حوار مع الأديب السوداني د.أسامة رقيعة

د. أسامة رقيعة: أنا لا أكتب بحثاً عن الخلود.. فالآخرة هي الناقد الأخير لكل ما فعلناه
*الأديب السوداني أسامة رقيعة: بورتسودان في عنقي دين روائي لم أسدده بعد.. والسودان أكبر من الحرب وسيبقى بعدها.
د. أسامة رقيعة: كي نحيا نحتاج القليل من الخبز والكثير جداً من الحب.. والشهرة ابنة لحظتها.
من بورتسودان إلى العالمية.. أسامة رقيعة: الترجمة منحتني وطناً إضافياً دون أن أغادر وطني
حوارالاستاذة / زكية احمد عيسى
أسامة رقيعة من مواليد مدينة بورتسودان 1969م تخرج في جامعة الخرطوم يعتبر خبير ومستشار قانوني كتب في القانون👇
ـ المدخل لدراسة قانون الشركات.
ـ قانون الشركات السوداني والهندي الإنجليزي.
ـ مقالات في الإقتصاد و القانون.
ـ المرشد إلى فهم قوانين الإيجار في دبي.
يكتب القصة والرواية كما تناول أدب الرحلات في كتابه
( خواطر وترحال)، له عدة روايات. يُقال عن روايته (شبح شفاف) إنها ثورة روحية في السرد العربي الحديث. أما كتابه ( أثر لا يغيب) فهو يضم مجموعة من القراءات والتأملات التي تتجاوز حدود القراءة النقدية لتلامس الإنسان والفكرة والحياة، في رواية ( الوتر الضائع) فقد جسد من خلالها رحلة القلق النفسي الذي يصيب إنسان هذا العصر،
اما روايته ( أحداث منتصف النهار) فهي تأكيد لمفهوم الحب والخير والفضيلة،وفي رواية ( مامبا سوداء) جمع بين عالمي الحضر والبداوة بأسلوب فني ممتع، كما نجده في رواية ( اللحن المفقود) تناول أجواء المجتمع السوداني بكل عاداته وتقاليده.
ترجمت أعماله الى عدة لغات ،كما نال عدد من الجوائز القيمة.
أسامة رقيعة الكاتب القانوني الذي يقول:
( كي نحيا نحتاج الى القليل من الخبز والكثير جدًا من الحُب… فالخبز ينشيء بيننا الخصام والحب يجعلنا نقتسم الحب ونودع الخصام)
نلتقيه في هذا الحوار بكل الود والتقدير لنقترب من عالمه أكثر.
🟢 *لو نزعت عن أسامة رقيعة صفة الكاتب والمستشار القانوني والباحث الدكتور وكل الألقاب، فمن هو الإنسان الذي يبقى*؟
✒️لن يحدث أية تغيير سوف أظل أنا الإنسان البسيط، الذي له أخطاؤه ونقاط ضعفه، يحب أهله وأصدقاءه، ويحاول أن يكون وفياً لمن أحسن إليه، وألا يحمل في قلبه ضغينة لأحد. وكلما تقدمت في العمر ازددت اقتناعاً بأن حسن الأثر في الناس أهم من الالقاب وأهم من حسن السيرة المكتوبة عن الإنسان.
🟢 *يقول جان إيف تادييه: «إن هناك (أنا) عظيمة غير معروفة هي أنا القاص، التي تتجزأ إلى عدد كبير من الأنوات المتتالية. من هي أنا القاص داخل أسامة رقيعة*؟
✒️القاص والروائي في داخلي هي أكثر أنواتي عصياناً؛ لا المحامي يستطيع ضبطها بالقانون، ولا الباحث يمكن له ان يخضعها للمنهج ، وحين أمسك بالقلم أعرف من أين بدأت، لكنني لا أعرف إلى أين ستأخذني تلك الأنا .
🟢 *هل تتحكم في أبطالك أم يتحكمون فيك؟ وكيف تتصرف مع البطل المتمرد داخل روايتك*؟
✒️في البداية أتوهم أنني أتحكم فيهم، ثم يبدأ العصيان الجميل، لذلك عندما تتمرد الشخصية أتركها تمضي لأن الشخصية التي تطيع الكاتب في كل شيء غالباً لن تشبه الإنسان الحقيقي.
🟢 *يعتبر المكان فاعلاً سردياً يؤثر في نفسية الشخصية، سواء كانت داخل الرواية أم خارجها*؟
✒️بالتأكيد. المكان ليس مسرحاً صامتاً للأحداث، المكان له ذاكرة ورائحة ومزاج وسلطة خفية علينا. بعض الأماكن نسكنها، وبعضها يسكننا إلى الأبد.
🟢 *تمتاز بورتسودان بزخم من التراث والحكي والموروثات الثقافية والروحية، فلماذا لم تدخل هذه المدينة المميزة بقوة في كتاباتك*؟
✒️بورتسودان لم تغب عن كتابتي؛ ربما اختبأت فيها ، البحر ، والميناء ، والوجوه وتعدد الثقافات والذاكرة الأولى كلها تسكنني. وبعض المدن نؤجل الكتابة عنها لا لأننا نسيناها، بل لأننا نحبها أكثر مما تسمح به الكتابة. ولبورتسودان في عنقي دَيْن روائي لم أسدده بعد.
🟢 *ما رأيك في منطق أن المؤلف غير موجود داخل النص، وإنما القارئ هو الذي يتخيله*؟
✒️أؤمن بأن سلطة الكاتب تنتهي، إلى حد بعيد، لحظة نشر الكتاب ، بعد النشر يصبح النص ملكا للقارئ؛ يقرأه بذاكرته وتجربته وأسئلته، وقد يكتشف فيه معنى لم يقصده الكاتب أصلاً ، وهذه إحدى معجزات الأدب.
🟢*ماذا يضيف تعدد الأصوات للرواية*؟
✒️يمنع الحقيقة من الاستبداد، في الحياة لا توجد نافذة واحدة نطل منها على العالم؛ لذلك أحب أن أترك للشخصيات حق الاختلاف، حتى معي أنا ككاتب.
🟢 *حدثنا عن التناص الثقافي في «شبح شفاف» و«مامبا سوداء*؟
✒️هو انعكاس طبيعي لتكويني وقراءاتي ، فالكاتب يحمل معه الدين والموروث والأسطورة والحكاية الشعبية والفلسفة وما تراكم في ذاكرته من ثقافات، لكنني لا أحب التناص بوصفه استعراضاً للمعرفة، فالتناص يجب أن يدخل النص كما يدخل الملح في الطعام ، تشعر بأثره دون أن يطغى على المذاق.
🟢 *فكرة «شبح شفاف» تثير الفضول بتناول الأسئلة الوجودية والدخول إلى عالم الروحانيات. هل وجدت هناك الإجابات التي كنت تبحث عنها*؟
✒️لم أدخل عالم الروحانيات بحثاً عن إجابات جاهزة، وإنما بحثاً عن معنى أوسع للوجود. وما اكتشفته أن بعض الأسئلة لا تحتاج إلى إجابة بقدر حاجتها إلى بصيرة؛ وكلما اتسعت الروح، اتسع السؤال.
🟢*يبدو في كتاباتك انشغال واضح بالروح وما وراء العالم المحسوس؛ كيف تنظر إلى العلاقة بين الأدب والإيمان؟ وهل يمكن للأدب أن يكون طريقاً لمعرفة الإنسان بربه وبنفسه*؟
✒️أؤمن أن الإنسان أكبر من جسده، وأن الحياة أوسع مما تدركه الحواس. والأدب بالنسبة لي رحلة إلى ذلك الجزء الخفي من الإنسان؛ إلى خوفه ورجائه وضعفه وأسئلته. والإيمان لا يضيّق مساحة السؤال، بل يمنحه معنى. وكلما عرف الإنسان نفسه بصدق، أدرك فقره وضعفه وحاجته إلى الله.
🟢 *في «مامبا سوداء» جمعت بين العالم المتحضر وعالم البداوة، ماذا أردت من ذلك*؟
✒️تعمدت تقريب عالمين يبدوان متناقضين لأقول إن الإنسان في جوهره واحد. تتغير الملابس والبيوت ووسائل الحياة، لكن الحب والخوف والطمع والوفاء والخيانة لا تحتاج إلى جواز سفر.
🟢*تصنف «اللحن المفقود» ضمن الروايات البوليسية؛ هل يمكن القول إن أسامة المحامي هو الذي كتب هذه الرواية*؟
✒️المحامي فيها حاضر بلا شك؛ منحني الشك في الظاهر، والبحث عن الدليل، وعدم التسليم بالرواية الأولى. لكن القانون وحده لا يصنع رواية؛ المحامي بحث عن الحقيقة، والروائي بحث عن الإنسان المختبئ خلفها.
🟢 *كيف توازن بين عالم القانون وعالم القلم*؟
✒️لم أشعر يوماً أنهما خصمان. القانون علمني الدقة والإنصاف وقراءة التفاصيل، والأدب علمني أن وراء كل ملف إنساناً له خوف وحلم وحكاية.
🟢 *بين العقل الذي صنعه القانون، والخيال الذي غذّاه الأدب، والروح التي تبحث عن اليقين؛ أي هذه الأصوات أقرب إلى أسامة رقيعة الحقيقي*؟
✒️كلها أنا. القانون علمني ألا أحكم قبل أن أسمع، والأدب علمني أن الحقيقة الإنسانية أوسع من الأدلة، والروح علمتني أن العقل، على عظمته، له حدود. وأحاول أن أعيش في المسافة التي تتصالح فيها هذه الثلاثة، لا أن ينتصر أحدها على الآخر.
🟢*حدثنا عن كتابك «عبقرية سعيد لوتاه»*؟
✒️حاولت فيه ألا أكتب سيرة رجل ناجح فقط، وإنما أن أفهم العقل الذي كان خلف التجربة. سعيد لوتاه بالنسبة لي حالة تستحق الدراسة في الاقتصاد والتعليم والعمل الخيري وبناء الإنسان. كان السؤال الذي شغلني: ما الفكرة التي سبقت الإنجاز؟ ولذلك بحثت عن فلسفته أكثر من بحثي عن قائمة إنجازاته.
🟢 *”أثر لا يغيب» عبارة عن قراءات وتأملات تلامس الإنسان والفكر والحياة. هل هو لمسة وفاء لكل من ساهم في صنع أسامة الكاتب*؟
✒️إلى حد كبير، نعم. فالإنسان لا يصنع نفسه وحده. نحن حصيلة آباء وأمهات ومعلمين وأصدقاء وكتب ومدن ومواقف، وحتى أشخاص عبروا حياتنا سريعاً وتركوا شيئاً لا يزول. الوفاء عندي شكل من أشكال مقاومة النسيان.
🟢*عندما تقرأ كتابك بعد النشر، هل تشعر بأنه لم يكتمل وأن شيئاً كان يجب أن يقال*؟
✒️دائماً. بعد النشر أتحول فجأة إلى قارئ قاسٍ لكتابي أرى كلمة كان يمكن حذفها، ومشهداً كان يمكن تعميقه، وصمتاً ربما كان أبلغ من الكلام. أنا لا أنتهي من الكتاب؛ أنا فقط اتوقف عن كتابته.
🟢*يقال إن العصر هو عصر الرواية. إلى أي حد أسهم الزخم الروائي الحالي في تحقيق هذه المقولة*؟
✒️الرواية أصبحت الوعاء الأوسع القادر على احتضان التاريخ والسياسة والفلسفة والحب والحرب وتحولات المجتمع. لكن كثرة الروايات لا تعني بالضرورة كثرة الروايات العظيمة؛ المطابع تصدر الكتب، والزمن وحده يصدر أحكام البقاء.
🟢*هل ترى أن الحركة النقدية في السودان تعطي الكاتب حقه*؟
✒️لدينا نقاد أصحاب معرفة عميقة، لكننا نفتقد الحركة النقدية المؤسسية المستمرة. وأحياناً نحتفي بالكاتب بعد أن يحتفي به الآخرون. والنقد الحقيقي في رأيي لا يجامل الكاتب ولا يهدمه؛ إنه يضيء النص ويترك الكاتب في الظل.
🟢*”اللحن المفقود” كان ضمن أطروحة دكتوراه و”مامبا سوداء” ضمن دراسة لنيل الماجستير. ماذا يعني لك أن تصبح أعمالك موضوعاً للبحث الأكاديمي خارج السودان*؟
✒️هذا من أكثر ما يسعدني في تجربتي الأدبية؛ لأن دخول النص إلى الجامعة يعني أنه تجاوز القراءة العابرة وأصبح مادة للسؤال والتحليل وإنتاج المعرفة. وأن يحدث ذلك خارج السودان يؤكد لي أن الأدب الصادق يستطيع تجاوز الجغرافيا.
🟢*استطاع اسم أسامة رقيعة الوصول إلى قراء خارج العالم العربي. إلى أي حد أسهمت الترجمة في ذلك*؟
✒️الترجمة كسرت جدار اللغة أمام كتبي. عندما ينتقل العمل من العربية إلى التركية أو الفارسية أو الأمهرية أو الإنجليزية، فإنه لا ينتقل بين لغتين فقط، بل يدخل ذاكرة ثقافية جديدة. الترجمة تمنح الكاتب وطناً إضافياً دون أن تطلب منه مغادرة وطنه.
🟢 *حسب تجربتك المتعددة في النشر وتنقلك بين الناشرين، كيف تقارن بين النشر في السودان والعواصم العربية الأخرى*؟
✒️السودان غني جداً بالمبدعين، لكن الموهبة وحدها لا تصنع صناعة نشر. نحتاج إلى مؤسسات أقوى في التحرير والتوزيع والتسويق والترجمة وحماية حقوق المؤلف. بعض العواصم العربية سبقتنا في تحويل الكتاب من مجهود فردي إلى صناعة متكاملة، وهذا ما نحتاج إليه.
🟢 *إلى أي مدى يسهم الحراك الثقافي في الداخل والخارج في تقديم الكاتب إلى الآخر*؟
✒️الكاتب يحتاج إلى نص جيد أولاً، ثم إلى جسور تعبر به ، المعارض والندوات والإعلام والترجمة والجامعات والنقد هي هذه الجسور. الخارج يوسع مساحة الوصول، لكن الداخل يمنح الكاتب ذاكرته ولهجته الأولى وجذوره. العالم قد يمنح الكاتب جمهوراً، لكن الوطن يمنحه صوته.
🟢 *ماذا أضافت لك الإقامة الذهبية في دولة الإمارات العربية المتحدة*؟
✒️أعتز بها كتقدير، لكن قيمتها عندي تتجاوز الامتياز القانوني. الإمارات احتضنت جزءاً كبيراً من تجربتي المهنية والثقافية والإنسانية، ولذلك كانت الإقامة الذهبية بالنسبة لي رسالة تقدير من مكان أصبح جزءاً من حكايتي.
🟢 *ماذا أثارت الحرب السودانية في داخل وقلم أسامة رقيعة*؟
✒️أثارت حزناً لا تكفيه الكتابة. الحرب لا تقتل البشر وتهدم البيوت فقط؛ إنها تصيب الذاكرة أيضاً، وتغير علاقتنا بالأماكن التي أحببناها. لكنني، رغم كل شيء، أرفض أن أرى السودان من خلال الحرب وحدها. السودان أقدم من هذه الحرب، وأكبر منها، وسيبقى بعدها.
🟢 *هل تعتقد أن الإنسان خير بطبيعته، أم أن داخل كل إنسان صراعاً دائماً بين النور والظلمة*؟
✒️أعتقد أن في الإنسان قابلية للاثنين، وأن معركته الحقيقية تحدث في داخله قبل أن تحدث مع الآخرين. لذلك لا أحب الشخصية الملائكية تماماً ولا الشرير المطلق؛ فالإنسان أكثر تعقيداً من ذلك. وأخطر الشرور ربما هي تلك التي يستطيع صاحبها أن يجد لها مبرراً أخلاقياً.
🟢 *بعد كل ما حققته في القانون والأدب والدراسة، ما الذي تعتبره نجاحاً حقيقياً للإنسان حين تسقط الألقاب والجوائز والمناصب*؟
✒️أن يكون إنساناً جيداً. هذه العبارة البسيطة عندي أصعب من كثير من الإنجازات. أن تنجح دون أن تظلم، وأن تختلف دون أن تؤذي، وأن تستطيع فعل الشر ثم تختار ألا تفعله. الألقاب تسبق أسماءنا في الدنيا، لكنها لن ترافقنا إلى الآخرة.
🟢*ما الذي تخشاه أكثر: أن يُنسى الكاتب، أم أن يعيش طويلاً في ذاكرة الناس بنص لم يقل فيه الحقيقة التي يؤمن بها*؟
✒️أن أقول ما لا أؤمن به أخطر عندي من أن أُنسى. النسيان مصير طبيعي، ولا ينبغي للكاتب أن يخاصم الزمن طلباً للخلود. يكفيني أن أكتب ما أراه صادقاً؛ فإن بقي فذلك فضل، وإن نُسي فقد قلت كلمتي بضمير مرتاح.
🟢*هل وجد أسامة رقيعة بالقلم جواباً عن أسئلة وجوده في الكون*؟
✒️وجدت بعض الإجابات، ثم اكتشفت أن كل إجابة حقيقية تفتح باباً لسؤال أكبر. لم يعد هدفي أن أصل إلى يقين نهائي؛ يكفيني أن يجعلني القلم أكثر وعياً بنفسي وبالآخر وبسر هذا الوجود. ربما نحن لا نكتب لنجد الإجابة، بل لكي نستحق السؤال.
🟢 *الموت حاضر في الوعي الإنساني وإن حاول الإنسان تجاهله؛ ماذا يعني الموت لأسامة رقيعة؟ وكيف أثّر إيمانك بالآخرة في نظرتك للحياة والنجاح*؟
✒️لا أرى الموت نهاية، بل انتقالاً من مرحلة قصيرة إلى حياة أبقى. وهذه الفكرة تغيّر ميزان الأشياء عندي؛ تجعل الخصومات أصغر، والمناصب أقل بريقاً، والمال أقل قدرة على إغراء الإنسان. حين تؤمن بالآخرة تعرف أن السؤال الأهم ليس: ماذا امتلكت؟ بل ماذا قدمت، وكيف عشت، وبأي قلب ستغادر؟
🟢 *هل الكتابة عند أسامة رقيعة محاولة للخلود، أم أنك تؤمن أن الخلود الحقيقي ليس فيما نكتبه وإنما فيما نحمله معنا إلى الآخرة*؟
✒️لا أبحث بالكتابة عن الخلود؛ لأنني مؤمن بأن خلود الإنسان الحقيقي ليس على رف مكتبة. قد يبقى الكتاب ويذهب صاحبه، وقد يختفي الكتاب ويبقى أثر كلمة قالها لإنسان فغيّرت حياته. لذلك أتمنى أن يكون فيما أكتب شيء ينفعني هنا، وشيء أرجو أن أجده أمامي هناك. فالآخرة، في النهاية، هي الناقد الأخير لكل ما فعلناه في هذه الحياة.
🟢 *حين يأتي اليوم الذي تضع فيه القلم للمرة الأخيرة، ما الأثر الذي تتمنى أن يكون قد بقي منك في الناس*؟
✒️لا يشغلني أن يتذكر الناس عدد كتبي بقدر ما يعنيني ألا يتذكرني إنسان بأذى سببته له. أتمنى أن يبقى علم نافع، وكلمة طيبة، وكتاب فتح نافذة في عقل قارئ، وخير فعلته ثم نسيته. فأجمل الآثار عندي تلك التي تبقى بعدنا، وربما لا يعرف الناس حتى أننا كنا سبباً فيها.
🟢 *كلمة أخيرة*؟
✒️كلما تقدمت في العمر والكتابة، أصبحت أقل انشغالاً بفكرة الشهرة وأكثر انشغالاً بفكرة الأثر. فالشهرة ابنة لحظتها، أما الكلمة الصادقة فقد تعثر على قارئها بعد سنوات طويلة.
تعلمت من القانون أن أبحث عن العدل، ومن الأدب أن أبحث عن الإنسان، ومن الحياة أن كليهما لا يكفي من دون الرحمة. وأتعلم من الإيمان كل يوم أن هذه الرحلة، مهما طالت ومهما جمعنا فيها من أسماء وألقاب وكتب، لها نهاية، وأن ما يستحق أن نحمله معنا منها أقل كثيراً مما نتنافس عليه.
لذلك، إذا بقي من تجربتي كتاب جعل إنساناً يفكر، أو كلمة طيبة خففت عن قلب، أو علم انتفع به أحد، أو ذكرى تجعل من عرفني يدعو لي بخير، فسأعتبر أنني لم أعبر هذه الحياة بلا أثر.


