مقالات الرأي

مسارات محفوظ عابدين يكتب هل التمرد في السودان( صنيعة) وطنية؟!!

 

التمرد بالفهم العام هو الخروج عن القانون أو عدم الإلتزام به ،وقد يكون هذا الخروج عن القانون( بطرا)، أو عدم( رضا) اولفت إنتباه ،أو عمدا لتحقيق مكاسب اي كانت تلك المكاسب.

والتمرد الذي شهده السودان من قبل الاستقلال في العام ١٩٥٥م في توريت كانت حقيقته الظاهرة ،وقد تكون هنالك أسبابا لا علاقة لها بالعمل العسكري أو السياسي مثل تلك المجموعة التي استولت على حقوق الجنود واستحقاقتهم المالية ومايلي ذلك من أموال، ولم تجد حلا غير أن تذهب الى (الغابة) متمردة وقد تكون الفكرة في أصلها طمع شخصى أو اعتبارها حالة من حالات الاختلاس التي تحدث في المال العام وتظهر سنويا في تقرير المراجع العام ويتداولها البرلمان والإعلام فالاول بمزيد من التشريعات لسد الثغرات والثاني بمزيد من التحليل لمعرفة الأسباب التي أدت إلى هذا الحجم من الاعتداء على المال العام.

لكن تبقى الحقيقة أن أي تمرد يظهر في أي زمان يجد له جهة ما تساعد في تطوره من (يرقة) إلى( شرنقة) إلى (حشرة) كاملة،. وهذه الجهة بالتأكيد لها مصلحة بقدر الانفاق على المتمردين وجعلهم في مستوى معين بالقدر الذي يحقق أهداف الجهة الداعمة للتمرد.

والتمرد الأكبر الذي شهده السودان كان هو حركة جون قرنق ، في العام ١٩٨٣م وقرنق قد يكون تمرد لأسباب يمكن معالجتها أو كانت أسباب خاصة بإتفافية أديس أبابا اوتقسيم الجنوب إلى أقاليم ،ولكن البطء في حل المشاكل ،يجعل كثير من الجهات تتبنى هذا التمرد وتدعمه بالمال والسلاح ، لتحقيق مصالح.

ولقد ذكر أحد قادة المعارضة السودانية في ذلك الوقت وهو يحمل رتبة عسكرية رفيعة وهو ضابط معاشي ،ذكر في رسالة منشورة أن المعارضة السودانية التي كانت تتخذ من لندن مقرا لها هي السبب الرئيسي في دعم التمرد الذي قادته حركة جون قرنق وتقوية شوكته في مواجهة نظام مايو بقيادة المشير جعفر محمد نميري .

وقد ذكر هذا القيادي عندما ظهر الرئيس نميري في التلفزيون وهو يحمل زجاجة من النفط السوداني المستخرج من حقول في جنوب السودان إيذانا بدخول السودان نادي( النفط) أو عضوا متوقعا في منظمة الدول المنتجة للنفط (أوبك)،في تلك اللحظة التي شاهدت فيها المعارضة السودانية تلك اللقطة جن جنونها وأصابها الخوف والذعر لأن نميري إذا استخرج النفط فان حكمه سيستمر إلى عقود،بتوفير حياة أفضل الشعب السوداني من وضعه الحالي ، ولن تتمكن المعارضة من الوصول إلى كرسي الحكم في القريب العاجل أو الآجل ،فكان القرار هو وقف عمليات استخراج النفط حتى لو على حساب السودان والشعب السوداني ،واتصلت المعارضة بقرنق الذي قال لهم أنا لا املك المال والسلاح لمواجهة القوات المسلحة ،فقالت له لا عليك سندبر الأمر، فاتصلت المعارضة بالزعيم الليبي القذافي في طرابلس الذي كان في حالة عداء مع نميري لتوفير السلاح وكانت المشكلة كيف يصل السلاح إلى جنوب السودان واتفقوا مع الرئيس الاثيوبي منقستو والذي اشترط أن أي سلاح قادم لقرنق لديه فيه (٥٠٪) ووافقت المعارضة على ذلك الشرط.

ظل قرنق يحارب حكومة السودان بدعم من المعارضة السودانية إلى تبنته جهات خارجية بزعم محاربة الاضطهاد و العنصرية وحرية الأديان وغيرها من الأسباب التي يطرب لها أهل الغرب وبالتأكيد لهم في دعم التمرد مآرب اخرى غير المذكورة.

وقد ذكر ذلك الضابط الرفيع الذي كان حاضرا في التخطيط والتنفيذ لهذه الوقائع إبراء للذمة.

وظل قرنق يحارب( ٢٢)سنة وحكم فقط( ٢٢)يوما وتم اغتياله من جهة لا علاقة لها بالسودان.

والتمرد الاخير الذي شهده السودان من مليشيا الدعم السريع بقيادة حميدتي والذي دمر البلاد وشرد العباد واوقف الإنتاج كان في الأصل( صناعة وطنية)، وكما معروف حتى نهاية الحكم البشير كان الدعم السريع تحت أمرة القوات المسلحة،ولا يستطيع أن يتحرك خطوة واحدة في أقصى دارفور إلا بأذن من القوات المسلحة ،ولكن بعد التغيير الذي حدث في ابريل ٢٠١٩م بذهاب حكم البشير حصلت كل هذه التطورات التي شهدها الجميع لقوات الدعم السريع استغلت حالة اللا الحكومة ولا دستور في تقوية وضعها العسكري لتكون قوة موازية تحت سمع وبصر حكومة (قحت) التي كان هدفها هو أن تحكم اطول فترة ممكنة دون انتخابات.وأستخدمت الدعم السريع (سوطا) تلوح به وجه كل من يحاول اعتراض سيرها ومنها ذلك الهتاف الذي ساد فترة (حميدتي الضكران خوف الكيزان)،ولم تجد( قحت )فرصة للانفراد بحكم البلاد ولجأت للاطاري الذي كان مفصلا على نفسها وعزلت منه القوى السياسية الأخرى وعندما لم تتمكن من فرض (الاطاري) هددت بالحرب على لسان قادتها مثل مريم وعرمان وجعفر سفارات وبابكر فيصل وقالوا بلسان واحد( الإطاري أو الحرب) واختاروا الحرب ودمروا البلاد وشردوا العباد.

حالة (حميدتي) مختلفة من حالة قرنق في كثير من الأوجه والمواقف وابرزها في حالة حميدتي أن الجهات الأجنبية كانت متزامنة مع تمرده بل تكون قد مهدت له وذلك بسبب حالة البلاد السياسية والأمنية ،عكس حالة قرنق فقد جاءت الجهات الأجنبية لاحقا ،قرنق بدأ تمرده من أطراف الجنوب وحميدتي بداه من قلب العاصمة ،قرنق التزم مبدئيا بأخلاقيات الحرب ،وحميدتي لم يلتزم بها بل وضعها تحت اقدام جنوده،قرنق ضابط بالقوات المسلحة يحمل رتبة عسكرية بحقها وحميدتي يحمل رتبة عسكرية بغير حقها.

قرنق تخرج من جامعة الخرطوم ونال الدكتوراه من امريكا بينما لم ينل حميدتي أصلا حظا من التعليم.

ولكن اللوم ليس على قرنق أو حميدتي إذا كانت لهم طموحات في قيادة السودان ولكن يبقى اللوم على تلك القوى السياسية التي دعمت التمرد على الأنظمة الوطنية الحاكمة مثل حالة معارضة نميري اومثل الحالة التي دمرت السودان من أجل الانفراد بحكم السودان دون غيرها مثل (قحت)

ويبقى الخطر على السودان ليس من الجهات الأجنبية ،التي تتربص به اصلا، لكن الخطر كل الخطر من بعض القوى الوطنية أن كانت احزاب او كيانات أو أفراد وهذا هو مكمن الداء في تخلف السودان وعدم نهضته.

زر الذهاب إلى الأعلى