فريق شرطة (حقوقي) د. الطيب عبدالجليل حسين يكتب .. بين ثقافة الصمت وسلطة القانون: (عندما تُسقِط التنازلات حق الطفل والمجتمع)

تفتح يوميات الشرطة وأحوالها الوقائعية والمدونات الصحفية والأبحاث التاريخية والفلكلورية نافذة نقدية حية على ملفات المسكوت عنه في المجتمع السوداني في الواقع والذاكرة الاجتماعية السودانية عن قضايا الجسد، والطفولة، وحماية الضحية، لا سيما ما يتعلق بجرائم الانتهاكات والجنس الواقعة على الأطفال والمراهقين، والسلوكيات المتعدية عبر الفئات العمرية المختلفة. وتبدو هذه التناولات محاولة جادة لتفكيك ثقافة (السترة) والصمت الاجتماعي، والانتقال من منطق التستر والتغاضي إلى منظومة المسؤولية الأخلاقية والمساءلة المؤسسية. وهو ما تجلّى بوضوح في واقعة مراهق (أم درمان – حي التاج)، التي تداولتها الوسائط الاجتماعية مؤخراً كنموذج صارخ لهذه المواجهة العدلية والمجتمعية.
في هذا السياق، تبرز كتابات نقدية ومقالات صحفية، ومنها ما أثير حول كتاباتها ذات الطابع الجريء في نقد الهيمنة الذكورية وتفكيك ممارسات السلطة والمجتمع، حيث سلّطت الضوء على كيفية تشكّل النظرة الاجتماعية تجاه الجسد، وكيف تُغلف بعض الانتهاكات بالصمت أو التبرير المجتمعي تحت دعاوي الحرج وحفظ السمعة، مما يحرم الأطفال والضحايا من الحماية والعدالة الناجزة.
وتكتسب هذه القراءة بُعداً تاريخياً وتوثيقياً عميقاً عند العودة إلى المراجع التأسيسية لتاريخ العمران والمجتمع في السودان، وفي مقدمتها كتاب (تاريخ الخرطوم: تاريخ نشأة وتطور مدينة الخرطوم)؛ إذ استعرض التحولات الديمغرافية والاجتماعية التي رافقت نشأة مدينة الخرطوم إبان فترة الحكم الثنائي(الإنجليزي-المصري)، راصداً عبر الأرشيف الاستعماري أشكال الحياة داخل المعسكرات ومقار سكن الموظفين المغلقة، وطبيعة الظواهر والعلاقات الاستثنائية المسكوت عنها التي نشأت في مجتمعات الذكور والخدمة المنزلية من الخدم والسفرجية (ذكوراً وإناثاً وصبياناً مراهقين). وتتقاطع هذه الملاحظات التاريخية تقاطعاً وثيقاً مع الواقع العملي والمدونات المعاصرة، التي تكشف عن استمرار أخطار هذه الظواهر وتجلياتها في البيئات والتجمعات المغلقة ذات الإقامة الجماعية المماثلة؛ كالخلاوي، وداخليات المدارس الدينية، والأندية الرياضية.
وعلى صعيد البحث الأنثروبولوجي والفلكلوري المعاصر، يأتي مشروع كتاب (العيالاتية) لمؤلفه السوداني الجنسية (قيد البحث والطباعة)؛ ليمثل محاولة لتفكيك الظاهرة عبر السرد الشفاهي والأمثال والنكات والألقاب المتداولة في الأحياء السودانية. حيث يرتكز مشروع الكتاب على تتبع كيفية تعاطي الذاكرة الجمعية للسودانيين مع استغلال الأطفال والشباب، مؤكداً أن الحكاية الشعبية ليست لائحة اتهام جنائية ضد أفراد أو مناطق، بل هي أداة لمساءلة ثقافة الصمت عن اللواط، وتحويل السؤال الاجتماعي من البحث عن (من ننسب له العار) إلى السؤال الإنساني الجوهري: (ماذا حدث للضحية؟ ومن عرف؟ ولماذا سكت المجتمع؟).
تتضافر هذه الرؤى الكتابية والتاريخية لتؤكد أن التعامل مع قضايا الانتهاكات الجنسية الواقعة على القاصرين والمراهقين لا يمكن اختزاله في تسويات صلحية (بالتنازل) أو تعهدات إدارية تُنهي البلاغات إجرائياً؛ بل يتطلب مكاشفة مجتمعية وتطبيقاً صارماً لسيادة القانون وحماية (المصلحة الفضلى للطفل المراهق)، بعيداً عن اعتبارات الخوف، والتستر، والتوازنات الاجتماعية التقليدية.
ففي كثير من المجتمعات، لا تبدأ أزمة الاعتداء على الأطفال بالفعل الضار نفسه، وإنما تبدأ بعده؛ عند اللحظة المفصلية التي يُطلب فيها من الضحية وأسرته الخيار بين مواجهة الحقيقة أو الانكفاء على الصمت، وبين المضي في الإجراءات الجنائية أو القبول بتسوية سريعة حفاظاً على السمعة والعلاقات الاجتماعية وتجنباً للوصمة. وتتجلى هذه الإشكالية بوضوح عند تأمل الوقائع التي ينتهي فيها بلاغ جنائي يتعلق باتهام رجل بالتحرش بطفل مراهق ذكر قاصر إلى التنازل المباشر من الشاكي، لتكتفي النيابة العامة بإنهاء البلاغ وإطلاق سراح المتهم بعد توقيعه تعهداً رسمياً بعدم التعرض للطفل (المراهق) مستقبلاً؛ حيث يبدو هذا الإجراء من زاوية شكلية مخرجاً لسداد ملف الخصومة، لكنه يطرح سؤالاً أكبر وأعمق من جدران النيابة العامة نفسها حول ما إذا كان التنازل والتعهد يكفيان لحماية الطفل المراهق وتحقيق العدالة أم أنهما يعيدان إنتاج نمط جديد من التستر والمساومة على حساب الطرف الأضعف.
وانطلاقاً من هذا التساؤل الجوهري، ينبغي القول إن جوهر المشكلة لا يتعلق بحق ولي الأمر في التنازل الإجرائي فحسب، وإنما بطبيعة المصلحة القانونية محل الحماية؛ فعندما يكون المجني عليه طفلاً مراهقاً، يتجاوز الأمر أطر النزاع الفردي ليصبح متعلقاً بحماية الفئات المستضعفة التي تنوب الدولة بأجهزتها العدلية عن رعايتها، كون الطفل ليس طرفاً مكتملاً في موازين القوة الاجتماعية أو النفسية أو القانونية. ومن ثم، فإن تصرف النيابة العامة بإنهاء الملف بمجرد تنازل ولي الأمر يُسقط بالكامل الحق العام للدولة ويُفرغ قوانين حماية الطفل والقانون الجنائي من جوهرهما الفلسفي في إصلاح المجتمع ومنع الجريمة والعقاب، لا سيما وأن ولي الأمر نفسه قد يخضع لضغوط مجتمعية أو عشائرية، أو يقع تحت هيمنة الخوف من الفضيحة، ليصبح التنازل وسيلة لإغلاق القصة (الرواية) لا لإحقاق الحق، وهو ما يحوّل الجريمة الجنائية إلى مجرد نزاع شخصي يتم تسويته بالتراضي.
ويتصل بضعف هذه التسوية الإجرائية تساؤل آخر حول مدى فاعلية التعهد الإداري وما إذا كان يعالج جذور الخطر أم يقتصر دوره على تسجيل وعد مستقبلي، إذ إنه قد يمنع تكرار السلوك من الناحية الشكلية تجاه ذات الضحية، لكنه لا يجيب عن أسئلة أكثر خطورة تتصل بملابسات الواقعة، ومدى وجود ضحايا آخرين سقطوا في ذات النمط السلوكي، وحجم الضرر النفسي الذي لحق بالمراهق، ومدى احتياج الجاني إلى تقييم أو علاج سلوكي وقائي. إن الاكتفاء بورقة تعهد في جرائم التحرش الجنسي يبعث برسالة تقليل من حجم الفعل، وتمنح المعتدي فرصة للإفلات دون ردع جنائي أو تأهيل مؤسسي، مما يترك المجتمع والطفل تحت مخاطرة تكرار الفعل، وينقاد بالضرورة إلى تغذية ثقافة الصمت والتستر التي حذر منها الباحثون في علم الجريمة والتاريخ الاجتماعي؛ فحين يتحول الاعتداء إلى سر عائلي أو ملف يُغلق رسمياً بالتنازل، يتحول الخطر الحقيقي إلى غياب المعرفة الكاملة بالواقعة وضياع فرصة المؤسسات في فهم أنماط الاستغلال ومنعها.
وبناءً على ذلك، يتضح أن التعامل مع القاصر بوصفه مجرد ملحق بولي أمره يتجاهل الأثر النفسي والاجتماعي للضحية الذي يجمع شجاعته للإبلاغ ثم يصاب بخيبة أمل قاسية حين يرى المنظومة العدلية تنهي قضيته بتعهد شكلي يترك المعتدي حراً في ذات البيئة، دون أن يعني ذلك بالضرورة الدعوة إلى الإدانة المسبقة أو المساس بقرينة البراءة المصونة دستورياً، بل التمييز الواجب بين انتهاء الخصومة إجرائياً بالتصالح وبين معالجة أسبابها وآثارها موضوعياً بالحق العام. وتأسساً على ما تقدم، فإن المجتمعات التي تسعى جادة لحماية أطفالها لا تكتفي بالإغلاق السريع للبلاغات وتكديس الأوراق، بل تعمل على تفكيكها وفهمها، ولا تكتفي بالتعهدات الفردية، بل تبحث عن الضمانات المؤسسية الشاملة؛ فبين النص القانوني وواقع الطفل الضحية مساحة واسعة تُسمى العدالة، وأول اختبار لهذه العدالة هو قدرتها على جعل المصلحة الفضلى للطفل فوق اعتبارات الصمت، والخوف، والتوازنات الاجتماعية.
وتأسساً على ما تقدم، واستناداً إلى الدور الأصيل للنيابة العامة في حماية المجتمع وتوفير المظلة العدلية للفئات الأكثر هشاشة، يصبح واجباً استثنائياً على النائب العام التدخل بموجب سلطاته الدستورية والرقابية؛ عبر طلب أوراق هذا البلاغ الجنائي فوراً، وإلغاء قرار إنهائه بالتنازل والصلح العشائري(الأهلي)، وإعادة تكييف الواقعة باعتبارها جريمة تمس الشأن العام وتستوجب مباشرة الدعوى الجنائية. إن حماية الأطفال والمراهقين ليست شأناً شخصياً يُترك لأهواء التسويات، بل هي التزام حتمي يقتضي السير في إجراءات التحقيق والاتهام حتى صدور حكم قضائي بات يحدد المسؤوليات ويحقق الردع العام والخاص؛ فإن استرداد (الحق العام) في مثل هذه الجرائم يشكل الضمانة الوحيدة لتفكيك ثقافة الصمت، وقطع الطريق أمام الإفلات من العقاب، وترسيخ سيادة القانون، وإنفاذ الحماية الفضلى للطفولة أمام منصات القضاء العادل.
فريق شرطة (حقوقي)
د. الطيب عبدالجليل حسين محمود
المحامي استشاري القانون والموثق
24 أكتوبر 2026م


