فى بريد الاعيسر صناعة الأجندة بين صدق الأحكام وحفظ الجوار .. بقلم : كابتن محمد حسن الطاهر

التاريخ : نوفمبر .2026. 8
أولا لماذا نسأل عن الأجندة؟
والاجابة تظهر فى انه لا يقرّر أحدٌ قراراً في فراغ.
كل قرار يصدر عن قائد أو مؤسسة أو أمة يمرّ عبر
– ما يُرى أهلاً للنظر
– وما يُعدّ هامشاً،
– ما يُقدَّم وما يُؤجَّل،
– وما يُسمّى مشكلة وما يُسكت عنه.
هذا الترتيب الخفي للأولويات هو الأجندة. وهي
– تسبق القرار كما يسبق الميزان الوزن،
فمن يملك ترتيب الأسئلة يملك جانباً كبيراً من الأجوبة قبل أن تُقال.
ولنبدا بالبحث في سؤال واحد بوجوه متعددة:
– كيف تُصنع الأجندة،
– وما صلتها بالصدق والكذب في الأحكام،
– وماذا تفعل بعلاقات الجوار،
– وبماذا يهدي النص القرآني في هذا كله؟
أولاً: في تعريف المفردة
كلمة «أجندة» دخيلة على العربية. أصلها اللاتيني agenda وهو جمع agendum، أي «الأشياء التي ينبغي أن تُفعل».
فهي في أصل وضعها صيغة وجوب وليست وصفاً للواقع. وهذا مهم فالأجندة تحمل في بنيتها
– معنى «ما يجب» قبل أن تحمل معنى «ما هو كائن».
ثم انتقلت من دفتر المواعيد إلى جدول أعمال الاجتماعات، ثم إلى المعنى السياسي والفكري الأوسع وهو ترتيب الأولويات الذي يُوجّه الفعل الجمعي.
وللعربية ما يقابلها بمعانٍ متقاربة:
– «الخطة» و«النيّة» و«المقصد» و«الغاية».
وهى في الاصطلاح الشرعي «المقاصد» :
– أقرب ما يكون إلى الأجندة الأخلاقية المعلنة.
وفي اللسان الدارج صار لفظ «أجندة» يحمل ظلاً سلبياً، فيُقال «له أجندة» بمعنى «له غرض خفي».
وهذا الانزياح الدلالي يكشف حقيقة نفسية تتراوح بين المضمر والمظهر
– فالناس يدركون أن الأولويات المعلنة ليست دائماً هي الأولويات الفعلية.
ان الأجندة هى ابنة المكان والزمان معاً حيث نجد ان
– الجغرافيا تفرض أولويات لا يملك أحدٌ تجاهلها.
– أمةٌ على نهر عظيم يكون الماء أول بنود أجندتها،
– وأمةٌ على ممرّ تجاري تكون الطرق والأسواق والتحالفات أول همّها،
– وأمةٌ في صحراء مفتوحة تكون القافلة والواحة والعصبية أول ما تحسب حسابه.
وقد أدرك ابن خلدون أثر البيئة في طباع الأمم ونُظُمها حين ربط بين العمران البدوي والحضري وما يتبع كلاً منهما من عصبية وسياسة وأخلاق.
وبالاسترشاد من النص الحكيم نجد ان القرآن يلتفت إلى هذا المعنى الجغرافي-التجاري في سورة قريش:
﴿لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ * إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ﴾
فأجندة قريش كانت مرسومة بالمكان:
– رحلتان بين اليمن والشام،
– وأمن الطريق وحُرمة البيت.
ومن هنا كانت علاقات الجوار عندهم شرط البقاء قبل أن تكون فضيلة يعززها عندهم التاريخ الذى يضيف الذاكرة
– فالجراح المتراكمة
– والانتصارات المحفوظة
– والمظالم المتوارثة.
– والأجندة التي تصنعها الأمم
هي في جانب كبير منها ردّ فعل على تاريخها.
– فأمة تحمل ذاكرة غزو تجعل الأمن أول أولوياتها،
– وأمة تحمل ذاكرة تفكك تجعل الوحدة أولاً،
– وأمة تحمل ذاكرة استعباد تجعل الكرامة أولاً.
ويظهر الخطر حين يتحول التاريخ من درس إلى سلاح. تُنتقى منه الوقائع التي تخدم أجندة الحاضر ويُسكت عما سواها.
ان القرآن يرفض هذا الاستخدام الانتقائي للماضي، فيقول عن الأمم الخالية:
﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾
وفي هذا فكّ للارتهان فالماضي يُعتبر به ولا يُورَّث ثأره.
وهنا تمييز أراه مفتاحياً بين نوعين من الاجندة :
الأجندة المطبوعة هي ما انطبع في الجماعة من حيث لا تشعر: عادات التفكير وبديهيات الثقافة والمسلّمات التي لا تُناقَش لأنها لم تعد تُرى. هي نتاج التنشئة والتاريخ والبيئة، وتعمل بصمت. ومنها قول القرآن على لسان الأقوام المحتجّين على رسلهم:
﴿بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ﴾
فهذه أجندة مطبوعة في أصفى صورها: لا يرى أصحابها أنهم اختاروا شيئاً، وإنما يرون أنهم وُجدوا هكذا.
أما الأجندة المصنوعة هي ما يُصاغ عمداً:
– خطاب إعلامي، أو حملة سياسية، أو سردية تُبنى لتوجيه الانتباه وتشكيل الرأي.
وهي لا تعمل في فراغ، فأنجح الأجندات المصنوعة هي التي تركب على أجندة مطبوعة، فتستثمر
– خوفاً قديماً
– أو حلماً مكبوتاً
– أو جرحاً لم يندمل.
وقد حكى القرآن نموذجاً صارخاً في فرعون حين يصنع أجندة التخويف:
﴿قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَىٰ وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾
وهنا جوهر التحكم:
– حين يُحتكر تعريف «ما يهم»،
فإن صاحب الأجندة يضيّق دائرة الممكن ثم يقدّم للناس ما بقي داخلها بوصفه «الخيار الوحيد الرشيد». ولا يحتاج إلى منع النقاش، يكفيه فقط أن يحدّد موضوعه . . وهنا يبرز السؤال التالى وهو :
كيف تتحكم الأجندة في صدور القرار؟
للأجندة آليات متعاقبة منها :
الانتقاء:
– ما يدخل دائرة الانتباه ويخرج منها.
التأطير:
– كيف تُسمّى المسألة. فالتسمية نصف الحكم.
الترتيب:
– ما يُعالج أولاً وما يُرجأ، والمُرجأ كثيراً ما يموت.
الاستبعاد:
– البدائل التي لا تُطرح أصلاً.
وبهذا يكون القرار نتيجة متأخرة لعمل سابق عليه وفق اليات مستمدة من
– the game theory
– rational choice theory
من هنا نستنتج منطقيا ان القائد الذي يظن أنه «يختار» كثيراً ما يختار من قائمة صُنعت له من قبل الأجندة وأيضا وفق سيكولوجية القادة
فللقادة نفوس كسائر البشر، لكن الموقع يضخّم ما فيها. والقادة لا يقرّرون بعقل مجرّد، وإنما بمزيج من الحسابات والهواجس والذكريات والصور الذاتية.
وأهم ما يصوغ نفسية القائد السردية المؤسِّسة لجماعته:
– قصة النشأة،
– والبطل المؤسس،
– والعدو الأول،
– والنكبة الكبرى،
– والوعد المنتظر.
فالقائد الذي نشأ في :
– سردية «الحصار» سيقرأ كل انفتاح تهديداً.
– سردية «الاختيار والرسالة» سيقرأ كل معارضة عداوة للحق.
– سردية «الظلم التاريخي» سيرى في كل قرار فرصة للثأر أو التعويض.
وهكذا تتسرب السردية من الكتب والأناشيد إلى غرفة القرار.
ان السردية ليست مجرد حكاية، وإنما هي بنية معنى
– تُنظّم الأحداث في حبكة ذات بداية وذروة ووجهة.
– وتُصنع من أربع بوابات فلسفيا وعلميا ودينيا وفنيا
فلسفيا تُبنى السردية بالتأسيس على مفاهيم كبرى :
– الطبيعة، العقل، التقدم، العدالة، الدولة.
وتتخذ شكل نظام يجيب عن أسئلة الوجود والغاية.
وتعمل الفلسفة بالتعريف والحجّة، فتنتج سرديات تدّعي الكونية، مثل
– التنوير الذي وعد بتحرير الإنسان بالعقل،
– أو الجدلية التي رأت التاريخ حركة حتمية.
والخطر هنا أن النسق المحكم قد يُغري صاحبه بتجاهل الوقائع التي لا تدخل فيه.
أما علميا تُبنى السردية حين تُصاغ نتائج البحث في قصة أكبر:
– أصل الكون،
– تطور الأنواع،
– سنن العمران.
والعلم في ذاته منهج حذر يقول «بحسب الأدلة الحالية»،
لكن السرديات المبنية عليه تفقد هذا التحفظ كثيراً. فيتحول :
– النموذج إلى حقيقة نهائية
– والارتباط إلى سببية
وقد استُعمل لغة العلم في القرن التاسع عشر والعشرين لتبرير تراتب عرقي وسياسات إقصاء الخ.
فالعلم نفسه بريء، لكن سلطته الرمزية تُغري بالتوظيف.
بالمقابل نجد ان الدين أقوى مصانع السرديات لأنه يجمع
– الأصل والمصير
– والواجب والرجاء.
فالسردية الدينية تبنى على :
– نص مقدّس
– وذاكرة نبوية
– وطقس متكرر،
فتغدو الهوية والأخلاق والانتماء شيئاً واحداً تكمن :
– قوتها في أنها تمنح معنى للألم وتحدّد وجهة للحياة.
– وخطرها في أنها حين تُستعمل أداة تعبئة تتحول من هداية إلى استقطاب،
فيُجنَّد النص لخدمة الأجندة وهو ما نزل ليحاكمها.
اخيرا فنيا نجد ان الفن ينفذ السرديات إلى الوجدان لأنه يتجاوز الحجّة إلى الصورة والإيقاع.
فالقصيدة والنشيد والملحمة والفيلم والمسلسل تزرع في الإنسان انحيازات يتبناها قبل أن يعي.
وللشعر في العرب سلطان معروف، وقد كان لسان القبيلة وإعلامها.
ولهذا ميّز القرآن بين الشعر الذي ينقاد وراء الهوى والكلمة التي تهدي:
﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ * أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ﴾
ثم استثنى من اتقى وصدق وعمل صالحاً.
فالحكم هنا على الوظيفة وليس على الأداة ومن هنا نختم بسؤال الى صناع المستقبل من عقلاء اهل السودان
– من يصنع اجندتنا الان
– ومن يتحكم فى وجدان اهل السودان
– واين نحن الان والى اين نتجه
وماهى رؤيتنا لصناعة مستقبل اجيال السودان بعقليات عالمية( فى زمن الذكاء الاصطناعى ونظرية الكوانتم) من خلال ضابط السرديات وسلامة الوجدان التى تساهم فى انتاج جيل سودانى مؤهل عالميا سليم وجدانيا يمكن وصفه بالمثل الانجليزى
He dresses local but he thinks global


