الرؤى إلى احتمال تضارب المصالح بين إنجاح التسوية والحفاظ على أوراق النفوذ التي أفرزتها الحرب. فكيف يمكن بناء سلام مستدام إذا ظلت بعض القوى تنظر إلى السودان باعتباره ساحة لتوازنات النفوذ، بينما تتعهد في البيانات المشتركة بالحفاظ على وحدته وسيادته؟
وفي هذا السياق، اكتسب الموقف السعودي أهمية خاصة، بعدما أكد نائب وزير الخارجية وليد الخريجي رفض المساواة بين الحكومة السودانية ومجلس السيادة وبين المليشيات التي ارتكبت جرائم بحق الشعب السوداني، وشدد على حماية مؤسسات الدولة ورفض الكيانات الموازية، مع الدعوة إلى مساندة الحكومة في تهيئة حوار سوداني سوداني داخل البلاد. ويحمل هذا الموقف دلالة سياسية وقانونية مهمة، لأنه يميز بين استمرارية الدولة ومؤسساتها من جهة، والمشروعية السياسية التي ينبغي أن تستند في نهاية المطاف إلى الإرادة الشعبية من جهة أخرى، مع رفض منح التشكيلات المسلحة وضعاً موازياً لمؤسسات الدولة. وبهذا يصبح الحفاظ على الكيان الوطني شرطاً أساسياً لأي تسوية مستدامة.
أما الموقف الأمريكي، الذي عبّر عنه مسعد بولس، فقد ربط انطلاق الحوار السياسي بالتوصل إلى هدنة إنسانية، باعتبارها شرطاً لتهيئة مشاركة مدنية واسعة تشمل السودانيين داخل البلاد واللاجئين خارجها. ومن حيث المبدأ، يصعب تصور حوار وطني حر وشامل بينما تتواصل العمليات العسكرية ويعيش الملايين تحت وطأة النزوح والخوف. لكن الإشكالية تكمن في طبيعة الهدنة وضماناتها، وما إذا كانت ستشكل مدخلاً لإنهاء الحرب، أم تتحول إلى فرصة لإعادة التموضع العسكري وترتيب موازين القوة استعداداً لجولة جديدة من القتال. ويكشف اختلاف ترتيب الأولويات بين الرياض وواشنطن عن سؤال مهم يتعلق بكيفية الجمع بين حماية مؤسسات الدولة وتهيئة البيئة الإنسانية والسياسية للتسوية.
وتقتضي معالجة هذه المعضلة التمييز بين الهدنة بوصفها ضرورة إنسانية، والهدنة بوصفها جزءاً من استراتيجية أشمل لإنهاء الحرب. فالتجربة السودانية كشفت هشاشة الاتفاقات التي تفتقر إلى الرقابة الفاعلة وآليات التحقق والمساءلة. ولذلك فإن أي هدنة مقبلة تحتاج إلى ضمانات تمنع استغلال وقف العمليات لتعزيز القدرات القتالية، وتكفل حماية المدنيين ووصول المساعدات، وتربط الانتقال إلى المراحل التالية بالتزامات محددة قابلة للتحقق، حتى لا تتحول الاستجابة الإنسانية إلى غطاء لتجميد الصراع وإعادة إنتاجه.
وتبرز هنا مشكلة أعمق تتعلق بهندسة عملية السلام نفسها. فقد تعددت المنابر بين جدة والقاهرة وجنيف والمسارات الأفريقية والدولية، وتوزعت الأدوار بين الرباعية والخماسية والاتحاد الأفريقي والإيغاد والأمم المتحدة. وتكشف تصريحات مسعد بولس الأخيرة عن توجه لإسناد الدفع نحو الهدنة الإنسانية إلى الرباعية، ودعم الحوار السياسي عبر الخماسية، وهو توزيع قد يحقق التكامل إذا خضع لمرجعية موحدة، وقد يعمق التباين إذا اختلفت الأولويات والضمانات بين المسارين. والأخطر أن تعدد المرجعيات قد يتيح للأطراف المتحاربة والقوى الخارجية الانتقال بين المنابر بحثاً عن الشروط الأكثر ملاءمة لمواقفها، بما يحول الدبلوماسية إلى مساحة لإدارة الوقت بدلاً من إدارة الحل.
ومن هنا تبرز الحاجة إلى مرجعية تفاوضية موحدة، تتكامل تحت مظلتها الجهود الإقليمية والدولية، وتقوم على ثلاث مراحل مترابطة؛ تبدأ بوقف مصادر إدامة الحرب والتدخلات الخارجية، بالتزامن مع ترتيبات هدنة إنسانية مراقبة بضمانات واضحة، وصولاً إلى حوار سوداني واسع يفضي إلى ترتيبات سياسية ودستورية متفق عليها. ويقتضي نجاح هذا المسار وجود آلية تنسيقية تضبط العلاقة بين مراحله، وتحدد المسؤوليات ومؤشرات التنفيذ، مع الحفاظ على ملكية السودانيين للعملية السياسية. فالمشكلة ليست في كثرة الوسطاء بقدر ما تكمن في تعدد المرجعيات التي تمنح كل طرف فرصة لتعطيل ما لا يناسبه، والالتفاف على ما سبق أن التزم به.
غير أن توحيد المبادرات لن يكون كافياً ما لم يُحسم السؤال المتعلق بطبيعة الدولة التي يُراد أن تنتجها التسوية. فالسودان يحتاج إلى سلام يعالج جذور اختلال السلطة والسلاح، ويؤسس لجيش وطني واحد، ومؤسسات مدنية فاعلة، وترتيبات انتقالية ذات شرعية وطنية تنتهي إلى تفويض شعبي عبر انتخابات حرة. كما ينبغي أن يقوم الحوار على تمثيل وطني واسع ومعايير واضحة للمشاركة، بعيداً عن احتكار مجموعات سياسية محددة لحق اختيار المتحاورين واستبعاد الآخرين. فالسلام الذي يُصاغ بمنطق المحاصصة بين النخب قد يعيد إنتاج الأزمة، مهما اتسعت مظلته الدولية.
وثمة بُعد استراتيجي لا يجوز إغفاله، يتمثل في أن الحرب السودانية تجاوزت حدودها الوطنية، وأصبحت تتداخل مع حسابات أمن البحر الأحمر والقرن الأفريقي ودول الجوار. ولهذا فإن نجاح التسوية يرتبط بقدرة المجتمع الدولي على معالجة شبكات الدعم الخارجي، وضبط الحدود ومسارات الإمداد، ومنع تحويل الأراضي المجاورة إلى منصات لإدامة الصراع. فالسلام الداخلي سيظل هشاً ما دامت البيئة الإقليمية تسمح بإعادة إنتاج الحرب، وما دامت بعض القوى ترى في استمرارها وسيلة للاحتفاظ بنفوذ سياسي أو اقتصادي أو أمني.
وأمام هذا المشهد، تبدو عملية السلام مفتوحة على ثلاثة احتمالات؛ أولها نجاح التنسيق الدولي في إنتاج مسار تفاوضي موحد بضمانات قابلة للتنفيذ، وثانيها استمرار تعدد المنابر مع تحقيق هدن جزئية تخفف المعاناة دون معالجة أسباب الحرب، وثالثها، وهو الأخطر، تحول خطوط السيطرة العسكرية إلى مناطق نفوذ مستقرة نسبياً، بما يفتح الطريق أمام تقسيم فعلي للدولة رغم استمرار الاعتراف الدولي بوحدتها. وتزداد خطورة هذا الاحتمال كلما طال أمد الحرب، وترسخت الهياكل الموازية، وتعمقت ارتباطات الأطراف المسلحة بشبكات الدعم والمصالح الخارجية.
إن اجتماع جنيف جدد التوافق الدولي المعلن حول وحدة السودان وضرورة إنهاء الحرب، لكنه ترك السؤال الأصعب دون إجابة حاسمة: من يملك الإرادة والقدرة على إلزام الأطراف بتنفيذ هذه المبادئ؟ فالاختبار المقبل سيكون في مدى استعداد الدول المشاركة لتحمل مسؤولياتها تجاه وقف مصادر تمويل الحرب وتسليحها، وتوحيد المسار التفاوضي، وتوفير ضمانات حقيقية للهدنة، وربط الحوار السياسي بمشروع وطني يعيد بناء الدولة ويحفظ سيادتها.
لقد أصبح السودان محاطاً بالمبادرات إلى درجة تكاد تفوق قدرته على استيعابها، بينما لا يزال شعبه ينتظر المبادرة التي تغيّر واقعه. وربما كانت الرسالة الأهم من جنيف أن المجتمع الدولي بات أقرب إلى الاتفاق على ما ينبغي أن يكون عليه السلام، لكنه لم يتفق بعد على الكيفية التي تجعله ممكناً، ولا على الثمن السياسي الذي يتعين على الأطراف المختلفة دفعه لإنجاحه.
وبين كثرة المنابر وغياب الطريق الموحد، يبقى الخطر أن تتحول عملية البحث عن السلام إلى عملية دائمة، بينما تصبح الحرب واقعاً يجري التعايش معه. فالسودان الذي أنهكته الحرب يحتاج إلى إرادة تنهيها، قبل أن تصبح المبادرات المصممة لإنقاذ وحدته شاهداً على ضياع الفرصة الأخيرة لحمايتها.
الجمعة، 23 أكتوبر 2026م


