( هذي رؤاي) عبد العزيز عبد الوهاب يكتب الهند الإستنارة والتوهج

لم يكن الرجل بحاجة ليقرأ
الحاضر الملبد بالغيوم والتعقيدات المتصادمة ، بل لعله تطلع ليبرأ مما نسميه : شيل الحال أو كشفه ، الذي قد يقع تحت وطأته الذين كانوا يومها أشبالا ، بينما هم اليوم حضورا يصنعون الحب والمستقبل .
يقفزون بالوطن بلمسة زر من الأرض بكل صخبها ، إلى القمر حيث الإستنارة والتوهج .!
حدث ذلك قبل شهرين أو ثلاثة وبلا ضوضاء ، أما الحدث : فهبوط مركبة الفضاء الهندية تشاندرايان-3 التي تضم جهاز الهبوط (فيكرام) وتعني (الشجاعة) في اللغة السنسكريتية،
بنجاح على القطب الجنوبي من سطح القمر ،والذي يعتقد أنه مصدر للماء والأوكسجين .
وبذلك تحتل الهند المرتبة الرابعة ، بعد روسيا وأمريكا والصين ، هبوطا على سطح القمر .
أما صانع الحدث ؛ فهو البروف في الفيزياء وعلوم الفضاء أبوبكر زين العابدين أبو الكلام المولود
1931م ، والملقب ب
(رئيس الشعب أو الرجل الصاروخ) والذي أنتخب
رئيساً للهند عام 2002م .
أعد البروف حزمة برامج متماسكة لتحقيق النهضة ، واستند في رؤيته
حتى العام 2020 م ، على الأفكار والتأملات البناءة التي تعكس هموم الصغار كما الكبار ، تلك التي طرحها أمامه أطفال الرياض والمدارس ،الذين خصص لهم أوفر محاضراته ووقته الرئاسي ، وكان يحفزهم بالقول : احلموا.. احلموا .. احلموا .
أفكار تحولت تاليا إلى برامج عمل للحكومة، لكنه ارتقى لرحمة مولاه إثر ذبحة صدرية بالعام
2015 م دون أن يحتفل بقطف ثمارها رفقة تلامذته ومحبيه.
ومن أمجد تلك البرامج ، تأكيد حرص الدولة على محاربة الفقر وتصفيره بوصفه : العدو الأول لطفلة ، تحدث إليها البروف ؛ حينما سألها عن : عدوها الأول في الحياة؟ فأجابت ببراءة : إنه الفقر سيدي ، وقد أهداها نسخة من كتابه الذي صدر لاحقا وعنوانه ( عقول مشتعلة) .
وعند النظر للوراء بنحو نصف قرن ، لم يكن الشعب الذي انتفض ، على بريطانيا سنة 1947 م ، آخذا أحسن ما عندها ومتباعدا عن أسوأ ما في جعبتها، حين تركته يعيش تحت الحضيض لا فوقه ، يأنسه ، فلا يأكل سوى الخشاش والضفادع ؛يعلو رأسه القمل وعليه يتغذى .
وفي ذروة ذلك البؤس ، وتحديدا في العام 1941م ، قامت حكومة السودان في (أيامها اللذيذة)، بالتبرع بمبلغ مليون جنيه استرليني مناصفة بين باكستان والهند التي استثمرت المنحة في تشييد الكلية الحربية الهندية التي شُيدت على مساحة 80 كيلو متر .
يقول العقيد ركن عمرو أبو عبيدة محمد علي صالح ، الذي إنتدبته وزارة الدفاع السودانية في العام 2017 م لدراسة الماجستير في الدراسات الإستراتيجية والدفاع بالكلية الحربية الهندية أو ما تعرف بأكاديمية الدفاع الوطنية التي يمكن رؤية مبناها الشاهق الضخم من على مسافة 20 كيلو متر ، وذلك بموجب منحة سنوية خصصتها الهند للسودان تقديرا للصداقة بين البلدين .
يقول العقيد : وعند الإنتهاء من الدورة وقف ضابط هندي برتبة فريق ونادى بين الخريجين الذين يمثلون عددا من دول العالم : هل بينكم ضابط من السودان ؟
فاندهشت للسؤال وقلت له : نعم ، فطلب مني التقدم نحوه .
وقال أمام الجميع : إن هذا المبنى العتيق الذي يعد مفخرة للشعب يعود الفضل فيه للسودان ، ولذلك فإن حكومة بلدي أطلقت عليه اسم ( سودان بلوك) وفاء لذلك السخاء ، والتي أفتتحت رسميا في 30 مايو عام 1959م ، على يد سعادة السيد / رحمة الله عبد الله سفير السودان لدى الهند .
يصل سكان البلد إلى أكثر من مليار ونصف، منهم 200 مليون مسلم يمثلون 15% من السكان ، شيئا يجعل من توفير وجبة الإفطار فقط ، معجزة بحد ذاتها.
يتباهى الهندي ويتبختر ليحدٌث الدنيا عن منجزاته ، فخلال عشر سنوات فقط قفز الإقتصاد من المرتبة الحادية عشر إلى الخامسة ، بينما يحتل الجيش الترتيب الرابع عالميا.
وبإلتزامها بمبدأ ( خشمي عندي) تتقدم الهند بثبات لتكون أكبر تاجر جملة في العالم ؛ وبمهارة تمسك بالزمام؛ دون أن يكسر حجر الغرب بيضة الشرق، بينما تتأهب لتصبح قبل الصين أو معها ( سيم .. سيم) .
وإنجاز فخيم كهذا ، يجعل من المستحيل على العامل نصف الماهر، وهو ( يقزقز ) في صناعة عشرات آلاف الركشات يوميا، يتذكر شيئا اسمه شركة ( دقلو أخوان) الباطشة أو مجموعة ( أولاد زايد ) القابضة .
فهو كثيرا ما ينام قبل أن يغسل يده بعد العشاء ، أو حتى دون أن يقبٌل زوجته الباذخة الأنوثة التي تتحرك نحو القمر لتتحكر مكانه .
ألف البروف الذي باع الصحف في طفولته ، بينما رهنت أخته ( غوائشها) بستمائة روبية ليتمكن الفتى الألمعي من الإلتحقاق بالمعهد التقني ، الذي يعود الفضل في إنشاء المئات من فروعه ، إلى أول رئيس وزراء بعد الإستقلال جواهر آل نهرو والد انديرا ، كتابا عُدٌ من أهم المؤلفات الدولية ، وصف فيه تجربته في الإصلاح والمصاهرة بين الدولة المتصالحة والسكان ، وإن تباينوا دينيا وطبقيا .
أما ( الحب) ، فكان ثمرة الثمار التي عكف عليها الرئيس الحاصل على 4 شهادات دكتوراة
و44 دكتوراة فخرية من أرقى جامعات الأرض .
فحين فرغ ، من كتابه (إشعال العقول: إطلاق العنان لقوة الهند) بعدد ثمانية فصول تؤسس لبناء الهند الجديدة ، قام بعرضه على صديقه الراهب ( سوامي) الذي أثنى على المؤلف. لكنه لفت النظر إلى ضرورة إضافة فصل تاسع ، بوصفه الأهم والأكثر إلحاحا لسلامة الهند الأم ونهضتها وهو ( الحب) ، فعاد وضمه للمؤلف. وكان البروف المشهور باسم( عبد الكلام) قد ألقى محاضرة قيمة بقاعة الشارقة حين زار السودان عام 2003م .
وحين انتفض السودانيون في ديسمبر 2018م ، وصف شاب هندي من ولاية كيرلا ( والحديث منقول من صفحة البروف عثمان أبوزيد) الثورة بالياسمينية ، لكن الشاب عاد وبعث بمخاوفه لأن: الإعلام المناصر لها، رآه يساريا ، وهو إعلام يلهب المشاعر ويذر الرماد في العيون ، ويوحي زخرف القول غرورا ، وأضاف : فلا أعرف معدلات الحق فيها !؟
لم يكن الحب مجرد طق حنك في(جناين حبيبي مفلس الهندية) ولا سهر العيون في فسبكة ليست كلها وقورة تمتد حتى ( الأذٌانات) الأولى ، بين طرفين أحدهما عاطل بيد أنه يتأفف من سواقة الركشة .
فالحب هنديا ؛ هو شعلة نشاط في المدارس ، دماء في المصانع ، عرق في المزارع والمنتديات وحنك طاعم في استديوهات ( بوليوود) ومسارحها .
أما إذا رغبت عزيزي القاريء في أن تلبس أو تركب أو أن يشم الناس عطرك ، فعليك الشراء مما كتب على ديباجته : صنع في الهند ، ليس لأنه مصنوع بجودة ولكنه سيكون كذلك : معمول بحب !
وبالحب غادرت الهند عزلتها فوصلت بالسخرية واللاعنف إلى المجد ، كما هو الأسلوب عند المهاتما غاندي الثري المنعٌم ، الذي كان يمشي نصف عاريا ، ولما سئل عن ذلك ؟ قال: كيف أحدٌث الناس عن الفقر وأنا أعيش حياة الدعة !حتى ألهم شعبه بساطة العيش وكراهية الفشخرة.
وبالحب تحررت من الإنكسار ، واحتفلت بكرامة إنسانها ، فاليد السفلى لا تبني مجدا ، كما هو الأسلوب عند انديرا غاندي؛ التي رفضت ساعة عسرٍ ؛ استلام الإغاثات الدولية وقالت :
إن المساعدات المغموسة في زيت الإذلال تهدر كرامة الشعب وتدمر عنفوانه وتحوله إلى قط أليف كسول ينتظر في صف طويل ، يصرفه عن حقله وقلمه وماكينة خياطته ، فكان ذلك حافزا للشعب الذي يسهم بنحو 40% من صادرات الأرز العالمية .
و بكامل الدماثة والهدوء خصوصا مع الذين تفننوا في إزدرائهم والضحك على حكمتهم وحنكتهم المتناهية في إمتصاص استفزاز من هم أقل جدارة ووسامة منهم متحلين بفراسة ونجاعة المهاتما غاندي الذي أرسل مقولته الخالدة التي أصبحت كنشيد الصباح لدى أطفال المدارس وفيها يقول : (في البداية يتجاهلونك، ثم يسخرون منك، ثم يحاربونك، ثم تنتصر)
نعم فقد حقق أبطال الهند المحبين ؛ لكن المنبوذين ؛ بمثل قول أحدهم متهكما من الآخر : إنت هندي؟ .
حققوا الإنتصار على أكثر من صعيد ، حيث برز منهم ، كما جاء في مقالة جزلة لطارق أحمد خالد والتي ننقل منها بتصرف :
شاعر الهند العظيم ” طاغور” الذي تغنى بإسمه الكابلي:
“صوت طاغور المغني
بجناحين من الشعر على روضة فن”.
والشيخ أبو الحسن الندوي وذاكر نايك وشيخ المناظرات أحمد ديدات.
و “ساتيا ناديلا” مدير عام مايكروسوفت و “ساندر بيتشاي” الذي يدير طاقم ( قوقل) و “اجاي بانجا” الذي يرأس فريق ماسترد كارد وغيرهم من الأفذاذ .
ودمتم


