توقيت الزيارة في ضوء التحولات الدولية ومصالح السودان الاستراتيجية بقلم: د محمد مجذوب محمد صالح

أعتقد أن توقيت الزيارة مناسب، إذا قرأناها في سياق التحولات الجارية في النظام الدولي، وما تفرضه من إعادة ترتيب للتحالفات وموازين القوة والمصالح الإقليمية والدولية.
فالولايات المتحدة أصبحت منخرطة في مواجهة مفتوحة مع إيران، وهو ما يضعها أمام خيارات استراتيجية بالغة الصعوبة. وقد يدفع تعثر الحرب، أو عجزها عن تحقيق أهدافها، إلى تبني خيارات أكثر خطورة، بما فيها احتمال استخدام أسلحة نووية تكتيكية ضد أهداف إيرانية. وإذا حدث تطور بهذا الحجم، فإن تداعياته لن تتوقف عند حدود إيران، وإنما ستمتد إلى مجمل النظام الدولي.
فكيف سيكون رد الفعل الروسي إزاء أي تصعيد أمريكي نووي في إيران؟ وهل ستجد موسكو في ذلك مبرراً لتوسيع دعمها العسكري والسياسي لروسيا في حرب أوكرانيا؟ وكيف ستتعامل الصين مع هذا التحول، وما انعكاساته على موقفها من تايوان؟ ثم كيف ستتصرف الولايات المتحدة إزاء ردود الفعل الروسية والصينية؟ إننا أمام احتمالات لتفاعلات متسلسلة قد تفتح جبهات جديدة للصراع، وتعيد تشكيل موازين القوة الدولية. فالحروب الكبرى نادراً ما تظل محصورة في ساحاتها الأولى، وغالباً ما تستدعي صراعات أخرى بفعل تداخل المصالح والتحالفات ومخاوف الأمن القومي.
وفي هذا السياق، ينبغي للسودان أن ينظر إلى علاقاته الدولية من منظور مصالحه الاستراتيجية، وأن يدرك أن موارده الطبيعية تمثل أحد أهم عناصر قوته التفاوضية. فالسودان يمتلك ثروة هائلة من الذهب، ومع ذلك يعاني أزمات الغذاء والتنمية، بسبب ضعف القدرات الفنية والتكنولوجية والمؤسسية اللازمة لاستخراجه وتصنيعه وتوظيف عوائده في الاقتصاد الوطني. ويذهب جانب كبير من هذه الثروة إلى التهريب، فتستفيد منها شبكات خارجية، بينما يُحرم الاقتصاد السوداني من موارد كان يمكن أن تسهم في تمويل الزراعة والإنتاج وإعادة بناء الدولة.
ولعل دخول روسيا بصورة فاعلة في قطاع التعدين والاستثمار في السودان، وفق اتفاقيات واضحة ومصالح متبادلة، يمكن أن يفتح فرصة لاستعادة السيطرة الوطنية على الموارد المعدنية، والحد من تهريب الذهب، وتوجيه عوائده نحو التنمية والإنتاج. فالمسألة لا تتعلق بمجرد استقدام شريك خارجي، وإنما ببناء قدرة وطنية على إدارة الثروة وتحويلها إلى قوة اقتصادية وتنموية.
ومن المعروف أن روسيا تتحرك وفق حسابات مصالحها الاستراتيجية، ولديها علاقات عسكرية مع عدد من دول الإقليم، من بينها إثيوبيا، وهو ما يستدعي من السودان التعامل مع هذه الحقيقة بقدر كبير من الوعي والحذر. غير أن ذلك لا يمنع بناء شراكة استراتيجية معها، شريطة أن تقوم على اتفاقيات ملزمة، وضمانات متبادلة، واحترام السيادة السودانية، وعدم الإضرار بعلاقات السودان مع دول الجوار.
ويمكن للسودان أن يستثمر علاقته بموسكو للحصول على دعم سياسي ودبلوماسي، وتعاون عسكري وأمني يعزز قدرته على حماية سيادته ووحدة أراضيه ومواجهة التمرد، مقابل شراكات اقتصادية واستثمارية مشروعة في قطاع الذهب والمعادن والموارد الأخرى. وينبغي أن تكون هذه الشراكة قائمة على المصالح المتبادلة، لا على مبادلة الثروة الوطنية بمواقف سياسية أو التزامات عسكرية مفتوحة.
وفي تقديري، فإن السودان لا ينبغي أن يظل أسير حسابات الانتظار أو رهينة المواقف الأمريكية والغربية، خاصة في ظل ما يراه من انحيازات سياسية وضغوط إقليمية ودولية، ومن تأثير للمصالح واللوبيهات المرتبطة بإسرائيل والإمارات في توجيه بعض المواقف تجاه الحرب السودانية، بما في ذلك ما يتعلق بالدعم السياسي والدبلوماسي والعسكري الذي يصل إلى التمرد. ومن ثم فإن تنويع الشراكات الدولية، وفتح قنوات استراتيجية مع القوى الكبرى، يمثل ضرورة لحماية المصالح الوطنية وتوسيع هامش الحركة السياسية والدبلوماسية للسودان.
وهناك خطوة أخرى ينبغي التفكير فيها بجدية، وهي التوجه نحو الانضمام إلى حلف مكة، ولو بصفة مراقب في المرحلة الأولى، بما يتيح للسودان توسيع دائرة تحالفاته الإسلامية والإقليمية، وتعزيز التنسيق مع الدول التي تتقاطع مصالحها معه في مواجهة التهديدات الخارجية، ولا سيما ما يتصل بالاعتداءات الإسرائيلية والتدخلات الإقليمية في شؤون المنطقة. فالسودان الذي يواجه تحديات تمس وحدته وسيادته وأمنه القومي، يحتاج إلى بناء شبكة واسعة من العلاقات والتحالفات القائمة على المصالح المشتركة والتضامن المتبادل. وكما يقول المثل العربي: المصائب يجمعن المصابينا.
وأخيراً، فإن التاريخ الإسلامي يقدم لنا دروساً عميقة في علاقة الإيمان بالفعل الحضاري، وفي قدرة الأمم على استعادة قوتها في أوقات المحن والانكسار. فقد شهد تاريخ الأمة محطات كبرى من الصمود والانتصار، من القادسية إلى معارك التحرير في عهد صلاح الدين الأيوبي والظاهر بيبرس، وصولاً إلى حرب أكتوبر ومعارك العبور. وكانت هذه المحطات شاهداً على أن ضعف الإمكانات المادية لا يعني بالضرورة انعدام القدرة على النهوض، وأن الأزمات قد تتحول إلى لحظات لاستعادة الإرادة وتجديد العزيمة وتوحيد الصفوف.
إن الركون إلى الله تعالى، والثقة بنصره، ينبغي أن يقترنا بحسن التدبير، وإعداد القوة، ووحدة الإرادة، والأخذ بأسباب العلم والعمل والتنظيم؛ فالتوكل الحق يجمع بين صدق الاعتماد على الله وإحكام الأخذ بالأسباب.
إن السودان اليوم أمام فرصة لإعادة تعريف موقعه في النظام الدولي، والانتقال من موقع الدولة التي تتلقى آثار الصراعات الدولية إلى موقع الدولة التي تحسن توظيف التحولات الدولية لخدمة مصالحها. وهذا يقتضي رؤية استراتيجية بعيدة المدى، تنوع التحالفات، وتحمي السيادة، وتستثمر الموارد، وتوازن بين مقتضيات الأمن الوطني ومتطلبات الاستقلال في القرار السياسي.
فالمطلوب أن تكون ثروات السودان مدخلاً لاستعادة قوته، وأن تكون علاقاته الدولية وسيلة لبناء دولته، وأن تتحول محنته الراهنة إلى بداية مشروع وطني جديد لاستعادة الكرامة والسيادة والفاعلية الحضارية.


