مقالات الرأي

فريق شرطة (حقوقي) د. الطيب عبدالجليل حسين يكتب .. ثقافة الصمت وسلطة القانون (2)

 

حماية الطفل والأدلة الرقمية: هل حان وقت تعديل التشريعات؟

 

بين الحين والآخر تطلع علينا النيابات وجهات التحقيق بقرارات إغلاق وتسويات صلح عشائري في قضايا ذات خطورة جنائية بالغة – مثل قضايا التحرش والإغواء الجنسي بمراهقين من أشخاص كبار في السن في عقدهم السادس والسابع – تحت يافطة الستر وخيفة الفضيحة. هذه القضايا لا تمثل فقط انهياراً أخلاقياً، بل تكشف عن عورات تشريعية وإجرائية في تشريعاتنا الموضوعية والإجرائية والإثباتية تعاني منها منظومتنا العدلية. ومن موقعنا كضباط شرطة قضينا عقوداً في المواجهة الميدانية العملية وتنفيذ النصوص التشريعية، ندرك تماماً أن الشرطة هي رأس الحربة التي تصطدم مباشرة بعجز التشريع عن ملاحقة الواقع. ولتقييم هذا القصور بدقة بعيداً عن الإغراق الأكاديمي الصارخ — مع الالتزام بحدود الحاجة للتأصيل المنهجي — كان لا بد من إخضاع هذه الإشكالية لما يُعرف في علم التشريع والصياغة التشريعية بنظرية (الروكيبي) (ROCCIPI) لتقييم كفاءة التشريعات الاجتماعية، وهي نظرية طورها البروفيسور روبرت سيميدمان (Robert Seidman) وزوجته البروفيسورة أنيماري سيميدمان (Ann Seidman) باعتبارهما الرائدين في هذا المجال، لتحليل أسباب فشل أو قصور القوانين في تحقيق أهدافها الاجتماعية عبر أبعادها المعيارية الرئيسية. وللفائدة العلمية والعملية، نضع بين أيديكم إسقاط هذه الأبعاد المعيارية على واقعة التستر على جرائم استغلال المراهقين، لنكشف كيف تؤدي الثغرات التشريعية إلى استلاب أدوات العدالة وتحويل الدليل الرقمي إلى عدم إثباتي وإجرائي:

(1) قواعد السلوك (Rules) : تُعنى القاعدة القانونية المعيارية، أي التحقق من مدى صراحة النص التشريعي ووضوحه ومباشرته في حظر السلوك المجرّم. وبإسقاط هذا التساؤل المعياري على الواقع التشريعي، يتجلى القصور بوضوح؛ فبالرغم من وجود نصوص تجريمية حازمة في القانون الجنائي وقانون الطفل وقانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات تحظر الإغواء والتحرش، إلا أن المنظومة التشريعية تتشابك معها (رخاوة إجرائية) وثغرات تسمح بانقضاء الدعوى الجنائية عن طريق الصلح أو تنازل ولي الأمر. إن هذا التناقض بين صارم نصوص التجريم الموحدة وموانع العقاب الإجرائية يُهدر الصفة الآمرة للقانون في جرائم تمس بالنظام العام والمصلحة الفُضلى للقصر من الأطفال والمراهقين.

(2) الفرصة (Opportunity) : يُعنى هذا المحور ببيان مدى تساهل البيئة التشريعية والإجرائية في خلق منافذ تتيح للفاعلين الالتفاف على القانون وتجاوز أحكامه. ويبدو القصور جلياً في منح النصوص الإجرائية الحالية سلطة مطلقة أو واسعة (لولي الأمر) في التصرف في الدعوى الجنائية عن طريق التنازل؛ وهو ما يمنح الأطراف النافذة والبيئات العشائرية الأهلية المحافظة فرصة ذهبية لفرض (تسويات صلح) مبطنة بالإكراه الأدبي والضغط الاجتماعي. إن هذا الخلل التشريعي يتيح إغلاق القضايا عالية المخاطر بعيداً عن الرقابة القضائية الصارمة، مما يُفرغ عقوبات التجريم من مضمونها الردعي.

(3) قدرة الفاعلين (Capacity) : يطرح هذا البُعد المعياري تساؤلاً جوهرياً حول مدى امتلاك جهات إنفاذ القانون للإمكانيات والمهارات الفنية والإجرائية اللازمة لتطبيق التشريع وإثبات الحقيقة. وهنا يكمن (بيت القصيد الشُرطي/ رجل الشرطة)؛ إذ يتجلى العجز الميداني العملي لإنفاذ القانون عندما تُقدَّم للشرطة أو جهات التحقيق مقاطع وتسجيلات صوتية متبادلة عبر تطبيقات التواصل الاجتماعي واتساب وفيسبوك، حيث تتعامل معها الأجهزة العدلية في النيابة والقضاء بأساليب تقليدية تُغفل الطبيعة الخاصة للدليل الرقمي(Digital Evidence) . إن غياب الإلزام بضوابط تقارير الخبرة الفنية – كالشفافية، وبيان المنهج العلمي، ومعدل نسبة الخطأ (مدى مقبولية الدليل الرقمي)، وتحديد حدود النتيجة، والاستناد لما يتعارف علية بالسلم الكيزي – Eoghan Casey خبير البينة الرقمية – لتقييم قوة الدليل – مصحوباً بفقر البنية التقنية الميدانية للفحص السريع وسلسلة الحيازة Custody Chain، يمنح الجناة فرصة سهلة للتشكيك في الدليل أو التخلص منه، أو التخلص من الدليل بقرارات تصدرها النيابة العامة أو القضاء دونما تحقق إثباتي وإجرائي من الدليل). وبذلك تضعف قدرة السلطات الأمنية من الشرطة والسلطة القضائية على فرض الحقيقة العلمية المجردة لبلوغ الحقيقة القضائية، وتتراجع أمام سطوة الضغوط العشائرية وثقافة الستر الشكلي.

(4) الاتصال (Communication) : يركز هذا المحور المعياري على قياس مدى وضوح الرسالة التوجيهية والردعية التي يرسلها التشريع للرأي العام والمجتمع. ويتجلى القصور هنا في اتساع الفجوة بين الشعار النظري والتطبيق الميداني (الواقع العملي)؛ فبينما يرفع القانون شعار (المصلحة الفُضلى للطفل)، تأتي الممارسة الإجرائية الواقعية وقبول التسويات العشائرية لترسل رسالة مجتمعية عكسية ومغلوطة، مفادها أن (العقوبات الجنائية قابلة للمساومة والبيع بالصلح والتسوية بالتنازل، وأن خشية الفضيحة تعلو على حقوق الطفل وأمن المجتمع). إن هذا التناقض الصارخ يؤدي إلى تقويض مقاصد الشارع، ويُسقط الفعالية الردعية بنوعيها العام والخاص.

(5) المصالح (Interests) : يبحث هذا البُعد المعياري في تشخيص موازين القوى والمصالح المتعارضة بين أطراف الواقعة، وتحديد الفئات المستفيدة من الثغرات والقصور التشريعي. ويكشف التحليل الميداني للواقع العملي عن تشابك مصلحة الأسر/ العائلات – الواقعة تحت وطأة الضغط العشائري الأهلي والخشية من الوصمة المجتمعية – مع مصلحة الجاني في طمس الحقيقة وإفلاته من العقاب. وبما أن التشريعات الحالية تفشل في تحصين حظر الاعتداء على الطفل وتجريد ولي الأمر من سلطة التنازل عند ثبوت تعسفه أو رضوخه للإكراه الأدبي، فإن هذا القصور يصب مباشرة في مصلحة الجناة (ولا سيما أصحاب النفوذ أو كبار السن)؛ حيث يُوفر لهم غطاءً آمناً للإفلات من المسؤولية الجنائية على حساب الحق الأصيل للطفل وللمجتمع.

(6) الأيديولوجيا والقبول (Ideology) : يعالج هذا البُعد المعياري مدى انسجام التشريع مع القيم السائدة الـ Common Values وقدرته على فرض سيادة القانون في مواجهة الموروثات الاجتماعية المتقادمة. وهنا يتجلى العجز الأكبر؛ إذ تصطدم التشريعات الحديثة بموروث ثقافي وعشائري عتيق يحكمه مفهوم (ثقافة العيب والستر الخاطئ). وحين يفتقر البناء التشريعي إلى نص آمر وحاسم يحظر التنازل أو الصلح في الجرائم الجنسية الموجهة ضد القُصر من الأطفال والمراهقين، تنكفئ المنظومة العدلية وتنتصر الأيديولوجيا التقليدية السائدة على سيادة القانون وحماية الضحايا الضعفاء.

وعند تطبيق نموذج روكيبي ROCCIPI المعياري على الواقعة والمنظومة التشريعية، يتضح العجز جلياً عبر أبعاده المعيارية المختلفة؛ ففي قواعد السلوك ورغم وجود نصوص في القانون الجنائي وقانون الطفل ومكافحة جرائم تقنية المعلومات (جرائم المعلوماتية) تجرم الإغواء والتحرش الجنسي والاعتداء على الجسد، إلا أن هناك رخاوة تشريعية تتيح انقضاء الدعوى بالتنازل أو الصلح في جرائم تمس بالأساس بالنظام العام وحماية القُصر الأطفال والمراهقين، مما يجعل القواعد القانونية متناقضة بين نصوص التجريم الصارمة وموانع العقاب الإجرائية، بالتزامن مع توفير الفرصة عبر النصوص الإجرائية الحالية التي تمنح ولي الأمر سلطات واسعة في التصرف في الدعوى بالتنازل، مما يوفر بيئة ذهبية للأطراف النافذة أو المجتمعات المحافظة لإنجاز صلح عشائري-أهلي مبطن بالإكراه الأدبي والاجتماعي بعيداً عن أعين الرقابة القضائية الصارمة. ويمتد هذا القصور إلى قدرة الفاعلين وجهات الإنفاذ لقانون، وهنا بيت القصيد الشرطي/ رجل الشرطة، إذ أنه عندما يُقدم للمحقق أو الشرطة تسجيل صوتي متبادل عبر تطبيقات التواصل الإجتماعي، تتعامل معه الأجهزة العدلية في النيابة العامة والقضاء بمعزل عن معايير الأدلة الرقمية وضوابط تقرير الخبرة من شفافية وبيان للمنهج ونسبة خطأ وحدود النتيجة والسلم الكيزي Casey لاختبار قوة الدليل، ولعدم وجود معايير إلزامية مدعومة ببنية تقنية ميدانية سريعة يسهل التخلص من الدليل أو التشكيك فيه، لتتراجع قدرة الشرطة على فرض الحقيقة العلمية أمام ضغوط العشيرة والستر والتصرف في البلاغ الجنائي بالشطب دون تحقيق وتحقق يتطلبة القانون الإثباتي، وتتكرس فجوة الاتصال لأن القانون يرفع شعار المصلحة المثلى للطفل بينما ترسل الممارسة العملية والتسويات رسالة عكسية تماماً، مفادها، أن الجرائم تُشترى بالصلح وأن الفضيحة أشد خطورة من الجريمة، مما يُسقط الردع العام والخاص، وتتطابق هذه الفجوة مع المصالح الضيقة للأسر/ العائلات في طمس الحقيقة بفعل الضغوط العشائرية والخوف من الوصمة المجتمعية، في ظل تشريعات لا تحصن الطفل رغماً عن ولي الأمر حين يتعسف الأخير لتصب في مصلحة الإفلات من العقاب وحماية الجناة من أصحاب النفوذ أو كبار السن، لتنتصر في النهاية الأيديولوجيا والقبول المرتبط بثقافة الصمت في مواجهة سيادة القانون حين يصطدم النص الحديث بموروث عتيق وثقافة عيب قاتلة في غياب نص تشريعي آمر يحظر الصلح في الجرائم الجنسية ضد القُصر (الأطفال والمراهقين).

من خلال الممارسة الميدانية والواقع العملي، ندرك تماماً أن الشرطة هي الجهة التي تصطدم بعيب التشريعات، وعندما نتعامل مع بلاغات عالية المخاطر تخص استغلال المراهقين، تواجه الشرطة إشكاليات حادة تتمثل في غياب الإلزام بفحص الأدلة الرقمية وفق المعايير العلمية؛ إذ لا يزال التسجيل الصوتي يُعامل في كثير من أقسام الشرطة والنيابات والقضاء كمستند عادٍ يتم الاستماع إليه أذُناً دون إخضاعه للسلم الكيزي Casey للأدلة أو اشتراط تقارير خبرة تفصيلية تقيس نسبة الخطأ (مدى المقبولية) وتكشف التلاعب مثل برمجيات التزييف العميق Deepfakes، وهو قصور إجرائي يتيح للمتهمين إفلاتاً سهلاً أو يدفع الأسر/ العائلات للرضوخ للتسويات، إلى جانب شلل الأجهزة الأمنية – الشرطة بالصلح الشكلي، فالنص التشريعي على جواز الصلح والتنازل في الجرائم التي تقع على الأشخاص دون استثناء دقيق لجرائم الأطفال يجعل التحريات والتحقيقات وجهد ضباط الشرطة عبثاً لا قيمة له، إذ يذهب الجهد الأمني للشرطة هباءً بمجرد توقيع ورقة صلح عشائرية في ديوان أو جلسة صلح وتنازل مغلقة ديوانية في النيابة العامة أو قضائية أمام محكمة.

ولكي تخرج المنظومة العدلية من أسر ثقافة الصمت وتنازلات الستر القاتلة، نرى ضرورة رفع التوصيات التشريعية اللازمة لمعالجة المشكلة الاجتماعية عبر تعديل القوانين القائمة من قانون جنائي وقانون الطفل وقانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات، وذلك بتقييد سلطة التنازل في جرائم الأطفال عبر تعديل نصوص قانون الطفل والقانون الجنائي بحيث تُعتبر جرائم التحرش والإغواء والاعتداء على القصر من الجرائم التي لا تقبل الصلح أو التنازل ولو صدرت سواء من الشاكي المبلغ في الجرائم التقليدية أو من ولي الأمر للطفل المراهق لاعتبارها متعلقة بالنظام العام والمصلحة الفضلى للطفل، وإصدار تشريع إجرائي ملزم للأدلة الرقمية يسن قواعد واضحة في قانون الإجراءات الجنائية تعتمد السلم الكيزي Casey ومعايير تقارير الخبرة الرقمية من شفافية ومنهج علمي ونسبة خطأ محددة كشروط لقبول أو رفض الأدلة الصوتية والرقمية لحماية التحقيقات من العبث، فضلاً عن تجريم الضغط العشائري-الأهلي للتستر على الجرائم عبر استحداث عقوبات مشددة في القانون الجنائي وقانون الطفل لكل من يتدخل لفرض صلح أو تنازل في قضايا الجرائم الجنسية للبالغين أو ضد القُصر بهدف طمس الأدلة وإرهاب الضحايا.

إن أي تعديل تشريعي لا يضع في اعتباره الرؤية الواقعية لأجهزة الشرطة وانفاذ القانون لتعقيدات الميدان العملي لتنفيذ القانون، سيظل حبراً على ورق، وستبقى العدالة رهينة لثقافة الصمت والتسويات التبسيطية التي تهدم بنيان المجتمع من أساسه. وهو ما يدعو ملحاً إلى تبني رؤية علمية وتشريعية شاملة لتعديل أو إلغاء القصور القائم – لا سيما في القوانين ذات الحساسية العالية كقوانين مكافحة جرائم المخدرات والتهريب – عبر صياغة نصوص صريحة في قوانينها الخاصة توفر الحماية القانونية التامة للعاملين في مجالات إنفاذ القانون ومكافحة المخدرات والتهريب وأثناء إجراءات القبض والملاحقة والمواجهة مع المجرمين في الجرائم الخطيرة الماسة بأمن المجتمع والنظام العام. إن ذلك كله يتطلب التزاماً بمعايير التشريع الجيد والأفضل التي توازن بدقة بين متطلبات الردع الجنائي، وحماية الضحايا، وأمن المجتمع، وعدم اصطدام أسس التشريع بالواقع الاجتماعي سلبياً، بل تقويمه بما يحقق المصلحة العليا للبلاد والعباد.

فريق شرطة (حقوقي)

د. الطيب عبدالجليل حسين محمود

المحامي استشاري القانون والموثق

26 اكتوبر 2026م

زر الذهاب إلى الأعلى