موطئ قلم د. أسامة محمد عبدالرحيم .. يكتب ،، البحر الأحمر في الاستراتيجية الأمريكية… ثبات المصالح وتحولات النفوذ

تتمسك الولايات المتحدة بالبحر الأحمر باعتباره مصلحة استراتيجية دائمة، لكنها تعيد النظر في الكيفية التي تُدار بها مسؤوليات الأمن الإقليمي، وفي الأدوار التي ينبغي أن يتحملها حلفاؤها وشركاؤها. وتكشف هذه المفارقة عن تحول يتجاوز ترتيبات الانتشار العسكري إلى طبيعة النفوذ الأمريكي نفسه، وحدود المسؤولية التي ستنتقل إلى القوى الإقليمية، ومدى ما سيصاحبها من سلطة في صناعة القرار. وبين مصالح ثابتة وأدوات يعاد ترتيبها، تتشكل معادلة أمنية قد تحدد مستقبل البحر الأحمر وموقع دوله الساحلية في موازين القوة.
ففي استراتيجية الأمن القومي الأمريكي المنشورة في ديسمبر 2025م، أكدت واشنطن أن ضمان بقاء البحر الأحمر مفتوحاً أمام الملاحة يمثل إحدى مصالحها الأساسية، إلى جانب أمن إمدادات الطاقة الخليجية، وحرية الملاحة في مضيق هرمز، ومنع التهديدات الإرهابية، والمحافظة على أمن إسرائيل. وتكشف هذه الصياغة عن الترابط بين أمن الممرات البحرية واستقرار أسواق الطاقة والتوازنات الإقليمية، بما يجعل البحر الأحمر جزءاً من منظومة استراتيجية تتجاوز حدوده الجغرافية.
ثم جاءت استراتيجية الدفاع الوطني الصادرة في يناير 2026م لتضيف بعداً آخر، بالتأكيد على تحمل الحلفاء والشركاء مسؤولية رئيسية عن أمن مناطقهم، مع استمرار الدعم الأمريكي وفق مقتضيات المصالح والأولويات الدفاعية، والاحتفاظ بالقدرات اللازمة لحماية المصالح الأمريكية. ويعكس هذا التوجه إعادة ترتيب للأولويات الدفاعية في ظل التنافس الاستراتيجي مع الصين، والحاجة إلى توزيع الموارد العسكرية بين مسارح متعددة. ومع أن الوثيقة لم تطرح ترتيبات مستقلة ومحددة لأمن البحر الأحمر، فإن توجهاتها العامة توفر إطاراً لفهم التحولات المحتملة في إدارة أمنه.
والقراءة المتأنية للوثيقتين تكشف عن تحول يتجاوز تقاسم تكاليف الدفاع إلى إعادة النظر في العلاقة بين المسؤولية الأمنية والنفوذ الاستراتيجي. وتشير هذه المقاربة إلى احتمال اتساع الأدوار التنفيذية للشركاء الإقليميين، مع استمرار الاعتماد على القدرات الأمريكية المتقدمة في الاستخبارات والتكنولوجيا والتسليح والتنسيق العملياتي. وهنا يبرز سؤال جوهري: هل يعني توزيع الأعباء الأمنية توزيع سلطة القرار الاستراتيجي أيضاً، أم أن الدول الإقليمية ستتحمل مسؤوليات أكبر بينما تظل مفاتيح التأثير الحاسم في يد القوة الأمريكية؟
وفي البحر الأحمر تحديداً، تكتسب هذه المقاربة أهمية استثنائية. فالممر الذي يربط المحيط الهندي بالبحر المتوسط عبر باب المندب وقناة السويس يمثل شرياناً حيوياً للتجارة الدولية، ونقطة التقاء بين المصالح الأمريكية والصينية والأوروبية والخليجية والأفريقية. وقد أثبتت الهجمات على الملاحة أن تهديداً ينطلق من نطاق جغرافي محدود يستطيع إرباك سلاسل الإمداد ورفع تكاليف النقل والتأمين عالمياً، الأمر الذي جعل أمن الممرات البحرية عنصراً مباشراً في حسابات النفوذ الدولي.
ويضيف الحضور الصيني بعداً أكثر تعقيداً لهذه المعادلة. فامتلاك بكين قاعدة عسكرية في جيبوتي، إلى جانب مصالحها التجارية المرتبطة بالموانئ وطرق الملاحة، يجعل البحر الأحمر إحدى ساحات التداخل بين المصالح الاقتصادية والتنافس الاستراتيجي. ومن ثم فإن إعادة توزيع الأدوار الأمنية الأمريكية تثير تساؤلات حول حدود استقلال الشركاء الإقليميين في علاقاتهم مع الصين، ومدى تأثر الترتيبات البحرية المقبلة بالتنافس بين القوتين. فالمسألة تتجاوز حماية الملاحة إلى تحديد من يمتلك القدرة على التأثير في قواعد الأمن البحري ومؤسساته.
غير أن هذا التحول يطرح إشكالية تتعلق بموازين القوة بين الدول المطلة على البحر الأحمر. فالدول الخليجية تمتلك موارد مالية وقدرات عسكرية متنامية، بينما تتمتع مصر بموقع محوري بحكم قناة السويس وارتباط أمنها القومي باستقرار الممر البحري. وفي المقابل، تواجه دول القرن الأفريقي تفاوتاً كبيراً في قدراتها المؤسسية والعسكرية والاقتصادية. وقد يؤدي هذا الاختلال إلى ترتيبات تتقدم فيها الدول الأكثر قدرة على التمويل والتسليح، بينما تتراجع أدوار دول تمتلك مواقع جغرافية بالغة الحساسية.
وهنا تتجلى المعضلة السودانية. فالسودان، بساحله الممتد لنحو 840 كيلومتراً وموانئه ذات الأهمية الاستراتيجية، يجد نفسه أمام تحولات إقليمية متسارعة بينما تستنزف الحرب قدراته الداخلية. والمفارقة أن أهمية موقعه تتزايد في الحسابات الإقليمية والدولية، في الوقت الذي تتراجع فيه قدرته على تحويل هذه الأهمية إلى نفوذ فعلي. وتكمن الخطورة في احتمال تشكل ترتيبات أمنية تؤثر في مجاله الحيوي دون مشاركة سودانية فاعلة في تحديد قواعدها وأولوياتها.
ومن هنا تبرز ضرورة الانتقال من «جغرافيا الموقع» إلى «استراتيجية الدور». فامتلاك الساحل والموانئ يمنح السودان أهمية جغرافية، لكن تحويلها إلى قوة استراتيجية يتطلب رؤية وطنية متكاملة تربط الأمن البحري بالسيادة والتنمية والعلاقات الإقليمية. وتظل هذه الرؤية مرتبطة بإنهاء الحرب، واستعادة فاعلية مؤسسات الدولة وقدرتها على التخطيط والتنفيذ، وتوحيد القرار الاستراتيجي وتعبئة الموارد الوطنية. وبالتوازي مع استعادة هذه القدرات المؤسسية، ينبغي العمل على إعادة تأهيل القدرات البحرية، وتطوير منظومات المراقبة الساحلية، وتعزيز كفاءة الموانئ، وبناء شراكات متوازنة، مع إخضاع الاتفاقيات الأمنية والاقتصادية لضوابط مؤسسية تحمي استقلال القرار الوطني وتمنع نشوء تبعية استراتيجية طويلة الأمد.
وعلى المستوى الإقليمي، يبرز مجلس الدول العربية والأفريقية المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن، الذي وُقّع ميثاق تأسيسه في السادس من يناير 2020م، باعتباره إطاراً يمكن تطويره لتنسيق المصالح الأمنية والاقتصادية للدول الساحلية. غير أن توقيع الميثاق يمثل خطوة تأسيسية تحتاج إلى آليات تعاون فاعلة، وقدرة على تجاوز التباينات السياسية وتحقيق التوازن بين مصالح الأعضاء. وفي هذا السياق، تصبح استعادة السودان حضوره الإقليمي ومشاركته في صياغة الترتيبات المشتركة جزءاً من حماية مصالحه الاستراتيجية، وهو حضور يتطلب مؤسسات وطنية قادرة على تحويل المواقف السياسية إلى سياسات وبرامج قابلة للتنفيذ.
إن التحول الذي تعكسه الاستراتيجيتان الأمريكيتان يضع البحر الأحمر أمام مرحلة قد تتغير فيها أدوار الحماية وموازين النفوذ، بينما تظل المصالح الكبرى ثابتة. وفي هذه المعادلة، يواجه السودان اختباراً يتجاوز قدرته على حماية ساحله إلى قدرته على التأثير في مستقبل الإقليم الذي ينتمي إليه. فالجغرافيا تمنح الدول موقعاً على الخريطة، أما الاستراتيجية فتحدد موقعها في موازين القوة. وبين الموقع والدور، سيتحدد ما إذا كان السودان شريكاً في صناعة أمن البحر الأحمر، أم مجرد دولة تتأثر بترتيبات يصوغها الآخرون.
الإثنين، 26 أكتوبر 2026م


