همس الحروف القانون الدولي ليس بندقية للإيجار ، وكفى توظيف العدالة في معارك السياسة بقلم : د. الباقر عبد القيوم علي
من التناقضات التي ينبغي أن يتوقف أمامها العالم طويلاً ، هي أن المليشيا وأجنحتها السياسية ، وأبواقها الإعلامية باتوا يقدمون أنفسهم بوصفهم دعاة للقانون الدولي ، وذلك ليس انطلاق من موقف مبدئي يدافع عن حقوق الإنسان ، أو حرمة الحياة ، ولكن ياتي ذلك عبر توظيف نصوص القانون وتحويله إلى سلاح سياسي يستهدف تجريم القوات المسلحة السودانية ، من أجل تهيئة المناخ لإستدعاء التدخل الدولي ، وهنا يكمن أس التناقض الذي يحول القانون ، من كونه مرجعية للعدالة ، وحماية للمدنيين ، إلى أداة في إدارة الخصومات السياسية .
أطلقت صمود سلسلة من الإتهامات بشأن إستخدام الجيش السوداني للأسلحة الكيميائية ، وسعت إلى تسويقها خارجياً من خلال لقاءاتها بالمسؤولين الغربيين في كل من أمريكا ، وكندا ، أوروبا ، بوصفها جريمة تستوجب الملاحقة الدولية ، ونحن لا نجادل ولا نختلف معهم في أن إستخدام الأسلحة الكيميائية محظور حظر قاطع بموجب إتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية لعام 1993 ، وهذه الإتفاقية التي أتت كانت تتويجاً لمسيرة طويلة من الرفض الدولي لهذه الأسلحة الفتاكة التي لا تميز بين العسكريين والمدنيين ، والتي أذاقت البشرية أشد ويلات الحروب ، ولا سيما خلال الحرب العالمية الأولى ، ولكن الاتهام ، مهما علا صوته وتعددت المنابر التي يُطرح عبرها ، لا يمكن ان يتحول إلى دليل ، ولا يجوز أن يحل الخطاب السياسي محل التحقيق المستقل ، والأدلة الموثوقة ، والإثبات القانوني .
أتساءل عن التناقض الذي يكمن في التعاطي مع القانون الدولي الإنساني ، الذي إستدعته تلك الأصوات للمطالبة بتجريم الجيش ، أليس هو نفس القانون الذي يحظر الاعتداء على الأعيان المدنية والمنشآت الحيوية الضرورية لبقاء السكان المدنيين على قيد الحياة ، ولذلك فإن الإحتكام إلى هذا القانون يقتضي تطبيق أحكامه دون إنتقائية أو إزدواجية في المعايير .
فالمادة (54) من البروتوكول الإضافي الأول لاتفاقيات جنيف ، والقاعدة (54) من قواعد القانون الدولي الإنساني العرفي ، تضعان حماية الأعيان التي لا غنى عنها لبقاء السكان المدنيين على قيد الحياة ضمن صميم قواعد الحرب ، فالقانون ذاته يحظر تجويع المدنيين كأسلوب من أساليب الحرب ، ويحظر إستهداف الأعيان الضرورية لبقائهم على قيد الحياة ، أليست الكهرباء شرياناً حيوياً يغذي المستشفيات ، ومحطات المياه ، والمخابز ، وسائر مرافق الحياة اليومية ؟ ، أليست آثار تدمير البنية التحتية الكهربائية بالمسيرات تتجاوز المنشآت المستهدفة عسكرياً ، لتمتد إلى حياة ملايين المدنيين الذين لا صلة لهم بهذه الحرب ؟ .
لقد بات إستهداف البنية التحتية لقطاع الكهرباء أمراً موثقاً ومكشوفاً للعالم ، وخصوصاً إن المليشيا أقرت بإستهداف هذه المنشآت الحيوية ، إلى جانب ما أوردته تقارير موثقة بشأن هذه الهجمات التي طالت المرافق والأعيان المدنية ، وهذا الأمر يستوجب تحركاً قانونياً عاجلاً ، ومساءلة واضحة في هذه الانتهاكات ، فضلاً عن إتخاذ التدابير اللازمة لحماية المدنيين والأعيان المدنية وضمان عدم تعريضها للإستهداف .
والأكثر إثارةً لحفيظتنا ، وإستجلاباً للإستفهام هو غياب موقف سياسي معلن يتناسب مع حجم الضجة الإعلامية والسياسية التي صاحبت اتهامات الجيش بإستخدام الأسلحة الكيميائية ، الأمر الذي يثير تساؤلات مشروعة حول إزدواجية المعايير وإنتقائية المواقف السياسية تجاه ما يجري في السودان .
إن القانون الدولي ليس قائمة انتقائية من النصوص ، ننتقي منها ما يخدم خصومتنا ، ونتجاهل ما يدين ممارساتنا ، فلا يمكن أن تكون حياة السودانيين محل إهتمام عندما يتعلق الأمر بتوجيه الاتهامات إلى الجيش السوداني ، ثم تصبح معاناتهم قضية هامشية عندما يتعلق الأمر باستهدافات المليشيا التي تؤدي إلى إنقطاع الكهرباء ، وتعطيل المستشفيات ، وتوقف محطات المياه ، فحقوق المدنيين لا تتجزأ ، ولا يجوز أن تخضع لموازين الخصومة السياسية أو الانتقائية في تطبيق القانون .
أقول للمليشيا وأذرعها السياسية : من يطالب العالم بتطبيق القانون الدولي ، عليه أن يقبل بتطبيقه على الجميع دون إستثناء ، فمن مقتضيات العدل أن يكون المعيار واحداً ، ويحب أن تُطبق نفس القواعد على الجميع ، فالعدالة لا تتجزأ ، وحقوق السودانيين ليست أقل قيمة من تلك الحقوق التي يتذرع بها السياسيون في عواصم العالم .
فالكهرباء التي تنطفئ في بيوت السودانيين ، وما يترتب على ذلك من معاناة ، لا تقل أهمية عن الحجج التي يرفعها أولئك السياسيون في المحافل الدولية .
نصر من الله وفتح قريب وبشر المؤمنين
elbagirabdelgauom@gmail.com


